|
صحيفة الحياة اللندنية
تكاد البلدة القديمة في مدينة القدس وأكنافها المعروفة أن تكون كلها وقفيات بمقدساتها وبجميع مبانيها وعقاراتها، ولكن مشكلة هذه الوقفيات هي بعثرة الوثائق الدالة عليها بين إدارات المحفوظات وإدارات الوثائق في العديد من الأقطار العربية والإسلامية، وتمتد أوقاف القدس في دائرة متداخلة في أقطابها الأقطار المصرية والسورية والأردنية والتركية إلى غير ذلك. وفي كتاب «الأوقاف على القدس» للصحافي والباحث المصري الدكتور مصطفى عبد الغني محاولة جادة لرصد مصير هذه الأوقاف خصوصاً في ظل المحاولات الشرسة التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتغيير واقع الأقصى والمقدسات الإسلامية بكل ما فيها من أوقاف تحمل رمز الهوية. لقد سعى الباحث طويلاً للوصول إلى أوقاف القدس وأكنافها في كثير من الأقطار العربية وواجه صعوبات - سجلها في مقدمته - وأخطر ما في هذه الصعوبات الجهل بقيمة الوثائق.
والوقف الذي هو حبس العين على حكم ملك الله تعالى والتصدق بالمنفعة حالاً أو مالاً، لا يجوز التصرف به، بالبيع والرهن، بالهبة أو التوريث. وهو في شكل عام ينقسم إلى مسقوفات واستغلال، والمسقوفات هي الأراضي التي أنشئت عليها الأبنية أو التي خصصت للبناء الوقفي. كما يقسم الوقف من حيث شرعيته إلى قسمين صحيح وغير صحيح، والوقف الصحيح هو العقارات العائدة لشخص ما التي حصل عليها بالإرث أو الشراء ثم أوقفها وحكم القاضي بصحة الوقف ويمكن التمثيل على هذا الوقف من السجلات الشرعية. أما الوقف غير الصحيح فهي الأراضي المفروزة من الأراضي الأميرية التي أوقفها الأمراء - بإذن من السلطان - بحيث تخصص منافعها مثل أعشارها ورسومها لجهة ما وقد كان من هذا النوع في القدس أمثلة كثيرة تذكر. والوقف نوعان، ذري وخيري، الذري هو ما حبسه الواقف على نفسه وأبنائه وأسباطه إلى أن ينقرضوا فيؤول إلى جهة خيرية بحسب شروط الواقف (مثل: فقراء المدينة المنورة ومكة المكرمة والصخرة المشرفة والمسجد الأقصى)، وهذا الوقف يسجل في محكمة شرعية وقد أطلق عليه «الوقفية» أو «حجة الوقف». والخيري هو ما أوقفه السلاطين والأمراء وأهل الخير وما يتحول من الوقف الذري نتيجة انقطاع نسل الواقف وعقبه بحسب شروط الوقف ويصرف ريعه في أوجه الخير المختلفة كالمساجد والمدارس والبيمارستانات والزوايا. وتتكون إدارة الوقف من جهاز إداري يتألف في شكل عام من كل من: ناظر الوقف ومتولي الوقف ثم الجابي.
وتوزعت معظم الأوقاف في القدس بين الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى في أعداد هائلة يليها بالنسبة لدرجات الإفادة والكم الحرم الإبراهيمي وبعدها مما يقع في دائرة القدس وأكنافها المدارس وبناءات ملكية وجوامع كثيرة كانت منتشرة بالقدس بوجه خاص. ويشير عبد الغني إلى أنه كما كانت للمسلمين أوقاف معروفة كذلك كانت لأهل الذمة أوقاف، ولكن شهوة الاستحواذ الإسرائيلية طاولت كل شيء. فقد كانت لأهل الذمة أوقاف منها وقف المسيحيين (الروم الكاثوليك): دار بمزرعة الزراعنة، مقبرة في بيت لحم، أرض زراعية بالقرب من دير مار إلياس، ووقف المسيحيين الأقباط: وقف المعلم يعقوب المصري ترجمان الإفرنج، وقف منصور الإفرنجي وحاكورة في بيت لحم، ووقف بعض اليهود العرب وإن كان قليلاً.
