|
بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد
القائدين العظيمين جمال منصور و جمال سليم
بقلم / رمضان
عمر :
لا أستطيع أن
أتناول شخصية المجاهد العالم القائد جمال سليم بمعزلٍ عن شخصية
المفكر السياسي جمال منصور ؛ فكِلا
القائدين شكّلا
قطبين متوازيين و قلعتين حصينتين ، ضمّا
بين جنباتهما سيلاً
من الفكر و نهراً
من البذل و العطاء ، و أستاذية متقدمة في القيادة و السياسة .
و قد اجتمعت
عليهما الكلمة اجتماعاً
لم يكن لغيرهما ، و انفردا بخصائص زكية و لطائف بهية جعلتهما نمطاً
فريداً ، و
لربما كان من اللطائف العجيبة أن يتطابق الاسمان فيهما تطابقاً
جمالياً
فريداً ؛
أحدهما يمثّل السلامة في القلب ،
و الثاني يمثّل النصر قي العقل و قوة الحجة و البيان .
تطابق اسم
جمال سليم مع جمال منصور ؛ شقيق الروح و صاحب الدرب الطويل ؛ و
لربما الأطرف أن يجمع
الصنوان سمات فكرية و أخلاقية عالية ؛ فهما أصحاب مدرسة فريدة
واحدة .
كان القائدان
كما قلنا شقيقين في الروح و
في الفكر و التصوّر ؛ إذا رأيت أحدهما ذكّرك
ذلك بطيف صاحبه ، و لئن طلبت واحداً
منهما فإنك واجدٌ
لهُ في صاحبه
شبهاً و مثلاً .
و من هنا فإن
الحديث عن أحدهما هو حديث عن الآخر ، لأنهما ، و باختصار ، أبناء
مدرسة محمد بن عبد الله ؛ أكرم بها من مدرسة
، و أنعم به من معلم
؛ و أنعم بها
و هي تنقل الأفراد من عالم دنيويٍ
لا تمايز فيه و لا فضل
، إلى عالمٍ
سام جليل ؛ مدرسة لا تخرّج إلاّ
الأبطال العظماء و لا تقبل في صفوفها إلا
الأتقياء ؛ مدرسة تسمو من خلالها الأرواح إلى عالم مثالي أروع ؛
يكون فيه ساق ابن مسعود أثقل عند الله من جبل أحد ، و سمرة بن رباح
أنصع من اللبن ، و فارسية سلمان أعرب من القحطانية الحقة .
و من هنا ،
فإن تناول الجمالين في شيء من العزة و الافتخار ، لن يستدعيَ معالم
التوصيف الشكلي الذي يتنافس فيه المغرضون و يتباهى به المبطلون ؛
من مالٍ و شهرة
و بنون ،
شتان شتان !! و ما حظ الثرى من الثريا ؟!
، شتان بين من يزرع
الجدّ سرمداً
أبدياً ، و
يبني تاريخه بالأسل و السيوف اليمانية ، يجود بالدّم
الزكيّ كي
تبقى الكلمات الوردية نضرة تؤتي أكلها في كلّ حين ؛ شتان بين هؤلاء
العمالقة و بين أشباه الرجال المنهزمين تحت ذل السمعة و وحشية
الظلم و سخافة الوهم .
و الحديث عن الجمالين له اعتبارات كثيرة ؛ نذكر
منها للتمثيل لا الحصر :
الحديث عن
الجمالين هو حديث عن مركز قرار فاعل في الحركة الإسلامية ؛ فنابلس
التي خرجت بقضّها و قضيضها في موكبٍ مهيب قارب الربع مليون في وداع
العملاقين تؤكّد على موطن التأثير الفاعل لهذين النجمين الساطعين ؛
نعم لقد كانت نابلس و ما زالت واحدةً
من المعاقل الحصينة للحركة الإسلامية ضمت نخباً
من القادة العظماء
، اغتيل الكثير منهم
من آلة البطش
و الظلام ؛ و إنّ
نظرةً سريعة
لحجم الاستهداف في صفوف الحركة في هذه
المحافظة ،
يدلّل على حجم البعد التأثيري الذي تمتّعت به الحركة في المدينة ،
و من الرموز
التي استهدفها الصهاينة في المدينة :
الشهيد
صلاح دروزة القائد الفذ العملاق السياسي
المحنّك و الإداري الموفق و العسكريّ الفاعل الشجاع الذي هابته
السلطات الصهيونية ،
و لاحقته السلطة و أقرّت بجرأته الفصائل
، و ذكره الجيران و الخلان بأحسن الفضائل
. أول رأسٍ سياسي يعانق المجد في عالم الشهداء ، و أزكى دمٍ نوراني
يُسفَك في
سبيل الحرية و الفداء ، الصوّام
القوّام
، التقي النّقي
صاحب الهيبة و الإباء ، أحد قادة حماس الأفذاذ و ممثّلها في لجنة
الفصائل ، مؤسس الكتلة الإسلامية في جامعة القدس ، و أميرها الأول
. ولد في الثامن و العشرين من أيار
عام 1964، و
تربّى في مدرسة محمد ( ص )،
و أبلى في الله بلاءً
حسناً صابراً
محتسباً؛
اعتقل ثلاث مرات في سجون الاحتلال ،
و ثلاثةٌ
أخرى في سجون السلطة الفلسطينية ، و ارتقى أخيراً
إلى الفردوس الأعلى في حادثة اغتيال جبانة نفذتها آلة الغدر
الصهيونية في 25/7/2001 .
و منها الشيخ
القسامي القائد يوسف السركجي، و منها القادة العظام
أيمن حلاوة ، نسيم
أبو الروس ، جاسر سمارو و
مهند الطاهر و محمود المدني و غيرهم العشرات .
انفرد
الجمالان بميّزات فريدة جعلتهما يتبوّآن
مكانة عالية و درجة رفيعة في التاريخ الجهادي المعاصر؛ فجمال سليم
استطاع أن يتحمّل جزءاً
من أعباء الحركة الإسلامية في ظلّ ضغوط قاسية و أمواج عاتية و
مرحلة صعبة قاسية ؛ أثبت من خلالها حكمة نادرة و قدرة فائقة في
التحمّل و الصبر و سد الثغور .
