الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الشهيد القسامي القائد أحمد مرشود

 

عاش حياة الأسر و ظلّ وفيّاً لعذابات المعتقلين حتى لحظة استشهاده

 

 

نابلس – خاص :

كوميض البرق مضى .. مرّ بدنيانا سريعاً قبل أن ينطلق نحو الخلود و لمّا يتم عقده الثالث بعد .. أحمد مرشود .. أسد قلاع الأسر الذي لم تنسيه فرحة التحرير إخواناً له هناك ما زالت أعينهم ترنو ليوم التحرير المنشود ...

 

ابن المخيم الثائر :

أشرقت شمس الثاني عشر من كانون الثاني عام 1972 في مخيم بلاطة قرب نابلس على ميلاد الطفل أحمد حسن محمد مرشود لعائلة لاجئة تعود أصولها إلى منطقة نهر العوجا قضاء باقا ، هجّرت عنها قسراً عام 1948 و عاش في كنف أسرته الكبيرة المكوّنة من خمسة أشقاء ذكور و أربع شقيقات إناث بالإضافة إلى والديه .

 

و منذ نعومة أظفاره كان المسجد بيته الثاني ، يتلقّى فيه التربية الإسلامية القويمة على أيدي رجالات الحركة الإسلامية التي انتمى إليها مبكراً ليستقي من معينها الصافي فكراً إسلامياً صحيحاً و وعياً سياسياً دقيقاً بعيداً عن الأفكار العلمانية و الشيوعية المنحرفة و التي وجدت طريقها في تلك الفترة إلى الكثير من عقول الشباب الناشئ فحرفتهم شيئاً فشيئاً عن أهدافهم و دينهم .

 

تلقّى أحمد تعليمه الابتدائي و الإعدادي في مدارس وكالة الغوث بمخيم بلاطة قبل أن ينتقل للدراسة في مدرسة حوارة الثانوية ثم في المدرسة الثانوية الإسلامية بنابلس ليلتحق بعدها بكلية الدعوة و أصول الدين في جامعة القدس ، و اضطر بسبب إغلاق المدينة المقدسة في أواسط الانتفاضة الأولى إلى الانتقال للدراسة في جامعة النجاح بنابلس إلى أن اعتقل و أودع في سجون الاحتلال .

 

برز الشهيد أحمد خلال الانتفاضة الأولى كأحد نشطاء حركة المقاومة الإسلامية حماس حيث شارك في العديد من فعاليات الانتفاضة بما فيها المواجهات العنيفة بالحجارة و الزجاجات الحارقة ضد قوات الاحتلال داخل المخيم و مدينة نابلس بالإضافة إلى رسم و كتابة الشعارات التعبوية على الجدران و إلقاء بيانات الحركة عبر مكبرات الصوت .

 

من الحجارة الى القنابل البشرية :

كان الشهيد أحمد يؤمن أن جرائم الاحتلال المتكرّرة ضد أبناء شعبنا لا يمكن السكوت عليها أو الاكتفاء بالردّ عليها بالحجارة و المواجهات غير المتكافئة بين الشباب الأعزل و الجنود المدجّجين بأعتى الأسلحة الرشاشة و القنابل المحرّمة دولياً ، فكان أن قرّر سلوك طريقٍ أكثر نجاعة و فتكاً في العدو الغاصب لتردعه عن وحشيته الموغلة في التطرف .

 

و في تلك الفترة في مطلع التسعينات من القرن الماضي كان نجم كتائب الشهيد عز الدين القسام قد بدأ يسطع و يزداد توهّجاً يوماً بعد يوم ، فكان ذلك دافعاً للشهيد أحمد للانضمام بركب القسّاميين الأوائل بعد أن تعرّف على القائد المجاهد زاهر جبارين أحد أبرز قادة كتائب القسام و المعتقل حالياً في سجون الاحتلال ، و كان ذلك عن طريق أحد أصدقاء أحمد الأسير القسامي عبد الناصر عيسى ليكون بذلك أحد مؤسسي كتائب القسام في منطقة شمال الضفة الغربية .