ويرصد الباحث تاريخ الأوقاف الإسلامية في القدس في العصور الأولى: الخلافة، الأموي، العباسي، وهكذا... إلى الدولة العثمانية، ويأسف لأن الدولة العثمانية لم تستطع أن تجعل من الوقف رسالة إسلامية تليق بالوعي والنص الإسلامي الحثيث إلى تبني القيم النبيلة التي تقوم بها مؤسسة الوقف في العالم الإسلامي، ويرجع ذلك لغياب الإدارة الواعية أكثر منه غياب الوازع الديني. وعلى هذا النحو كانت مؤسسات الأوقاف تمضي وكأنها قطاع خاص أو قطاع جماعي للنخب الدينية والسياسية وتتمتع بمكانة خاصة تراوح النظر إليها بحسب التطور التاريخي. ويعترف بأن العثمانيين أضافوا إلى الأوقاف الكثيرة التي وجدوها بفلسطين قبل استيلائهم عليها أوقافاً جديدة وأنشأوا منشآت خيرية تستدعي ربطها بأوقاف تكفل استمرارها غير أن أوسع الأوقاف هي التي كانت خاصة بالحرمين الشريفين وكانت منتشرة في مناطق كثيرة في فلسطين وفي شكل خاص في القدس واللد والرملة ونابلس.
كان القصور إذن عند الباحث أكثر من التقصير لتفسير موقف الدولة العثمانية من أوقاف القدس وهو ما يمكن أن يقال إدارياً في شكل ما بالنسبة للبريطانيين الذين جاؤوا بعد ذلك فلم يكونوا يمتلكون الوازع الحضاري فضلاً عن عدم وجود السجلات العلمية في ذلك الوقت مما أكد أن الأوقاف على القدس وأكنافها لم تكن لتلقى عناية خاصة على رغم أن القانون العثماني كان يمنع جميع الأجانب من الحصول على ممتلكات غير منقولة من الإمبراطورية العثمانية. ولم يملك حاكم مصر محمد علي باشا عند الفترة التي هيمن فيها على القدس الأداة العلمية الصحيحة التي تدار بها أوقاف القدس وأكنافها. وتشير الوثائق على سبيل المثال إلى رفض محمد علي باشا السماح ليهودي أجنبي أن يمتلك قطعة أرض قرب القدس. وتزخر دور الوثائق خصوصاً المصرية بما يثبت المحاولات المستمرة من المحاولات اليهودية أو حتى المطامع الأميركية بالاستيلاء على الأرض المقدسة التي تنتشر حول القدس أو التي تقترب من الرصيف الذي يؤدي إلى حائط البراق (الموقع المرتقب للسفارة الأميركية في القدس هو وقف الخليلي صادرته إسرائيل العام 1948 ويعود أصله إلى الشيخ محمد بن الشيخ محمد الخليلي). وترينا الوثائق أن اليهود في عهد محمد علي لم يتوقفوا عن أخذ أراض أوقاف إسلامية والعمل بها بـ «التبليط» و «التغيير» لئلا تصبح وقفاً إلا عليهم فقط فضلاً عن أنهم يتمسكون بعادة تتكرر دائماً حين يقفون عند الأوقاف الإسلامية ويرتلون إنشادهم بما يوحي لغيرهم - هكذا اعتقدوا - أن كل هذا ملك لهم وبخاصة في منطقة المغاربة في الحرم الشريف حيث لم يتوقفوا عن السعي لتبلي (زقاق البراق) على حد شهادة وتسجيل أرباب مجلس القدس الشريف.
