في الهجوم على القرضاوي: قدر الشهادة من قدر الشهود!
[ 06/02/2010 - 09:25 ص ]
رشيد ثابت

في قلب رام الله وعلى مقربة من مقر سلطة المقاطعة انتصبت لوحة إعلانية مصورة تنتقد الشيخ يوسف القرضاوي للقائه "بإسرائيليين". ومن الطبيعي لكل هذا الكم من الكذب المفتقر للمروءة والإبداع أن يكون أقرب ما يكون من المقر المركزي والتاريخي للخسة والنذالة فلسطينيا وعربيا وربما عبر التاريخ في الأولين وفي الآخرين؛ وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!

اللوحة وشبيهاتها مملوكة – بحسب الجزيرة - من شركة "سكاي" التي يديرها طارق محمود عباس. و"سكاي" بحسب ما كانت رويترز قد ذكرت سبق لها وقبضت أموالا من "يو اس ايد" - أي حصلت على تمويل من الحكومة الأمريكية – من أجل تنظيم حملة علاقات عامة لتحسين "صورة أمريكا" (وطبعا المثل الشعبي القبيح عن مآلات المال الحرام وعدم جدواه تحقق 100% ولا زالت أمريكا بسبب سياساتها هي الأكثر مكروهية فلسطينيا وعربيا وإسلاميا – وإن في المرتبة الثانية بعد المسخ الصهيوني)

هذا بالمناسبة بخلاف أموال أمريكية حكومية أخرى حصل عليها ياسر محمود عباس عبر شركته "الصقر" في إطار عقود مقاولات هندسية؛ وإن كان كريم شحادة – محامي كل من "زينغو ورينغو" – قد أكد لرويترز أن طارق وياسر (ياسر هو صاحب التكشيرة "الأكلح" فلسطينيا وهو ينظر لواقعية "التعامل" مع الصهاينة إذا ما تجاهلنا تكشيرة والده حين يتحدث عن حماس أو المقاومة أو الصواريخ - الفلسطينية طبعا) أكد كريم شحادة هذا أن النجلين المبجلين ربحا الأموال المقصودة في منافسة "شريفة" و"مفتوحة"؛ معتبرا أن أي اتهام بمحاباة الثنائي غير المرح هو اتهام "غير أخلاقي" و"لا أساس له". كذلك كانت "يو اس ايد" قد أكدت أن "الروابط العائلية" لم تأخذ في عين الاعتبار حين تم تحديد الفائزين في العطاءات. ولا شك أننا جميعا نصدق ذلك تصديقا تاما؛ أليس كذلك أيها القارئ؟

لا بأس بالاستطراد آنف الذكر لرسم ملامح الصورة القبيحة – وإن كانت تلك الصورة معروفة سلفًا - لخصوم القرضاوي (نقول "خصوم القرضاوي" ولو أنه تركيب مزعج إلى حد ما لأنه قد يوحي بأن هؤلاء البائسين معادلون أكفاء له) ولكن لنعد للفكرة المركزية وهي افتقار حواة "دايتون" لخفة اليد. تصوروا أولا حجم غياب المصداقية في انتقاد اللقاء "بإسرائيليين" على لوحة لشركة يديرها نجل الرئيس الأكثر لثما وتقبيلا لليهود منذ انفلاق البحر! تصوروا حجم المفارقة في صدور انتقاد اللقاء بإسرائيليين من دوائر أقرباء من كسَّروا ضلوع الصهاينة عناقًا و"معابطةً"؛ ومن حياض من فتحوا أبواب فلسطين لهم على الغارب بل سابقوهم إلى قتل المقاومين وأسرهم وإحباط العمل المقاوم عن طريق استهداف رجاله ونسائه ومقدرات هؤلاء المقاومين العامة والخاصة! انظروا لحجم "قلة الحياء" حين يقوم  المقربون ممن هم على أوثق صلة بالصهاينة بالتنظير من موقع "الفضيلة" في محاربة اللقاء "بالإسرائيليين"!

هذا من ناحية؛ أما من جهة أخرى فإن الصورة المنشورة كانت بطبيعة الحال مضللة وخادعة. فالصورة كانت للقرضاوي وهو يصافح يهودًا من جماعة "ناطوري كارتا" المناهضة للصهيونية والتي لا تعترف بالكيان الصهيوني وتطلب الاعتراف بفلسطين الكاملة من البحر إلى النهر. أي بعبارة أخرى فإن أفراد "ناطوري كارتا" الذين قابلهم القرضاوي متقدمون وطنيا ومبدئيا على محمود عباس وفريقه بسنوات ضوئية؛ فهم لم يوقعوا مع "يوسي بيلين" على وثيقة تتنازل عن وادي الأردن والقدس ولم يتحدثوا في "تبادل الأراضي" مع الكيان بل لم يعترفوا بالكيان "من أصله"!