أما
المفكّر القائد جمال منصور الذي غيّب
وراء القضبان ، فقد كان صمّام
الأمان المنضبط و صاحب الفهم الملهم ؛ ساهم دونما شكٍ في بلورة
رؤية واضحة لمنهج العمل الإسلامي المقاوم و وضع بوعيه الحركة
في أولوياتها
و فوّت الفرص على المغرِضين .
هذه
الشخصيات التي مازجت بين الفكر و السياسة ، و نهلت من المعين
الشرعي كأساً
دهاقاً ، و
حرّكت الشارع تحريكاً
لم يستطعه غيرهما ؛ فالتفّ حولهما الشباب التفافاً
عجيباً ، و
سمع لهما الشيوخ ، و رضيَ
بهم القاصي و الدّاني رغبةً
و رهبة ؛ كانا بحقٍّ من القلائل القادرين على رصّ
الصفوف و جمع الكلمة و درء المخاطر ،
و من هنا فإنّنا
معنيّون بتسجيل مآثرهم و إبراز معالمهم و تصوير مواطن الإبداع في
تاريخهم .
جمال سليم
لقد جمع
الشيخ في تاريخه الحافل أطياف المجتمع الفلسطيني كلها ؛ فقد ولد في
مخيم العين عام 1958 بعد هجرة عائلية من قرية الدامون الساحلية
قضاء حيفا . ثم زار الشتات الفلسطيني في الأردن
، و
بعد ذلك استقر به
المقام في مدينة نابلس ،
و عايش الإبعاد في مرج الزهور و عمل موظفاً
في أكثر من قرية ،
فهو بذلك خريطة وطن إسلامية موقّعة بدم طاهر
زكي .
و لم تكن
نابلس المحطة الأولى و الأخيرة في حياة هذا القائد العظيم ؛ على
الرغم من أنّ
هذه المدينة قد حظيت بصولاته ، و ما كان لقرية الدامون الساحلية
موطنه الأصيل أن تغيبَ
عن ذاكرته العامرة على الرغم من مرّ السنين و قسوة الغربة و النزوح
، أمّا مخيم
العين الذي استقبل جسده كمولود
جديد جادت به أمٌّ
مؤمنة ، و
حظيَ بمجيئه أبٌ
كريم و تلقّته حارات صابرة و أزقة متلاحمة
، يمثّل وحدة الوطن المفكّك ؛ فما عقّه
المجاهد و ما نسيه
. بل إنّ
ثلاثاً و
أربعين سنة خلت من عمره تشهد له بصدق الولاء .
و إذا كان
مخيّم العين قد رعى المجاهد و احتضنه فترة الطفولة و الشباب في ظلّ
عائلة محترمة متدينة ،
إلاّ
أننا لا نستطيع أن ندّعي
بأنّ الأثر
الكلي في شخصية هذا المجاهد يعود لهذا المخيم
، فالبيئة الحقيقية
القادرة على خلق شخصية فكرية مجاهدة لا بد أن تتحلّى بخصائص معينة
تصلح لهذا الخلق الإبداعي المتميز ، و من هنا فإن الانتقال إلى
المرحلة الجامعية ، إلى واحة العلم و العلماء سيمكّن من حلّ كافة
الرموز و الألغاز .
فقد نشط
الشيخ جمال سليم في الجامعة الأردنية كتلميذٍ نال فضل صحبة العظماء
و تتلمذ على أيديهم .
لقد كان
الشهيد أبو مجاهد واحداً
من أولئك الذين هداهم الله إلى ذلك النبع الرقراق ، و الجدول العذب
، فنهل حتى الثمالة
، و حمل في جعبته روائع ما وجد ، و أي منحة
تتجلّى لشابٍ واعد كمنحة الالتقاء بالعالم
المجاهد الشهيد
عبد الله عزام ، و الداعية الشهير أحمد نوفل .
كان هذان
العملاقان واحةً
غنية وافرة ، و نبعاً
عذبا صافياً
وجدَ فيهما
الشهيد ضالته ، فثنى ركبه متواضعاً
أمامها ، و أخذ منهما منهج العلم و الحركة ، طريق الولاء و التربية
.
كان لطبيعة
التخصّص الذي اختاره الشهيد القائد في دراسته أثرٌ واضح في بناء
هذه الشخصية ، و تشكيل معالمها ، فقد التحق بكلية الشريعة ، و
تخرّج منها عام
1982 و عاد بعدها إلى مدينة نابلس بزادٍ وافر ،
و أساس متين ، لتبدأ في حياته مرحلة العطاء و البذل ، مرحلة تجرّد
فيها لله ، و عرف أن المسلم لا يعرف حدوداً
للعلم و المعرفة ، و لا تعوقه الحواجز أو المخاطر عن البذل و
العطاء ، و أنّ
الجامعة مع أهميتها ليست نهاية المطاف ، بل لربما كانت مرحلة تؤسّس
لمرحلة الإبداع و القيادة ، و استثمار التجربة و نقلها إلى الساحة
الأوسع .
و إذ كانت
نشأة الشيخ قد شكّلت ما يمكن تسميته نمطية الانتماء
للوطن و التاريخ السياسي و الجغرافي
، فإنه قد
مثّل من زاوية ثانية نموذج الداعية المسلم المجاهد . و أعني بذلك
أنه استطاع أن يترجم التصوّر الفكري للحركة التي كان ينتمي إليها
إلى واقعٍ عملي ؛ ذلك أن عمله القائم على التدريس و الخطابة قد مكنّه
من ذلك كله . فقد عمل الشيخ إماماً
لمسجد (مادما)
جنوب نابلس ، و بعد ذلك في
(الباذان)
، ثم انتقل ليعمل مدرساً
في المدرسة الإسلامية الثانوية بنابلس ، و قد أكسبه ذلك أستاذية في
التربية في هذه المدينة التي اعتبرت معقلاً
حصيناً
للإسلاميين .