 

تلقّى الشهيد أحمد في تلك الفترة تدريباً عسكرياً مكثّفاً على أيدي قادة الكتائب الأوائل و ساهم هو بنفسه في تنظيم شبانٍ آخرين في صفوف الكتائب كان من أبرزهم الشهيد ساهر التمام ابن مخيم بلاطة و منفّذ أول عملية استشهادية وقعت في منطقة ميحولا و التي أوقعت عشرات القتلى و الجرحى في صفوف الجنود الصهاينة .

 

الخادم الأمين للأسرى و المعتقلين :

تواصلت نشاطات الشهيد أحمد  في صفوف الكتائب ليتقدّم شيئاً فشيئاً في نشاطه الجهادي المقاوم للاحتلال إلى أن زادت عيون الاحتلال من متابعته  و ترقّب حركاته إلى أن وقع في قبضة المحتلين بتاريخ 14/4/1993 على خلفية نشاطه العسكري و صدر بحقه حكم بالسجن مدة سبع سنوات .

 

تنقّل الشهيد أحمد خلال سنوات اعتقاله السبع في ثمانية سجون كان لسجن مجدّو نصيب الأسد منها و هناك أضحى شعلة العمل الإعلامي للإسرى من خلال مبادرته لتشكيل اللجنة الإعلامية داخل السجن أسوة بباقي اللجان لينضم إليه في لجنته الصحافي محمد البيشاوي الذي سيسبقه نحو الجنان شهيداً فيما بعد .

 

و من خلال عمله في اللجنة الإعلامية تبنى الشهيد أحمد قضايا و هموم الأسرى و تابع ذلك بشكلٍ كبير مع الصحافيين خارج السجن ، كما أنه استطاع الحصول على الصحف و المجلات و الكتب من خلال علاقاته الواسعة مع المؤسسات في الخارج ، حتى أنه لا تكاد توجد جمعية خيرية أو مركز دراسات في الضفة الغربية و القطاع إلا و يعرف الموظفون فيها صوت الشهيد أحمد لكثرة اتصالاته معهم بهدف خدمة الأسرى و توفير المساعدات لهم و لعائلاتهم ، و عندما انتقل إلى معتقل عسقلان قبل عدة أشهر من الإفراج عنه تبنىّ قضية أقدم الأسرى في سجون الاحتلال آنذاك الأسير أحمد جبارة "أبو السكر" و استطاع أن يسجّل قصة اعتقاله و ينشرها فور الإفراج عنه ، تلك القصة التي كان يجهلها الغالبية العظمى من أبناء شعبنا بسبب غياب الاهتمام بالأسرى في عهد أوسلو المظلم .

 

لقد كان الشهيد أحمد داخل السجون بمثابة الصوت الهادر للحركة الأسيرة .. يتبنى قضاياهم و يساهم في التخفيف من معاناتهم و يقوم على راحتهم حتى استحق منهم لقب خادم الأسرى و المعتقلين .

 

و حتى بعد انقضاء مدة محكوميته و التحرّر من قيد السجان ما كان له أن ينسى إخواناً له خلف القضبان ، و هو الذي شاركهم همومهم و آلامهم .. فالتحق للعمل بوزارة شؤون الأسرى بعد قرار السلطة الفلسطينية استيعاب كافة الأسرى المحرّرين في مؤسسات و أجهزة السلطة ، و وقع اختيار أحمد على هذا الموقع حتى يتسنّى له التواصل مع الأسرى حتى و هو في خارج أسوار السجن و متابعة قضاياهم ، و لم تتوقّف خدمته لهم عند حدود وظيفته بل إنه كان يتابع قضاياهم بصفة شخصية خارج أوقات الدوام حيث ينظّم زيارات دورية لمنازل الأسرى و الاعتناء بأسرهم و تفقّد أحوالهم و ينسّق نقل حاجيات الأسرى إلى داخل السجون حتى في ظلّ انتفاضة الأقصى ، و استطاع خلال فترة قياسية أن يحقّق للأسرى الكثير من الخدمات و الإنجازات من خلال الحصول على عشرات المشاريع و البرامج خدمة للأسرى ، و خلال انتفاضة الأقصى استطاع توفير و إرسال العديد من الشاحنات إلى داخل معتقل مجدّو على وجه الخصوص بعد أن انقطعت عنهم زيارات الأهل لأكثر من عام .