لكن الحقيقة الواضحة هي أن الفريق العباسي يختبئ خلف هذا الهراء لإخفاء سبب غضبه الحقيقي من القرضاوي – من جهة أنه وصف محاربي تقرير "غولدستون" فلسطينيي الوجه صهاينة القلوب بما يستحقونه!

بعض الإخوة انبرى من قبيل حسن النية للدفاع عن الشيخ يوسف القرضاوي وتعداد محاسنه سواء في إصلاح الفكر الإسلامي أو مجهوداته في أبواب الدعوة والفقه – فضلا عن مناصرة فلسطين. والحقيقة أن هذا الإنجرار لتبيان محاسن الشمس لمجرد أن إحدى الرخويات المنتنة التي لا تنفك تفرز المخاط قد تساءلت عن الفائدة التي يعود بها هذا القرص الذهبي على الأرض - هذا الانجرار هو من لزوم ما لا يلزم؛ فالذين يسفهون أنفسهم من أيتام المدرسة اللحدية ويهاجمون القرضاوي فإنهم لا يهينون إلا ذواتهم الوضيعة ولا يؤذون إلا شخوصهم المتساقطة؛ أو كما قال الشاعر:

كناطح صخرة يوما ليوهنها * * * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

(مع الاحترام للوعول والتيوس الجبلية عن الإهانة غير المقصودة والتي اقتضاها السياق البلاغي وحسب)

أو كقول الشاعر:

ويا ضاربا صخرة بالعصا * * * ضربت العصا أم ضربت الحجر؟

فحديد القرضاوي يفل ويسحق خشبات هذه الإمعات التي توهمت في عين القرضاوي شوكة غير موجودة؛ وتغافلت عن الفأس التي تفلق رأس الفريق الخياني الذي استيقظ فجأة على الحساسية من اللقاء "بالإسرائيليين"- غافلا عن أن يبعد الرضاعة الصهيونية عن فمه؛ عسى ذلك أن يصب بعضا من قطران على زيف كذبه!

الشعب الفلسطيني ليس أحمق ولا مغفلاً؛ وهو لم يصدق اللوحات الخرقاء ولا قبل تفوهات مشايخ السوء الذين تطاولوا على القرضاوي بأمر سلطة العملاء. وإن كان الشباب الإسلامي في الضفة الغربية قد سكت تعفُّفًا على شتم قادة الحركة الإسلامية في فلسطين من على منابر اعتلاها الجبناء في غيبة الرجال؛ فإنه أبى أن يسامح ويصفح عن العدوان على شيخ فلسطين الأكبر والعلم البارز مناصرةً لها وتأييدا. فمن لفلسطين بمثل القرضاوي؟ وأَيْشِ نصنع عوضًا عنه بطارق ولوحاته أو صائب ومفاوضاته؟!

ومن المهم في سياق هذا الهجوم على أحباء فلسطين أن نلفت إلى أمرين مهمين:

- سبق لأصدقاء دحلان في الساحة الأوروبية أن نشطوا في العمل ضد جمعيات كفالة الأيتام الفلسطينيين – المقرة حسب الأصول المرعية في اكثر من بلد أوروبي – بحجة أنها تدعم "الإرهاب". وعليه فليس الهجوم الخسيس على أنصار المقاومة في الخارج – فضلا عن التكالب على عين المقاومة في الداخل – غريبا ولا جديدا على هؤلاء العملاء والخونة

- في ذات الوقت الذي استعرت فيه حملة أصفياء دايتون على القرضاوي فإن الكيان اختار عبر "يوفال ديسكين" أن يوجه الاتهامات للقرضاوي بمساعدة المقاومة. في الماضي كنا نقول أن الكيان يتعمد إهانة عملائه عن طريق فضحهم بمثل هذه الإشارات التي تتزامن مع شطحات هؤلاء العملاء؛ لكن يبدو أن ما يحصل الآن هو أن الكيان واللوبي الصهيوني في فلسطين يتماهيان معا في شن الهجمات على المقاومة ويُغْرِقان في التنسيق دون أن اكتراث بما يقوله العاذلون!  

فليهاجموا القرضاوي أو لا يهاجموه... فكما قال المتنبي فإن قدر الشهادة من قدر الشهود؛ وسوف لن نعبأ بمحك (عملاء) اليهود – أيضا كما كادت وصية أبي الطيب أن تكون!




ArticlePrintPage