كان الشهيد
المجاهد واحداً
من المتحمسين للعمل الوطني ، و له في ذلك تاريخ مشرف بدأه منذ
نعومة أظافره قبل أن تتبلور لديه فكرة واضحة للتصوّر الإسلامي
للفكر الجهادي المقاوم ،
فقد دفع ضريبة ولاء مبكرة ؛ إذ قضى تسعة شهور كاملة في غياهب
السجون قبل أن يصل من العمر سن العشرين ، و كان ذلك إثر عمليات رشق
بالحجارة لدوريات الاحتلال
.
هذه الصحوة
النضالية المبكرة بدأت تتشكّل في حالة فكرية منهجية يصبح الشيخ من
خلالها واحداً
من المجاهدين الأشداء الذين نذَروا حياتهم لله
ثم الوطن في منهجهم و اتصل ليلهم
بالنهار و بات ديدنهم حب التضحية و الفداء فلم تغفل عنهم يد المحتل
؛ فكانت الاعتقالات و التصفيات و الإبعاد و المطاردة و منع السفر
سجلاً ظلامياً
شاملاً .
كان جمال
سليم مدرسة وطن واعية و ملحمة عز جامعة
، و ساحة
مجدٍ لا ينضب لها معين ؛ و ساحة من الفكر النيّر
و العلم النافع ، و لن نستطيع تجاوز الجانب الفكري في تاريخه
الخالد ؛ لأننا سنتحدّث آنذاك عن مدرسة فكرية فريدة مثّلت
الوسطية و الانضباط
؛ تلمح فيها معالم الفهم العميق و الإدراك الواعي و الخطاب المتّزن
و الواقعية الإسلامية ، و لقد تجلّى
ذلك في تصريحات الشيخ و خطبه و كتاباته
بل في تصرفاته اليومية العابرة ؛ يذكر أن الشيخ خطب المسلمين في
مسجد بلاطة بنابلس و ما إن
انتهى من صلاته حتى قدِم إليه رجل يحاججه مفترضاً
أنّ الشيخ قد
خالف من سبقه في صلاة رُكعتي
ما قبل الخطبة ، سائلاً
عن الصحيح منهما فما كان من الشيخ إلاّ
أن أعدّ
جواباً عملياً
قدّمه في جمعتين متتاليتين صلى في أحدهما و جلس في الثانية ؛ مبيّناً
أنّ الأمر من
النوافل و فيه بابٌ للاختلاف
المشروع و لن يشكلّ
الاختلاف فيه خوارق فقهية لأنّ
الأصول متفق عليها و لا ضرر
في فعلٍ لا ينسف أصلاً
إذا كان له سند يؤازره .
هذه
المنهجية الوسطية
انسحبت على مجالات فكرية كثيرة ، كان الشيخ من خلالها يترجِم معالم
المدرسة الدعوية
إلى عالم فكريّ متجدّد وفق قاعدة معروفة في أدب الاختلاف "نجتمع
على ما اتفقنا عليه و يعذر بعضنا بعضاً
فيما اختلفنا فيه"
؛ و من هنا فقد رُشِّح
مندوباً عن
لجنة الحوار في الحركة الإسلامية بين الفصائل الفلسطينية في مصر .
و قد
تنوّعت اهتماماته الفكرية لتشمل الديني و السياسي و الأدبي ؛ و يتّضح
ذلك من خلال كتاباته و خطبه و محاضراته ؛ فله في الفقه أحكام
الشهيد في الإسلام ،
و له في الرقائق مذكّرة في التربية الروحية و
هي مجموعة من الأفكار و الخواطر التي تناولت المنهج التربوي في
بناء الفرد المسلم . و في الأدب قرأت له مذكرة من عدة صفحات حول
الأدب الإسلامي و مفهوم الجمال عند الإسلاميين . و قد رأيت فيما
كتب حسن إدراك و قوة فهم و موضوعية في النقل و التصور . و كلامه في
السياسة كثير و فعله السياسي أكثر غير أنني سأكتفي بنقل خطبة من
خطبه حول الوطنية علّها
ترسم بعض معالم الفكر السياسي في تجربته الحركية .
"افتُتن
الناس بدعوى الوطنية تارة و القومية تارةً
أخرى ، و خاصة في بلادنا ، و انطلقت ألسنة الزعماء و سالت
أنهار الصحف و كتب
الكاتبون و خطب الخطباء و هتف الهاتفون باسم الوطنية و جلال
القومية .
حسنٌ ذلك و
جميل ، و لكن غير الحسن و غير الجميل أنّك
حين تحاول أن تُفهِم
أحدهم بأنّ
ذلك في الإسلام أوفى و أزكى مما هو في أفواه الغربيين و تلامذتهم
الذين فُتِنوا
بهم و بأفكارهم الغربية ، و أخذوا يقلّدونهم تقليداً
أعمى دون أن يفكّروا بعقولهم أو يزِنوها بميزان الإسلام العظيم
الذي فيه سعادة الدنيا و الآخرة .
إننا نحب
أن نقول لهؤلاء الناس : إن كنتم تريدون بالوطنية حبّ
الأرض و الحنين إليها ؛ فذلك أمرٌ
مركوز في الإسلام ، و لنا البرهنةُ
على حقيقة ذلك مما ذكر عن النبي – صلى الله عليه و سلم – و فريق من
أصحابه ، من
عظيم شوقهم لوطنهم مكة ؛ فقد جاء في سيرة ابن هشام عن بلال و هو في
المدينة قوله :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ و حـولي
أذخر و جليل
و هل أَردنّ
يومــاً مياه مجنة و هل يبدون في شامه و طفيل
قالت عائشة
– رضي الله عنها - : ذكرت ذلك لرسول الله – صلى الله عليه و سلم -
ما سمعت منهم ، فقال : (اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا
مكة ، و بارك لنا في مدّها و صاعها) .
ما أعظم
موقف الحبيب المصطفى عندما خرج من مكة و وقف على ربوعها حزيناً
قائلاً : (و الله إنّك أحبُ بقاع الأرض إلى الله ، و لولا أن أهلك
أخرجوني منك ما خرجت) .