وتكررت الكتابات إلى الدولة العليا في ثلاثينات القرن التاسع عشر حيث كان محمد علي قد هيمن على الشام فإذا بنا نلاحظ توالي الكتابات إلى الوالي من شيخ المغاربة بخصوص تبليط اليهود (من طائفة السكناج الذين هم حماية الإفرنج) زقاق البراق الكائن بحارتهم بقرب دور ووقف سيدي أبي مدين الغوث قدس سره الملاصق لسور الحرم الشريف... (و) وأنه ليس للمذكورين به حق. هؤلاء اليهود القادمون من الغرب مدفعون بعرائض مناشدات القناصل الغربيين لولاة الأمر في بلاد المسلمين لم يتوقفوا عن فعل أي شيء للاستيلاء على أوقاف القدس ضمن الأراضي الإسلامية في فلسطين. وتشير أحداث العشرينات والثلاثينات في القرن العشرين إلى تواطؤ بريطاني ضد المقدسات الإسلامية وممثليهم، فهذه الفترة شهدت اعتداءات يهودية على الأماكن الإسلامية ليفرضوا وجودهم بعنف أمام الحائط مما أسهم في كثير من الاضطرابات بين اليهود القادمين من الخارج والذين يحملون الحماية البريطانية أو الغربية وبين المسلمين الذي يعيشون في القدس. وعلى رغم أي شيء، فإن نظام الوقف الإسلامي أو حتى المسيحي الشرقي شهد تطوراً وتضامناً محموداً ومركزية واضحة حققت أمام أصحاب الوقف أهدافهم من إقامة الوقف وأغراضه. بيد أن هذا النظام النوعي لم يعد كذلك مع اقتراب الأربعينات إلى نهايتها حين واجهت مناطق الوقف في القدس وجوارها أوضاعاً سيئة زادت سوءاً مع نهاية القرن.
وكان قرار التقسيم ثم إعلان دولة إسرائيل في 15 أيار (مايو) عام 1948 سبباً للتأثير الشديد في نظام الأوقاف القائم سواء على مستوى المسؤولين أو الوعاظ أو موظفي المساجد، ومع نهاية عام 1948 أغلق الكثير من المساجد وهُجرت الأماكن الدينية وتعطلت الصلاة وغيرها من الشعائر الدينية كالجنائز، وحل بالقدس ضرر كبير وحدث اضطراب طاول الكثير من الأنشطة الدينية والعملية، منها تعطل العمل في المناطق الإدارية مما نشأ عنه غياب غالبية الموظفين فتوقف نظام الأوقاف عن العمل، وأصيبت بعض مباني الأوقاف بأضرار. ومع الاضطراب الكبير الذي حل بفلسطين بخاصة وبالقدس على وجه أخص بدأت إسرائيل رويداً رويداً تمارس إلى جانب العنف الشديد والمذابح طرقاً كثيرة عنيفة للسيطرة على موارد الأوقاف إما بأساليب إدارية بالية وإما بدمج إدارة الأوقاف أو استقطاب المسؤولين. ومنذ النكبة فإن أملاك الأوقاف الإسلامية في القدس تمت إدارتها بمعرفة الشؤون الإسلامية والدرزية داخل وزارة الشؤون الإسرائيلية استكمالاً لخريطة المخططات الصهيونية للسيطرة والهيمنة على مقدرات وتاريخ وتراث الحضارة العربية الإسلامية تمهيداً لتهويدها ومحو الذاكرة الثقافية للأمة وتذويبها في محيط الدولة العبرية. ولا توجد أرقام تتعلق بحجم الأملاك والأراضي الموقوفة على القدس نظراً لأن الكثير منها قد بيع وصودر إضافة إلى أنه لم يجر منذ عام 1948 إقامة أي أوقاف جديدة في القدس الغربية. وبعد نكسة 1967 سعت إسرائيل إلى فرض سلطتها على إدارة أملاك وأوقاف القدس خصوصاً في ظل غياب سلطة وطنية أو بلدية تمثل مصالح السكان الفلسطينيين في المدينة وسعت الدولة الإسرائيلية إلى عدم السماح لإدارة أوقاف القدس بعدم توسيع دورها الاجتماعي والسياسي.
