|
غزة - المركز الفلسطيني للإعلام
مزيج من القهر والألم والقشعريرة تشعر به وأنت تستمع شهادة الشاب أحمد أبو حليمة الذي لم يتم عامه الرابع والعشرين، حول وقائع مأساوية خلال الحرب الصهيونية الغاشمة، التي تصادف هذه الأيام ذكراها السنوية الأولى، عندما أصابت قذائف الفسفور الأبيض منازل عائلته؛ بما فيها منزل والده، لتشعل النار في الأحياء الذين نضجت وتسلخت وتفحمت أجسادهم على مرأى عينيه دون أن تفلح محاولاته في إنقاذ والده وأشقائه.
صرخات استغاثة وبداية المأساة
كانت الساعة تشير إلى الرابعة من مساء يوم الأحد (4-1-2009) عندما كان الشاب أبو حليمة يتناول الغداء مع باقي أفراد أسرته في الطابق الأول من منزلهم الذي يعيش فيه مع 16 فردًا بالقرب من محررة "دوغيت" في منطقة السيفا بالقرب من "جامع العمرة" شمال قطاع غزة، ليسمع هو والباقون صوت إطلاق نار وقصف وانفجارات وحركة للدبابات الصهيونية في محيط المنطقة، قبل أن يسمع صوت زوجة عمه نبيلة أبو حليمة (37 عامًا) تصرخ: "بيت عمي حكمت قصف".
صمَت لحظات، وسرت قشعريرة في جسده وهو يسترجع مع مراسل "المركز الفلسطيني للإعلام" تفاصيل هذه اللحظات قبل أن يقول: "على الفور قمنا بالنداء على أفراد عائلة عمي حكمت للاطمئنان عليهم؛ علمًا أن منزلهم لا يبعد سوى أمتار فقط عن منزلنا".
غير أن الوقت لم يسعف أحمد وأفراد أسرته ليهبوا لنجدة منزل عمهم؛ فهم كانوا في حاجةٍ أشد إلى المساعدة خلال لحظات، بعدما دكت دبابات الاحتلال بقذائف الفسفور منزلهم لتهتز الجدران وتشتعل النيران في كل مكان، ويسقط هو على الأرض ويطيح به الانفجار عدة أمتار قبل أن يبدأ في محاولة استيعاب ما يجري وسط النيران والدخان المنبعث من جرَّاء التدمير والقذائف الفسفورية والنيران التي سبَّبتها,
قال: "وقفت بعد الانفجار بلحظات وكان معي في نفس الغرفة شقيقي محمد وابنته آية (3 أشهر) وزوجتي ميساء.. حملت ابنة أخي آية وقلت لأخي محمد: سأنزل إلى أسفل؛ حيث كنا في الطابق الثاني، وطلبت منه أن يحضر باقي أفراد العائلة".
وتابع: "نزلت مع زوجتي إلى الطابق الأرضي، وابتعدت عن مكان سقوط القذيفة، وبعد نزولي بدقائق وقع انفجار شديد تلاه صوت انفجارات أخرى هزت أركان المنزل، وبقيت في الطابق السفلي لمدة عشر دقائق تقريبًا".
المزيد من القذائف والنيران تشتعل في الوالد والأشقاء
وبعد سلسلة القصف والقذائف الجديدة التي دكت المنزل وأشعلت المزيد من النيران، سارع أحمد إلى الطابق العلوي ليطمئن على باقي أفراد أسرته ويساعد على إخلائهم، ولكن المفاجأة كانت بمشاهدة والده وفي حضنه الشقيقة الصغرى وقد اشتعلت فيهما النيران.
لم يتمالك أحمد دموعه وهو يتذكر هذه اللحظات وقال: "شاهدت والدي سعد الله (44 عامًا) ملقى على الأرض، ممدًا على ظهره وعليه باب الغرفة مشتعل، قمت برفع الباب عنه، فشاهدت والدي محروقًا، وثيابه مشتعلة، وكان بين ذراعيه أختي شهد التي تبلغ عامًا ونصفًا، وعبد الرحيم (14 عامًا)، وشاهدت النيران تشتعل في أجسادهم".