و إن كان
يراد بالوطنية أنّ من الواجب العمل بكلّ جهد لتحرير البلاد من
الغاصبين و تحقيق استقلالها و غرس مبادئ العزة و الحرية في النفوس
؛ فإنّ ذلك فريضة من فرائض ديننا العظيم و واجب من واجباته ، فقد
شدّد الإسلام على ذلك أبلغ التشديد ؛ فقال تعالى (و لله العزة و
لرسوله و للمؤمنين) ..
و قد حثّ
الإسلام على الجهاد في عشرات الآيات ، و ربّى الإسلام أتباعه على
رفض الذل و الاستبداد ، و استثار هممهم في الدفاع عن الديار ،
فقال لهم : (انفروا خفافاً و ثقالاً و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم ؛
في سبيل الله) ، و قال أيضاً : (و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون
الدين كله لله) ..
هذا هو
جمال سليم القائد في فكره و أخلاقه ، ذهب بعد أن أدّى رسالة ربّه
على أحسن وجه نحسبه كذلك و لا نزكي على الله أحداً ؛ فطبت حياً و
ميتاً ، و نعمَت نفسك بصحبة الأطهار في جنة خلد و سلام إلهٍ عليكَ
و رحمته و بركاته .
المفكر القائد جمال منصور
عندما
بدأتُ في كتابة هذا الفصل لفّني شيءٌ من التردّد و داعبتني حيرة
مقلقة ، و ظللتُ أياماً عديدة بين أخذٍ و ردّ ، عمّن سأكتب و من
سأدع ؟ .
كنت أعلم
أنّ شلال الدماء المتدفّق سيفتح صفحات عديدة لعمالقة عظام ؛
سيخطفهم الموت ، و تنال منهم يدُ الغدر و الخيانة ، ثم وقع رأيي
على أن أتناول القادة الشهداء من رموز الفكر و المقاومة ؛ ممن كان
لهم دور بارز في سياسة الحركة ، فكان طبعاً من ضمنهم القائد الفذ
جمال منصور .
عرفته عظيماً
عبقرياً ، و أحسبُ أنّ صوراً عابرةً من تاريخه الطفولي الوادع عبر
ساحات المخيم الضيقة ، أقصر من أن تمرّ من هذا الجدار الشاهق في
مخيلتي . و على الرغم من توفّر معلومات كافية تسمح لكاتب السيرة أن
يندرج في العملية الكتابية متناولاً أطوار الحياة مع إظهار بعض
الدقائق التي تشهد لكاتبها بقدرته و إحاطته بالموضوع ، إلاّ أن ذلك
لن يوفّر لي دلالات مقنعة لتناول أطوار هذه الشخصية من خلال الإطار
الفني المنظّم ؛ بل لعلّي أكاد أغامر بأن أحوّل تلك اللحظات
الهاربة من مخيلتي المطاردة بشبح الحب المشبع بالإعجاب و الحسرة و
التفاخر معاً ، إلى لوحة خالدة شامخة تنطق بمشهد الحق الماثل لكي
تبقى أفكاره و خيالاته تطارد ذلك الغرّ الذي لم يستوعب هذه
الأسطورة الطيبة الخلوقة .
جاءت تلك
اللحظة القدرية الأليمة ، و سرقت بضع ثواني من تاريخ جبلٍ أشم
لتؤكّد حقيقة ربانية خالدة (و هو أقرب إليه من حبل الوريد) ، لحظة
تأمّل ساخرة داعبت هواجسي و شعرتُ بشيءٍ من التوجس و الخيفة بعد
سماع دويّ مرعبٍ لصاروخ يضرب وسط المدينة . و فجأة تساءلت : من
المستهدف هذه المرة ؟ ، و ما كان لخلدي أن يستوعب فظاعة الحدث ،
هبطنا من أعالي الجبال لتصعقنا فظائع الأخبار؛ استشهد ستة من كوادر
الحركة ، على رأسهم جمال منصور و جمال سليم ، و لم أستطع أن أحتمِل
قساوة ما سمعت و بدأت أفكّر في الآية القرآنية (و ما محمدٌ إلاّ
رسول قد خلت من قبله الرسل) ، حينها شعرت فقط بقيمة القادة ، بيد
أنّني ظللت متوسياً بالآية السابقة و ما كفّني عن ذرف الدموع إلاّ
مقولة احتسبتها كافية ، و هي (لا حول و لا قوة إلا بالله ، حسبنا
الله و نعم الوكيل) .
نعم ، لقد
كانت لحظة التأمل و المراجعة الذهنية آنذاك تزاحم كلّ تصوّر ذهني
ورد على الذاكرة الممتدة ، و لا أستطيع أن أذكر أنّ مساحة ذهنية
واسعة بقيت تحتفظ لزمن ليس بالمتواضع بالاسم و الهيأة ، و بعض
الذكريات القليلة التي قلّصتها فترات التغييب الجبري في السجون و
المعتقلات ؛ أخذ يفاجئني الاسم الرباعي و يدعوني للتأمل عبر كل
اللحظات الهادئة نسبياً في سجل التدحرج المريع ، و شعرت بأنّ شيئاً
من الفروض الرافدة عليّ قد حطّت ركابها في ساحة التأمل ، مما شكّل
بالنسبة لي ما يمكن أن نسمّيه حق التعويض للذاكرة التي كانت مشغولة
بغيرة ، ثم أدركت بعد فوات الأوان قيمة المفقود ؛ و كأنّ لسان حالي
يقول :
ألا ليت الزمان يعود يوماً فأهنأ
باللقــاء مع الجمـال
و أنهل من منابعه كثـيراً و خيرُ النبــع
من سفح الجبال
فأوّاه من لحيظاتٍ رمتـنا بعيدك بالكــرى
طول الليالي
أيهنأ شأني يا عـز روحي بـفقد المجــد بعدك
و العوالي
ألا إني أراك اليوم نجمـاً سطوعك في
الجنوب و في الشمالِ
فطب في عـالم الفردوس نفسـاً ، أمير القوم
يا علم الرجالِ
كنت أدرك يا
جمال ، أنه لا علم لك بحجم المساحة المعدة لهذه الجانب الإعجابي بك
قائداً و مفكراً و أخاً .
رحلت يا جمال
ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ؛ فهنيئاً لك هذا الرحيل المشرّف ، و
سعدت بصحبة الأطهار من الأنبياء و الصديقين و الشهداء و الصالحين و
حسن أولئك رفيقاً .