وكانت الخطوة الأولى إعلان الحكومة الإسرائيلية رفضها الاعتراف بسلطة إدارة الأوقاف والمحاكم الشرعية في القدس الشرقية. ولكن هذه الإدارة بالتحديد قاومت واتخذت مبادرات، وبإنشاء دائرة الآثار الإسلامية العام 1979 بوشر العمل ببرنامج أبحاث وترميم طموح يعنى بالمباني الإسلامية الأثرية في المدينة القديمة. ولكن سلطة الاحتلال دأبت على عرقلة أعمال التجديد والترميم والصيانة، فيما اعترضت الدائرة على الكثير من أعمال إسرائيلية لتغيير الطابع الإسلامي للمدينة، ومن ثم نشأت نزاعات عدة بين الإسرائيليين والدائرة، ثم كانت الخطوة التي وضعت إسرائيل بمقتضاها يدها على موارد الأوقاف في القدس الشرقية. وإذا كانت إسرائيل هدمت حارة المغاربة عقب الاحتلال مباشرة فإنها وسعت الحي اليهودي في السبعينات، ولكن مع حقبة الثمانينات ظهر عدد من المجموعات المتطرفة بإيحاء من أعضاء في «جوش إيمونيم» وبدعم زعماء سياسيين مثل ديفيد ليفي وأرييل شارون يريدون استبدال قبة الصخرة والمسجد الأقصى بهيكل يهودي، وهؤلاء هم الخطر الأعظم الذي تواجهه إدارة ونظام الأوقاف في القدس.
واعتباراً من منتصف التسعينات أصبحت سلطات الاحتلال مطلقة اليد في الآثار الإسلامية في القدس وبدأت سلسلة حفريات حول أساسات المسجد الأقصى، وشهدت مرحلة رئاسة شارون للحكومة (شباط / فبراير 2001) أخطر عمليات التهويد للمدينة المقدسة وكان أبرزها حفر نفق القدس وتوسيع بلدية القدس مع استكمال إقامة المستعمرات الاستيطانية الاستراتيجية وفي مقدمها مستعمرة أبو غنيم، وتوجت هذه المرحلة ببناء الجدار الفاصل.
ويشير الباحث على رغم هذا الظلام الدامس إلى مؤسسة الأقصى بريادة مؤسسها الشيخ رائد صلاح التي ولدت بعد مخاض صعب في عام 1991 وبدأت بعمليات إعمار وترميم متواضعة اقتصرت على معسكرات عمل (وقفية) في المدن الساحلية الفلسطينية وبعض القرى المهجورة، والقيام بترميم ما يمكن ترميمه وتسييج المقابر المنتهكة. واتبع أعضاء المؤسسة في البداية نهج الطوارئ وذلك بالإسراع للموقع المنتهك ونصب خيام الاعتصام ومتابعة المسألة قانونياً. ثم تحول عملها إلى نظام مؤسسي ونجحت في إيقاف الكثير من الاعتداءات على الأوقاف الإسلامية ومقدسات القدس، ونفذت مشروع الخريطة المفصلة للمقدسات في مسح شامل لكل المواقع الإسلامية في القرى المهجرة العام 1948 من قيساريا خط عرض حتى أقصى شمال فلسطين والتي يقدر عددها بما يزيد على 1200 موقع ووضع الخطط المناسبة لصيانتها ومنع انتهاكها. وبالنسبة للمسجد الأقصى نفذت المؤسسة مشاريع عدة بالتعاون مع دائرة الأوقاف الإسلامية منها: إعمار المصلى المرواني، تبليط سطح المصلى المرواني، إعمار المسجد القديم، مصاطب العلم، صندوق المقدسات وطفل الأقصى، ومسيرة البيارق. ولدى مؤسسة الأقصى طموحات حالية ومستقبلية ولكن دائرة أراضي إسرائيل تقف عقبة في الطريق، حيث تضع أيديها علي كثير من الأراضي الوقفية الإسلامية تحت ستار قانون أملاك الغائبين، كما تنتهك إسرائيل حرمة المساجد والمقابر بواسطة سلطة الآثار مع تخاذل الشرطة المتعمد عن القيام بدورها في منع الاعتداءات. الباحث يقول في النهاية إن الدراسات الوقفية في عالمنا الإسلامي تكاد تكون ضئيلة جداً قياساً مع قضايا مختلفة، وأهملت السنوات الخمسون الماضية معالم الوقف الإسلامي إلى حد كبير، وأنه بات من الضروري العمل من أجل أوقافنا ومقدساتنا في القدس وأكنافها والمهددة بالخطر.
|