بطريقةٍ تلقائيةٍ أول ما فكر فيها أحمد هو إحضار الماء لإطفاء النيران، فأسرع إلى الحمام، وأحضر دلوًا ملأه بالماء وسكبه على والده وإخوانه الذين كانت تشتعل بهم النيران لتتفاقم المشكلة، وبدلاً من أن تطفئ النيران ازدادت وسُعِّرت بشدة.
أين المعتصم يا غادة؟
وبينما كان أحمد في حالة ارتباكٍ يفكر في آلية لإطفاء جذوة النار المستعرة في أجساد والده وشقيقته الصغرى وشقيقه، سمع صوت زوجة أخيه غادة (18 عامًا)، وكان صوتها خافتًا، ونبراته تشي بحجم تألمها ودرجته، وهي تقول: "استروني الله يستر عليكم".
أطلت نظرة غريبة من عيني أحمد يمتزج فيهما الألم بالعزم، وقال: "التفت إليها، وشاهدتها تقف أمام غرفتها، شاهدت جسدها أسود تسيل منه دماء وبه بقع من الحروق، وكانت عارية بشكل كامل"؛ فالنيران أتت على ملابسها التي على جسدها الذي بدأ يشتعل هو الآخر.
ولم يكن حال غادة أحسن من حال ابنتها فرح (أربعة أعوام)، التي كانت أيضًا محروقة، وجسدها أسود من شدة الحروق.
سارع أحمد إلى خلع ملابسه (الجاكيت والبنطال) وأعطاهما زوجة أخيه التي أمسك بها زوجها وقام بإخراجها من المنزل ليعود أحمد ليخرج والده وإخوته الذين استشهدوا واحترقت أجسادهم.
إخراج جثة الوالد
قال: "أحضرت بطانية وقمت بلف والدي وإخوتي، وكان الدخان ما زال ينبعث من جسده، وقمت بسحبه مع شقيقي محمود (19 عامًا) الذي حضر من منزل عمي لإسعاف أفراد العائلة"، مشيرًا إلى أنهما واجها صعوبة في ذلك؛ "فالنيران كانت مشتعلة في أثاث المنزل وكان هناك دخان كثيف رائحته كريهة.
وأضاف: "شعرت بالاختناق وضيف التنفس، وكنت أضع قطعة من القماش على فمي خلال محاولتي إخراج والدي"، لافتًا إلى أنه وبعد إخراج والده عاد إلى المنزل وقام بحمل شقيقته الشهيدة شهد، وكان جسدها متفحمًا ومتصلبًا، وأنزلها إلى الشارع؛ حيث شاهد "تراكتور" زراعيًّا كان يقوده ابن عمه محمد حكمت أبو حليمة (18 عامًا).
وتابع: "شاهدت أخي محمود يحمل أخي عبد الرحمن، ووضعه على باب المنزل مع جثمان والدي، بينما قام ابن عمي محمد حكمت بنقل الجرحى وغادر المكان، وشاهدت في مقطورة "التراكتور" غادة وابنتها فرح، وأختي شهد وكان معهم أخي محمد، وعمر (18 عامًا)، وأبناء عمي سعد على أبو حليمة (16 عامًا)، ومطر (18 عامًا)، ووالدتهما نبيلة".
المزيد من الشهداء
وعاد أحمد مجددًا إلى المنزل ليبحث عن باقي إخوته فوجد في غرفة المنزل المطلة على الناحية الغربية شقيقيه زيد (تسعة أعوام)، وحمزة (ثمانية أعوام)، وكان جسداهما مشتعلَيْن ومتفحمَيْن.
قال: "قمت برفقة شقيقي محمود بسحبهما، ووضعت عليهما بطانية، والنيران ما زالت مشتعلة في المنزل والدخان كثيف.. وضعت الشهداء على باب المنزل الخارجي وشاهدت عددًا من الجيران يتجمَّعون في المكان".