و مع أن فترة
الطفولة المبكرة لم تحظَ بمعالم فارقة تسمح بالتسطير المُملِ
، إلاّ
أن إزاحة نسبية باتجاه المستقبل القريب ستدخلنا إلى عالم الإبداع
الخلاب في هذه الشخصية الفريدة ؛ فبعيد المرحلة الثانوية و مع أول
يومٍ جامعي بدأت خيوط المجد ترسُم أردان الثوب الجديد للقائد
الواعد .
و هناك بين
السفح و الذروة لجبل (جرزيم)
كانت النجاح الوطنية الثورية في هدوء
تستقبل هذا القادم الجديد ؛ و يتربّع الطالب على
مقعدٍ متواضع من
مقاعد الدراسة المعدة للمئات من الطلبة ؛ بيد أنّ
بداية الإبداع في عملية البناء القيادية المنشودة قد بدأت ترسم
معالم فجر جديد .
بدأت هذه
الولادة بين الوسط الطلابي الصاخب ؛ و الوسط الطلابي كما فهمه
القائد المفكّر ؛ يشكّل ركيزة أساسية في التوجّه و العطاء و
التعامل السياسي ، و معالجة القضايا العامة و التصدّي لمشاكل
المجتمع ، و مشاكل الشباب على وجه التحديد ، و كل ذلك جزء مهم من
العمل السياسي الفاعل ؛ إذا صلح قطاع الطلاب الموجّه صلح الشعب كله
.
و من هنا ،
فقد كانت الخطوة الريادية التي قام بها المفكّر مع ثلة من إخوانه
في نهاية السبعينات ، حين بادر في تشكيل أول جسم طلابي ذا طابع
إسلامي في جامعات الضفة الغربية ؛ هي اللمحة الإبداعية في عملية
التصوّر الإسلامي الفاعل ، و هي الإشارة الواضحة لتقدّم الصحوة
الإسلامية و نضوج الوعي السياسي و بداية التبلور للنشاط الجماعي
الفاعل .
هؤلاء
العمالقة المخلِصون ، بإمكاناتهم المتواضعة ؛ تحمّلوا الهمّ الأكبر
من هموم الدعوة ، و رسموا الطريق الأسلم للتجربة الإسلامية الرائدة
في فلسطين المحتلة ؛ و لربما كان لهذا الصمود الأسطوري الذي حقّقه
هؤلاء الشباب في السياسة و الاجتماع ؛ على الرغم من قلة الزاد و
تواضع التجربة العملية في ميدان السياسة و الاجتماع ؛ أقول لعلّ
ذلك قد ساعد على إظهار القيمة الشرائية الباهظة لصاحب هذا الفكر ؛
فهم عند أعدائهم إرهابيّون أخطر من الدُول
النووية ، و عند محبّيهم أمراء للمؤمنين ، تجِب في حقّهم الطاعة في
المكره و المنشط ؛ الطاعة لمن لم يتجاوز سنَّهُ
العشرين !! .
و كانت صورة
الخلافة الإسلامية المفقودة قد تجلّت
معالمها مع الفوج الأول من أبناء الكلية الإسلامية بشكلها الجديد و
أضحى لقب أمير المؤمنين واحداً
من العلامات البارزة المميزة لهذا التجمع القرآني الفريد و من بين
السطور كنت تقرأ اسم الطالب المتميّز الذي استحقّ هذا اللقب بعد
غياب ؛ كنت يا جمال حينها تنعم بهذه الثقة و تلك الرمزية و كانت
حركتك الطلابية تخطّ في عباب البحر رحلة التحدّي و تكتب بالعرق
المخلص معالم النجاح السريع للتيار الإسلامي الصاعد .
و سرعان ما
مرّت فترة العطاء هذه لتتبعها أشد سخونة و أدقّ حساسية و أعمق
تصوّراً ، و
لعلها مرحلة الاختبار العملي من أجل التهيّؤ لما هو أوسع من العمل
الطلابي ؛ فمع
أواسط الثمانينات انتهى
الطالب من
مرحلته الجامعية الحافلة بالمجد القيادي الطلابي الناجح
، ليلتقي
بعد ذلك مع انتفاضة المساجد الأولى مرحلة المدّ
الجماهيري و القيادة الميدانية الفاعلة و المحن المتعاقبة و
التجربة السياسية الأولى على المستوى الحركي الواسع .
التجربة
القيادية ليست فلسفة فخرية تخضع للعدد
الهائل من الأوسمة الفخرية في سراديب مغلقة إلاّ
على أصحاب المسالك المشبوهة و الارتباطات المشوهة ؛ بل هي عملية
إبداعية عَلوية
؛ يصدق فيها الشاعر :
بصرت بالراحة
الكبرى فلم ترَها تنال إلاّ
على جسر من التعب
و هناك بين
أقبية التحقيق و زنازين الشبح و عصافير الغرف عبر ستّ
عشرة مرة اعتقل فيها الشهيد كانت الشخصية القيادية تبني بناءاً
فريداً ينسجم
مع النمطية القيادية لأصحاب المنهج الربّاني
الفريد .
و عندما نفتح
ملف الاعتقال المتكرّر لجمال منصور ؛ سواء أكان ذلك في سجون
الاحتلال أم في سجون السلطة الفلسطينية ؛ فإنّ
ذلك يعني فتح ملفات عديدة بل لعلّنا سندلف إلى متحف الإبداع
السياسي عبر شخصيات الفكر الإسلامي الفريدة ؛ حيث بركان التحدّي
الهادر و أمواج الصمود الأسطوري الرائع
في التجربة السياسية
الحكيمة و الثبات الفكري و الوعي الأمني و الصفاء الروحي ؛ كلّ ذلك
رغم عتمة الليل و ضيق السعة و سوء الأحوال و مرارة العيش و كثرة
الظلم و سوداوية الأفق المتاح إن وجد ،
كيف لا و الاعتقالات الإدارية المتكررة
لم تدعْ للمفكّر لحظة واحدة ليتنفس هواء التحرّر .
