|
الأسير القسامي مازن
فقهاء بين غياهب السجون وذكريات عظماء
كتائب القسام
جنين – خاص
كان طفلا
صغيرا حين لزم المسجد، وتربى فيه ، عرفه الجميع بجده واجتهاده وطيب
خلقه ، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة.
يقول ذووه
: كم كان منظره جميلا وهو يعود من مدرسته !، يقوم بواجباته، ثم
يذهب إلى المسجد ويلتزم بحلقات العلم وحفظ القرآن، حتى تخرج من
الثانوية العامة عام 1979 وحمل بشهادة تخرجه من الثانوية شهادة
مثابرة و إخلاص في العمل لسنين طويلة في صفوف الحركة الطلابية
الإسلامية ، إنه المعتقل القسامي مازن فقهاء ، من بلدة طوباس قرب
جنين.
التحق مازن
بجامعة النجاح الوطنية في نابلس ، حيث درس في قسم الإدارة بكلية
الاقتصاد، ولكن عينه كانت على العمل الإسلامي في صفوف الكتلة
الإسلامية في الجامعة، ذاك الإطار الطلابي العريق ذو التاريخ
المشرف بما قدمه من قادة للمقاومة وفرسان على درب الحرية، يقول عنه
أقرانه: إنه كان شغوفا بالعمل الإسلامي في كليته وبلدته طوباس،
والتي نما فيها التيار الإسلامي بشكل منقطع النظير بفضل ثلة من
الشباب المتحمس للعمل الدعوي.
في صفوف القسام:
ومع
انطلاقة انتفاضة الأقصى التحق مازن بصفوف كتائب الشهيد عز الدين
القسام أسوة بعشرات القساميين الذين خرجتهم جامعة النجاح وجامعات
فلسطين الأخرى ومدارسها ، حيث ذاق مرارة الاعتقال على يد الأجهزة
الأمنية الفلسطينية في ظل انتفاضة الأقصى، وكان ذلك في صيف عام
2001، عندما داهمت قوة أمنية فلسطينية منزله في أطراف بلدة طوباس
بهدف اعتقال مازن ، وقد استهجن وجهاء البلدة حينها هذه الخطوة
الغريبة التي تقوم بها الأجهزة الأمنية ، بينما انتفاضة الأقصى في
أوجها والشهداء يتساقطون يوميا بالعشرات، حيث لا تحرك مثل هذه
القوى جهدها تجاه العملاء الذين يلاحقون المجاهدين بينما يصبون جام
غضبهم على فرسان المقاومة.
مازن في سجون السلطة:
اعتقل
مازن واحتجز في سجن فلسطيني في بلدته طوباس مع ثلة من مجاهدي حماس
في بلدته وكان السجن عبارة عن شقة استأجرتها السلطة في البلدة بعد
أن هدمت القوات الصهيونية مقراتها في البلدة، ورغم احتجاج عشائر
البلدة ووجهائها لدى السلطة الفلسطينية، التي تم إبلاغهم من قبل
مسؤولين من السلطة أن قرارات الاعتقال أتت من الـ"CIA"
ولا تملك السلطة شيئا من القرار ، مضت عدة أشهر
على هذا الاعتقال إلى أن جاء الفرج حينما حاصرت الدبابات الصهيونية
البلدة تمهيدا لاجتياحها، فطلب وجهاء البلدة من السلطة إطلاق
سراحهم فرفضت رغم أن الدبابات تبعد أقل من " كلم " واحد عن السجن،
فما كان من الأهالي إلا أن اقتحموا السجن وأخرجوا المعتقلين، ومنذ
ذلك الحين غدا مازن قساميا مطلوب رأسه للصهاينة، ولم يمض وقت طويل
حتى عاد مازن إلى قبضة الأجهزة الأمنية الفلسطينية والتي بقي في
سجونها إلى أن تمكن من الإفلات من قبضتها بفعل الاجتياحات المتكررة
من قبل الصهاينة للبلدة ومنطقة الأغوار عموما، تلك المنطقة الساخنة
منذ اندلاع انتفاضة الأقصى.