في الخارج كان عدد من الجيران تجمَّعوا بمن فيهم الجد والعمة نوره اللذان أصيبا بحالة انهيار بعد مشاهدة جثث والد أحمد وباقي أشقائه.
الجد والعمة يبكيان الشهداء ورحلة النزوح
قال أحمد: "شاهدت جدي وعمتي نوره كانا يبكيان وتصرخان عند مشاهدتهما أبي وإخوتي، ووجدت أمي صباح (44 عامًا) في الشارع أسفل المنزل، وكانت محروقة وتضع على جسدها بطانية والدماء تسيل على وجهها مع آثار حروقٍ شديدةٍ في جسدها.. قمنا بوضعها في "تراكتور" زراعي كان يقوده ابن عمتي حمادة؛ حيث قام بنقل والدتي إلى المستشفى".
وذكر أنه بقي مع شقيقيه يوسف (18 عامًا)، وكان مصابًا بحروق في الوجه، وعلي (أربعة أعوام)، وكان مصابًا بحروق في ظهره قرب الشهداء على باب المنزل، وبعد نصف ساعة وصلت سيارة نصف نقل، وقام بمساعدة الموجودين بوضع الشهداء في السيارة، وسار خلفها مع شقيقه، بينما كانوا يشاهدون الدخان ما زال يتصاعد من أجساد الشهداء (والده وإخوانه) بفعل الفسفور الأبيض.
وقال: "عند وصولنا إلى شارع السيفا على بعد 200 متر توقفنا حتى نحصل على تنسيق للخروج من المنطقة؛ حيث كان عمي أبو صالح يجري عدة اتصالات، وقال لنا إن قوات الاحتلال ترفض مرورنا وتقول إن المنطقة مغلقة، وبقينا في الشارع".
القصف يلاحق الجرحى
وخلال ذلك اشتد صوت إطلاق النار والقصف، وبدأ العشرات من الأهالي يتجمَّعون لمغادرة المنطقة، وبعد الساعة السابعة مساءً قرَّر الجميع مغادرة المكان إلى مدينة غزة، وساروا باتجاه دوار العطاطرة، ولدى وصولهم إلى الدوار بُلِّغوا أن "التراكتور" الذي كان ينقل غادة وفرح تعرَّض لإطلاق نار وأن هناك شهداء و جرحى بالقرب من "مدرسة عمر بن الخطاب" شرق دوار العطاطرة.
قال: "قررنا الذهاب لإحضارهم معنا، وخلال سيرنا مسافة عشرة أمتار تعرَّضنا لإطلاق نار كثيف، وسمعت صوت إطلاق نار شديد، عندها هربت من المكان.. شاهدت الموجودين يهربون من المكان واحتمينا في مخازن لعائلة مرضي بالقرب من دوار العطاطرة وتركنا الشهداء والسيارات".
وأضاف أنه شاهد خلال مسيره عددًا من الأشخاص ينزفون، وشاهد الدماء تنزف من ساق جده الذي ربطها بقطعة قماش، فيما كانت الدماء تسيل على وجه عمته التي تبين أنها أصيبت بشظية في الرأس، كما أصيب آخرون بجروح من جرَّاء إطلاق النار.
500 مواطن محاصرون
بقي أحمد مع من بقي من أهالي الحي في مخازن آل مرضي، وكان عددهم تقريبًا 500 شخص؛ منهم أطفال ونساء؛ بمن فيهم شقيقه يوسف الذي كانت حالته تسوء، وكان يقول له إنه يشعر بالاختناق الشديد.
قال: "بقينا حتى الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، وقرر الموجودون معي في المخازن الخروج وحمل الرايات البيضاء والتوجُّه نحو شارع السلاطين".
المغادرة مرة أخرى
غادر أحمد مع المغادرين وحمل شقيقه يوسف، ومشي مع الحشد، وخلال سير الحشود كان هناك عدد من الشهداء على الأرض سقطوا على ما يبدو وهم يحاولون الهرب من النيران والقصف العشوائي، فيما كانت هناك بيوت مدمرة، ودوي الانفجارات وأزيز الرصاص لا يتوقف.