كان جمال
منصور يؤمِن بفلسفة ثابتة
شكّلت عموداً
فقرياً
للتصوّر السياسي الذي عمِل الشهيد من خلاله ؛ ذلك أنّه
يعتبر نفسه حيثما وجد صاحب قضية ينبغي أن يعمل من أجلها بحسب الظرف
المتاح و لا مجال للاستنكاف أو التعذّر بالعوائق مهما كانت طبائعها
؛ فإن كان في (حافلة)
فإنّ
رسالة تستوعبها المسافة الزمنية المخصّصة للسفر
ستفرِض نوعية العمل السياسي المطلوب من خلال برنامجه الدعوي الشامل
، و كذا في المتجر أو مكان العمل بما يسمح الظرف المتاح ضمن الحكمة
الراشدة ، و من هنا فإنّ
فترة الاعتقال شكّلت
نمطية فريدة للأسلوب الدعوي ؛ ففي السجن كانت مسألة العلاقة بين
الفصائل الوطنية ، و خصوصاً
تلك التي كانت ترى في الحركة الإسلامية جسماً
خارجاً عن
نطاق النّسيج
الوطني ، و من نحو آخر فإنّ
رؤية الشباب الإسلامي لكلّ ما هو غير إسلامي رؤية تشوبها الشكوك و
المخاوف . و لعلّ
من أهم الإنجازات الحكيمة التي نجح القائد في إحرازها توقيع أول
اتفاق –في السجون – بين الحركة الإسلامية و الفصائل الوطنية الأخرى
بعد سنة واحدة من أول اعتقالٍ له في الانتفاضة الأولى ؛ و قضى
الاتفاق في حينه أن هناك أرضية واحدة للعمل السياسي على الساحة
الفلسطينية ؛ ذلك أنه لن يستطيع تنظيم من التنظيمات أن ينفرد
بالساحة الفلسطينية دون غيره ، و قد كان الشهيد أول الموقّعين على
هذه الوثيقة الداعية
إلى وحدة وطنية ، بل و أضحى أبرز الفاعلين في تكريس مبادئها من
خلال ترجمته العملية على الخصام الفكري و التسامح مع الذين سجنوه و
آذوه لاحقاً
من أبناء السلطة المحسوبين على تيارات وطنية معروفة .
كانت فلسفته
العقلية في إطار الحوار و المناقشة و الالتقاء المشترك تؤمِن بأنّ
الإنسان الذي لا يملك حرية و إرادة ؛ فذلك عبدٌ حتى و إن كان في
إطار تنظيم سياسي . و قد ساعد هذا التصوّر في بناء شخصية فريدة
حظيت بقبول واسع لدى القيادة
العريضة للحركة الإسلامية ، و لدى الأوساط السياسية العاملة في
الساحة الفلسطينية .
هذا التصوّر
الفكريّ المتفتّح لم يكن في يومس من الأيام على حساب الثوابت
العقدية أو الوطنية ، بل إن القاعدة الراسخة التي تشكّل بوصلة
التوجّه الفكريّ و السياسي في حياته هو
الإسلام لا غير ،
فلا مساومة مع العقيدة ، و لا اجتهاد مع النصّ ، يقول الشهيد :
"لقد عانت أمّتنا
أشد المعاناة و أصابها العنت و البلاء حين راحت تجرّب على نفسها
كلّ المناهج و الأيديولوجيات
و السياسات التي لا تنسجم مع تكوينها
الفكريّ و يتصادم مع فطرتها ؛ حيث استوردت كلّ ما هو دخيل و فرضته
على نفسها ، باحثة عن السعادة و التقدّم و الرفاهية ، و هي بذلك لم
تجنِ إلاّ
الثمار المرة ، و النتائج المدمّرة لمقوّماتها و هويّتها و عزتها و
كرامتها ، و حاق بها الفشل في كلّ مجال"
... كان يدرِك
أن البديل هو إسلام كلّيٌ
غير متجزّئ ، و في هذا يقول الشهيد : "الإسلام
الذي هو الحل لا يكون حلاً إلاّ
إذا أخذ متكاملاً
؛ أي طبّق في مناحي الحياة كلّها ، غير أن استعماله
كدواءٍ موضعيّ لحالات محدّدة يجعله مشوّهاً
ناقصاً
مبتوراً لا
يكون فعالاً
، فالإسلام يشكّل منظومة من القيم و الشرائع و الشعائر تتشابك
لتشكّل نسيجاً
متيناً و
أرضية صلبة ، يقيم
مجتمعاً فيه
الحل لكل معضلة و المخرج من كل مأزق و جواب لكل سؤال ، يتكامل فيه
الفرد مع المجموعة و الدولة مع الشعب و الملكية الخاصة مع العامة و
الغني مع الفقير .
هذا التصوّر
المبدئي الثابت حول الممكن و المستحيل في المقاربات الفكرية ؛ اتضّح
أيضاً في
المواقف الشخصية التي مثّلت انفرادية ملموسة في هذا الجانب ؛ فقد
حدث أن الرئيس ياسر عرفات طلب مقابلة جمال منصور في سجنه ، فردّ
جمال معتذراً
مالم يتحقّق
شرط أساسي ضامن لهذه المقابلة ، و لم يكن ذلك الشرط سوى حريته ،
قال : "لا
يمكن أن أقابل أحداً
و أنا لا أملك حريتي و مسجوناً
دون وجه حق"
، و في صبيحة اليوم التالي جاء الرئيس عرفات إليه في زنزانته و
رافقه إلى صلاة الجمعة و أطلق سراحه
.