نشاطه الجهادي ورفيق عظماء القسام :
شكل مازن
جزءا من منظومة قسامية رائعة لكل من عرفها، فقد عمل مع الشهيد
القائد محمود أبو هنود، والشيخ يوسف السوركجي وكريم مفارجة، وجاسر
سمارو ونسيم أبو الروس، والمعتقل القسامي سليم حجة والشهيد قيس
عدوان والشيخ القائد الشهيد نصر جرار، والقائمة طويلة، وتمكن من
جعل طوباس موئلا لهؤلاء كلما اشتد الضغط على مدينة نابلس، حيث تمكن
ورفاقه من إخفاء أخطر مطاردي كتائب القسام مدة ثمانية أشهر في
البلدة دون أن يحس أحد بذلك.
تمكن مازن
خلال فترة مطاردته من تشكيل بنية صلبة للكتائب في منطقته، فأسس
العديد من الخلايا والتي كان لها دور بارز في ملاحقة فلول
المستوطنين والجنود الصهاينة في منطقة الأغوار ووادي المالح ومعسكر
"تياسير" الصهيوني والذي اقتحمه اثنان من مجاهدي الكتائب وقتلوا
قائد الوحدة في المعسكر، وكان من هؤلاء الشهيد القسامي أشرف دراغمة
ومنقذ صوافطة وعاصم صوافطة و رأفت دراغمة ،والاستشهادي محمد الغول
منفذ عملية مفرق "بات" في القدس والتي قتل خلالها 19 صهيونيا ،
وعدد من المطلوبين الذين ما زالوا يقارعون الصهاينة في طوباس حتى
يومنا هذا .
يوم عصيب:
كان يوم
الجمعة 5-4 -2002 يوما عصيبا على مازن ، فخلال وجوده في مخبئه جاءه
خبر أن وحدات معززة من الجيش الصهيوني تحاصر مطلوبين من جنين في
منزل منقذ صوافطة في أول البلدة ، فعرف أن وحدة قيادة المنطقة في
الكتائب هي المحاصرة ، يقول من شاهدوه في تلك اللحظة إنه امتشق
سلاحه من طراز أم 16 وخرج نحو المنزل المحاصر دون وجل ، حيث أمسك
به رفاقه وقالوا له إنك مقبل على موت محقق ، وذهب إلى أحد مسئولي
الأجهزة الأمنية الفلسطينية في طوباس وطلب منه أن يزوده بالسلاح
ويأمر أفراد الجهاز الأمني بالاشتباك مع العدو علهم يخففون الضغط
على المحاصرين ليتمكنوا من الإفلات ، فرفض هذا المسئول ذلك ، عند
ذلك خرج المقاتلون الأحرار من كل أنحاء البلدة من أجل فك الحصار ،
في تلك الأثناء كان ستة من كوادر كتائب القسام يخوضون معركة شرسة
استمرت سبع ساعات بعد أن أرسل لهم قائد الوحدة الصهيونية رسولا
يأمرهم بالاستسلام فأخبره رجال القسام أن مقاتلي الكتائب لا
يستسلمون ، وفي نهاية المعركة استشهد قيس عدوان وسائد عواد ومجدي
بلاسمة ومحمد كميل ومنقذ صوافطة وأشرف دراغمة .
يقول من
كانوا مقربين منه إنه لم يكن يوما حزينا كحزنه يوم استشهاد قيس
عدوان ورفاقه ، وكذا يوم استشهاد محمود أبو هنود حين أغلق باب
غرفته و أجهش بالبكاء.