وتابع: "مشينا مدة ثلاث ساعات تقريبًا، وعند وصولنا إلى منطقة الصفطاوي وصلنا إلى عدد من سيارات الإسعاف كانت تقف في المكان، وقمت بنقل أخويَّ علي ويوسف بواسطة سيارات الإسعاف، ورفض المسعفون أخذي معهم وقررت الذهاب إلى منزل عديلي أبو أنس حنون في منطقة المشاهرة مع عدد من أفراد العائلة، وكانت الطريق خطرة وتركت زوجتي وأفراد عائلتي".
وأضاف: "ذهبت إلى منزل أحد الأقارب وقضيت تلك الليلة.. بسبب خطورة الحركة لم أتمكن من الذهاب إلى المستشفى لأطمئن على والدتي وإخواني الناجين".
الاطمئنان على الوالدة
وفي الصباح الباكر ذهب أحمد إلى "مستشفي الشفاء"، وهناك وجد والدته، وكانت مصابة بحروقٍ وملفوفةً بشاشٍ أبيضٍ، وكانت بحالةٍ سيئةٍ لا تستطيع الحديث، وكذلك زوجة أخيه غادة وابنتها.
وقال: "بحثت عن أخي عمر (18 عامًا) ولم أجده في المستشفى، وعدت إلى منزل عديلي مساء يوم الإثنين (5-1-2009)، وبقينا لمدة 17 يومًا خلال الحرب على غزة لا نعرف أي شيء عن الشهداء الذين تركناهم بالقرب من دوار العطاطرة".
وصول جثث مطر ومحمد وشهد
وأضاف: "بتاريخ (10-1-2009) أبلغنا "الصليب الأحمر" أنهم تمكنوا من إخراج عدد من الشهداء، وتم نقلهم إلى "مستشفى كمال عدوان".. ذهبت مع عددٍ الأقارب، وهناك وجدت ابن عمي مطر، وجثتي محمد وأختي شهد.. قمنا بدفنهم في مقبرة المشروع، وأبلغنا "الصليب الأحمر" بأنه لم يتمكن من الوصول إلى باقي الشهداء".
المزيد من الجثث ودفن جماعي
وبتاريخ (6-1-2009) أبلغنا "الصليب الأحمر" أنه أخرج عددًا آخر من الشهداء، وذهب أحمد مع عددٍ من أقاربه إلى "مستشفى كمال عدوان" للتعرُّف إلى الشهداء، وهناك شاهد عددًا من الشهداء جثثهم متحللة؛ بمن فيهم والده وأشقاؤه.. تعرَّف إليهم من البطانية التي وضعها عليهم يوم وقوع الحادث.
وأضاف: "قمنا بوضعهم في كفن واحد وكيس أسود اللون، وقمنا بدفنهم في قبر واحد، وبعد انتهاء الحرب عدت إلى المنزل، وكان محترقًا بشكل كامل، ووجدت قطعة عظام من جمجمة رأس أبي، وشاهدت كتابات على جدران منزلنا من قبل الجيش "سنعود لنقتلكم"، ووجدت مخلفات للجيش في المنزل".
لن ننسى ولن نغفر
يا لحجم مأساتك!!.. عندما استمعنا وعشنا وقائع من فصول ضحايا الوحشية الصهيونية خلال المحرقة التي شنها الاحتلال على امتداد قطاع غزة، كنا نعتقد أنها الأكثر بشاعة، وهكذا شعرنا ونحن نستمع إليك، ونعلم أن هناك المزيد من الوقائع والحكايات التي تروي فصولاً من وحشية الاحتلال التي بلغت حدًّا لا مثيل له في العالم بأسره؛ ولكن عزاءنا يا أحمد ويا كل ذوي الضحايا أن غزة خرجت منتصرة ببقائها صامدة رغم كل القتل والتدمير، وأن العدو اندحر وهو يعلم أنك وشعبك لن ينسى ولن يغفر.
|