 

لقد اعتبر أحمد أن قضية الأسرى هي قضيته الشخصية ، و واجب يقع على عاتقه شخصياً و هو الأقدر من غيره على القيام بهذه المهمة على أكمل وجه .. فأعطى هذه القضية جلّ وقته و جهده و خدمها بكلّ إخلاص فنال بذلك رضى الله ثم حبّ و إعجاب إخوانه الأسرى الذين ذرفوا الدموع الحرّى يوم جاءهم نعيه .

 

"و للدار الآخرة خير" :

و قبل نحو أربعة أشهر من استشهاده اقترن الشهيد أحمد بالأخت تحرير عيسى شقيقة أخيه و رفيق سلاحه القائد عبد الناصر عيسى ليوثّق بذلك عرى الأخوة و المحبة معه ، و يومها توافدت ألوف المهنئين على منزله و في مقدّمتهم كبار مسؤولي الفصائل الإسلامية و الوطنية و المؤسسات الذين عرفوا عنه كل إخلاص و وفاء للأسرى من شتى الفصائل دون تمييز ، و بقي يحتفظ على واجهة جهاز الحاسوب خاصته بصورة قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس و أعزّ أصدقائه كالشهيدين الجمالين (جمال منصور و جمال سليم) و القائد صلاح دروزة و صديقه الصحافي محمد البيشاوي .

 

كان عرس الشهيد أحمد بتاريخ 15/6/2001 عرساً بسيطاً خالياً من المظاهر الاحتفالية الصاخبة ، حتى أن بعض أفراد عائلته حزن لقلة مظاهر الاحتفال ، لكن أحمد كان يقابلهم بابتسامة هادئة و كأنه يقول لهم : "لم هذا الحزن ؟؟ إن هذا الفرح الدنيوي لا يعنيني كثيراً .. إن الفرح الحقيقي هو فرح يوم الشهادة" ..

 

و بسبب ضيق منزله في مخيم بلاطة اضطر الشهيد أحمد لشراء شقة في مدينة نابلس و قام بتشطيبها على مراحل ثم انتقل إليها فور زفافه ، و رغم ذلك كان لا ينقطع عن زيارة المخيم الذي نشأ و ترعرع فيه طيلة حياته .

 

كان الشهيد أحمد على صلابته و قوة عزيمته و احتماله كان يملك مشاعر حساسة و كان كما يصفه أحد أصدقائه ذو مشاعر جيّاشة .. تنهمر دموعه لدى مشاهدة جنازة أيّ شهيد و كان أكثر تأثراً باستشهاد قادة حماس في مكتب الدراسات بنابلس في المجزرة التي راح ضحيّتها الجمالان و الصحافيون محمد البيشاوي و عثمان قطناني و فهيم دوابشة و عمر منصور بالإضافة إلى طفلين .

 

و في صباح يوم الإثنين 15/10/2001 توجّه أحمد إلى عمله في مكتب وزارة شؤون الأسرى الواقع على طريق جامعة النجاح .. و عند مدخل البناية كانت آلة الحقد الصهيوني تترصّده و تعدّ عليه أنفاسه ، و ما إن اقترب من مدخل البناية حتى انفجرت سيارة متوقّفة في المكان ليصاب أحمد إصابات بالغة الخطورة نقل على إثرها إلى المستشفى لكن روحه كانت للقاء ربها أسرع .. و لصحبة نبيّه و صحابته و إخوانه الشهداء أكثر شوقاً منها إلى هذه الدنيا الفانية .. ففاضت روحه الطاهرة إلى بارئها بسكينة و اطمئنان .

 

و فور انتشار نبأ استشهاد أحمد ساد مدينة نابس و مخيم بلاطة جوّ مشحون بالغضب و السخط .. و أغلقت المحال التجارية أبوابها و ارتفعت أصوات مكبرات الصوت بنعيه و الثناء عليه و التوعّد بالانتقام القريب له .

 

و في ساعات المساء خرجت جماهير نابلس و مخيم بلاطة في جنازة مهيبة غاضبة تتوعّد الصهاينة بعمليات قوية تدميهم و تلفتهم و تلقنهم الدروس المؤلمة على جريمتهم البشعة .