برفقة الشيخ نصر جرار:
بعد هذه
الفترة بدأ مازن مرحلة عمل جديدة في صفوف الكتائب مع القائد الفذ
الشيخ نصر خالد جرار، حيث انتقل الشيخ نصر بعد خروجه سالما من مخيم
جنين إثر أحداث نيسان الشهيرة إلى طوباس وكانت يده وإحدى قدميه قد
بترت في بدايات انتفاضة الأقصى، فيما بترت رجله الأخرى خلال أحداث
المخيم بينما كان الصهاينة يقومون بهدم المنازل فنزلت قطعة أسمنتية
كبيرة من سقف أحد البيوت على رجل الشيخ فبترت في مكانها واخفي في
ذات المنزل حتى انسحب الصهاينة من المخيم ، رأى الشيخ نصر في منطقة
طوباس ساحة جديدة لتنشيط عمل الكتائب وتخفيف الضغط على مخيم جنين ،
فانتقل إليها وبدأ برفقة مازن وثلة من المجاهدين الذين بقوا سالمين
بعد أحداث نيسان ببناء جسم جديد للكتائب ، وعمل الشيخ نصر إضافة
إلى بناء الكتائب إلى تأسيس لجان المقاومة الشعبية في طوباس وكان
الغرض منها ملاحقة فلول المشبوهين ممن أضروا كثيرا بالمقاومين في
منطقة طوباس .
عمل دؤوب
وجهاد عظيم قامت به هذه الثلة في طوباس إلى أن جاء خبر استشهاد
القائد العام لكتائب القسام الشيخ صلاح شحاده ، عندها بدأ التحضير
للرد ، وألقي على عاتق هؤلاء المجاهدين التحضير للرد الثاني والذي
أعقب عملية "الجامعة العبرية" في القدس ، عمل مازن بشكل دؤوب ومكثف
على التحضير لمكان العملية والذي كان مميزا ، إذ تم إختيار مدينة
صفد هدفا للهجوم ، وكانت تلك العملية أول عملية تحدث في صفد منذ
احتلالها عام 1948 .
يقول شهود
عيان إن العميل (.......) في طوباس بدأ خلال ساعات قليلة بعد حدوث
العملية بحملة تفتيش واسعة بحثا عن مازن ، وأقيمت العديد من
الحواجز ، وتم تضييق الخناق عليه ورفاقه إلى أن اضطر مازن إلى
اللجوء إلى بيت مهجور مكشوف في أطراف البلدة ليكون لقمة سائغة بيد
الصهاينة مع عدد من رفاقه المجاهدين ، وأعادت هذه الصفعة الجديدة
للمقاومة من قبل هذا الشخص والذي يتهمه سكان البلدة بأكثر من عملية
ملاحقة تستهدف المجاهدين ، وصدر بيان مشترك من مختلف فصائل
المقاومة في البلدة يتوعد المندسين بعقاب عسير .
أما
الصهاينة والذين ابتهجوا بإعلانهم القبض عن المسئول عن عملية صفد
فقد احتشدوا حول هذا الصيد الثمين، ولكن بعد أن سبق السيف العدل،
فقد أشبعهم مازن ورفاقه ضربا في الأعناق حتى غدا كل ما يسمونه
إنجازا أمنيا مميعا لا لون له ولا طعم ولا رائحة.
وقبل عدة
أشهر حكمت المحكمة العسكرية في "سالم" عليه بالسجن الفعلي تسع
مؤبدات لدوره في عملية صفد الاستشهادية، ولم يكن هذا الفارس
القسامي ليلقي بالا لحكم المحكمة فكل أسفه أنه لم يلق الله شهيدا
بعد مشواره الجهادي، ويقبع مازن الآن في عزل "السبع" وبعد عشرين
شهرا على اعتقاله تعيش أسرته على أنقاض منزلها المهدم والذي فجرته
الألغام الصهيونية بعد اعتقاله، فيما يعاني أخوه من مرض عضال، ولكن
تبقى الإرادة والإيمان أقوى من الحديد والنار.
|