هذه النباهة
الفطرية و عبقرية الأخذ و الرد و الإقليمية مع الممكن و المحذور في
ازدواجية خطرة كاللعب على حدّ السكين لم يحظَ
بها كثيرون من قادة العمل الإسلامي ؛ و لئن كانت الأمثلة القليلة
السابقة قد تناولت مرحلة الاعتقال في حياة الشهيد ؛ فإنّ
الحديث عن مراحل أخرى كالإبعاد و ما بعد الانتفاضة الثانية سيفتح
ملفات جديدة في نباهة الوعي السياسي ، و عبقرية الإدارة الموفّقة
للأزمات الساخنة العصيّة
؛ يذكر الشيخ مصطفى شاور بعض مناقب الشهيد في قصة الإبعاد
، فيقول :
"لقد كان قائداً
بالفطرة ، فعندما
أُبعِد
المجاهدون إلى مرج الزهور ، و كان ذلك صبيحة أول يوم في الإبعاد ،
و قبل أن يتكامَل طلوع قرص الشمس طلب الاحتلال من المبعدين أن
ينزِلوا عن ظهور الشاحنات عند معبر (زمريّا)
في الجنوب اللبناني ، و أخذ الجنود
الصهاينة بإطلاق النار
، فإذا بالشهيد جمال
بفطرته القيادية يقف مواجهاً
413 مبعداً ؛
طالباً منهم
الانتظام في مجموعات متساوية لتتمّ أول عملية إحصاء للمبعدين ، و
تشكيل لجنة لإدارة شؤونهم" .
لقد كان جمال
راحلة من رواحل الحركة الإسلامية ضنَت
به مدرسة الإبداع القيادي فصنعته على
عينها و حفيَ
برعايتها .
كان جمال سياسياً
لبقاً و
اجتماعياً
موفّقاً و
مفكراً ملهماً
، إلاّ أنّ
ذلك لم يصرفه عن مقارع الفرسان و مطاعن
العظماء مع المجاهدين الأوفياء ؛ فعلى الرغم من حساسية موقعه و
ظروف مسيرته إلاّ
أنّ عالم
الشهادة و الشهداء ظلّ حلمه المنشود و غايته الموعودة و أمنيته
المشتهاة .
و كانت غبطة
الاستشهاديين و حُب
طريقهم ، دَيدنَ
حديثه و مجال تفكيره ،
يقول
الشهيد في إحدى مقابلاته :
"علاقتي مع الاستشهاديين علاقة البعض من الكل ؛
إذ كُنت أحسّ
أن أمنياتي في الحياة الدنيا كهؤلاء
الشباب ؛ لعلّ نوعاً
من الغبطة لا الحسد كان يشكّل جُزءاً
من هذه العلاقة المتشابكة"
.
و لعله من
الضرورة هنا أن نشير إلى صعوبة تصوّر العلاقة بين السياسي المحكوم
بظرف استثنائي ،
و العسكري المطارد مطاردة تامة تحول دون لقائه مع أقرب الأقربين ؛
لكن ذلك يحول
دون كشف بعض
الحقائق الخفية في عالم الشعور و الأماني ؛ فالإبداع الفلسطيني في
نظر الشهيد جمال منصور يكمُن في أشكال النضال و التحدّي للاحتلال ،
و قد وصل هذا الإبداع إلى أعلى ذروة له
، عندما بدأ الإنسان يقدّم نفسه رخيصةً
في سبيل الله لما يعتبره أكثر أهميةً
منه و هو الوطن .
و هؤلاء
المبدِعون – في نظر الأستاذ الشهيد جمال منصور – عندهم نظرية
متداولة ، فنحن
شعب ضعيف في إمكانياته و الاحتلال قويّ بما أتيح له ، لكن لهذه
القوة نقطة ضعف ، و نحن ضعفاء و لضعفنا نقاط قوة ، و نقطة قوّتنا
تلتقي مع نقطة ضعفهم ؛ نحن أحرص الناس على الموت فداءً
للوطن ، و هم أحرص الناس على الحياة هروباً
من الموت ، و لعلنا قد حقّقنا سبقاً في هذا المجال ؛ فالطالب
الجامعي في سنة تخرّجه حين تراوده أشواق الشهادة فيخرج من الدنيا
بشهادة لا مثيل لها هو طالب يفهم معنى التضحية و الفداء .
كان الشهيد من
أولئك
القلائل الذين يدرسون المستقبل على ضوء التصوّرات الحكيمة الملهمة
، غير عابئين بما يحمله الواقع السياسي من إفرازات عفنة ، بل قدرة
إبداعية ملهمة فريدة على قراءة ما وراء الحدث ضمن معالم السنن و
الثوابت ، و من
هنا فقد كان دائم التفاؤل
بقرب النصر و زوال الغم .
لطالما اعتقد
بأنّ
المستقبل القريب سيفتح آفاقاً
رحيبة للعمل الإسلامي ؛ تصبح الحركة الإسلامية حينها مدعوّة لتحمّل
العبء الأكبر من الهموم السياسية العالمية المنوطة بالعالمين
العربي و الإسلامي ؛ لأنها المرشّح الوحيد المؤهل لوراثة
القيادية
الجديدة للقضية
الفلسطينية بعد سقوط المشروع السلمي و انهياره .
و لقد سمعت من
فمه شيئاً من
الحكايات الطريفة التي تدلّ على بعد النظر و دقة الفهم ، و من ذلك
قوله في بداية الانتفاضة : "أذكر أنني كنت في بداية الانتفاضة
الأولى أرقب تنامي الخط الإسلامي ، و كانت المشكلة عندها كيف لنا
أن نزجّ بأبناء الحركة الإسلامية في المقاومة و العسكرة قبل إكمال
الجانب التربوي و البناء الهيكلي ؛ حيث قلة الزاد و العتاد ، و
ماذا لو زجّ بهم في السجون و خلت الساحة من الإسلاميين ؟
، و انتهى الجدل بأن
أصرّ بعض
الشباب المتحمسين ولوج نار الملحمة ؛ و كانت النتيجة السريعة أن زُجّ
بهؤلاء في السجون ؛ لكن لفترة قصيرة لم تتجاوز الأسابيع ، بيدَ أن
العجيب - علّ غيّر رأي المتخوّفين - أن المدّ
الإسلامي بدأ يأخذ
في تمدّده حتى بلغ مبلغاً
لم تعد الحركة قادرة عل استيعاب المتدفقين الجدد" .
كان جمال
يدرِك أن ذهاب القادة لن يدع حداً
لتمدّد الصوت
الإسلامي و انتشاره ؛ لأن اغتيال القادة - كما كان يؤكّد دائماً
- سيبرز أناساً آخرين تأخذ الراية و
تستكمل الدرب ؛ فذهاب صلاح دروزة زرع في كلّ القلوب حسرة و جمرة ،
لكنه في الوقت نفسه رفع فوق رؤوسهم
راية و في داخلهم شعلة . و حول التجربة التفاوضية و خيارات الحل
السلمي فإن للشهيد رأياً
نلخّصه فيما يلي :
كان جمال
يعتقد أن التوجّسات الإسلامية حول المشروع السلمي تنبع من تجارب
كان لها ثقلها على الساحة الفلسطينية ؛ ذلك أن الإسلاميين يرون أن
إفرازات أوسلو و ما تبعها من تفاهمات أمنية شكّلت فجوة حقيقية بين
أنصار السلام المزعوم و أصحاب المشروع المقاوم ، و أنّ
هؤلاء الأخيرين لا يمكن لهم أن يثقوا بسجّانيهم و متتبعي آثارهم
لصالح العدو الغاصب . بيدَ أن نظرة ثاقبة من صاحب الرؤية السوية
تتجاوز الرد الفعلي لتصوغ رؤية موفّقة ؛ حيث يرى المفكّر أن ذلك
التوجّس قد يحتاج إلى شيء من التأمل للنظر فيما هو أبعد منه ، و
إنما كان ذلك لعلَلٍ تستحق الوقوف عليها و هي كما يراها المفكّر
:
1/
أن مرحلة أوسلو قد ولّت إلى غير رجعة ، و دفنت
في أرضٍ لا خلاق لها ؛ و من هنا فإنّ
حركة المدّ المقاوم ماضية بإذن الله ، و لا مجال للعودة ثانية إلى
مربعات الخداع المضلِّل .
2/
أصحاب المشروع السلميّ لا يمكن وصفهم بالخيانة
(رغم وجود علامات استفهام على بعض منهم) ،
بل هم في نظر الشهيد المفكّر أصحاب مشروعٍ خاطئ
، و لا شك بأنّ
قطاعاً
واسعاً منهم أدرك مواطن خطئه ؛ و هؤلاء أخوة للإسلاميين و لا يصحّ
أن يُجعًل
منهم أعداء للحركة الإسلامية . لأن هؤلاء سيعودون لمربع الحركة
الإسلامية عاجلاً
أم آجلاً . و
هو يرى أن الحركة الإسلامية ليست كباقي الحركات ؛ فهي الأم
الحنون التي تحتضن
أولادها حتى و إن ناصبوها العداء و المخاصمة ؛ و من هنا فإن واجب
الحركة الإسلامية أن تنتهج سياسة التوريط الإيجابي في العمل
المقاوم ، و تدفع بالتوجّهات الفكرية نحو مربع المقاومة و الجهاد .
و من هنا فإنّ
السعي الجاد تقرّب
وجهات النظر و بناء الأسس الداعمة للوحدة الوطنية على أرضية
المقاومة و طرد الاحتلال
، جانب مهم
من متطلبات الحركة العاقلة .
و قد عمِل
المفكّر بنفسه
على ترجمة ذلك إلى واقعٍ حواري في سبيل الاستقطاب المدروس ؛ حيث
كان يقول: "علينا
أن نعمَل على تضييق
الخلافات و تذويب الاحتقانات و عزلها عزلاً
يمكّن هذه
الأمة من التماسك في وجه
الطاغوت الصهيوني المتغطرس"
؛ و في معتقل (الجنيد)
التابع للسلطة كان الشهيد يرى أن ثمة
ضرورة ملحة في الواجب الدعوي أن يدرِك ذلك السجان
الفلسطيني الذي
يعتقله أنهما في صف واحدٍ لعدو لا يفرّق
بينهما ، و كان الشهيد يشعُر بنوع من الشفقة تجاه هذا السجان ، و
كأنه رجل مريض نفرَ من طبيبه ؛ مما اقتضى رعاية خاصة
، و لعلّ هذه النظرة
المثالية في السماحة الأرجوانية قد لقيَت ثمارها ، فكم بكاهُ
السجّانون بعد موته و نعتوه بأجمل النعوت .
استشهاد الجمالين
لم يكن حادث
الاغتيال الرهيب وسط مدينة نابلس الشموخ في
31/7/2001 ، بالحادث
الفريد و الوحيد و قد يكون حادثاً
استثنائياً
ضمن قراءات التجربة السياسية الإسلامية ؛ بيدَ أنه واحداً من
دلالات الهمجية المتجذّرة في الفكر الصهيوني المتوحش ؛ لعلّ في
اغتيال الجمالين و من قبلهما القائد السياسي صلاح دروزة
، ما يدلّل على
ضرورة التمعّن في طبيعة التعاطي مع عدوٍّ من هذا النوع ، بل لعلّي
أكاد أصدر هذا الموضوع ببعض الانتقاد التي لربما كانت الحركة قد
أخفقت في تحديد مدى البعد القياسي في معركة الممكن و المستحيل
.
نعم ، ليس
غريباً أن
تصعَق أوساط عديدة بفاجعة الاغتيال ، و إن بدا أن شيئاً
من التوقّع
قد صاحب الجوّ البشع الذي نفّذت فيه هذه العملية ، غير أنني
أزعم أن نوعاً
من الاستثنائية قد رافق هذا المشهد البشع الذي لم يكن سابقة في هذا
الكيان المجرم ؛ فتاريخ المنظمة الصهيونية حافل بالغدر و الإجرام
منذ كنفاني و عدوان و السرطاوي و أبي جهاد ؛ إلا أنني ما زلت أزعُم
أن استهداف ثلاثة من
قادة الجناح السياسي لحماس في زمن متقارب يطرح
على طاولة التدارس معالم بحث مميز خصوصاً
أنّ الحركة
الإسلامية ، التي
شكّلت رأس الحربة في تاريخ الصراع المعاصر ، من هنا فإن قراءة
الحدث قد يفرِض
بعض التصوّرات الجديدة التي تضاف
إلى القاموس الأسود ؛ و لتوضيح ذلك أتناول الآتي في نقاط ثلاثة :
1/
أن التحوّل النوعي في سياسة الاستهداف التي
بدأت تطال العقول السياسية و الفكرية علاوةً
على نشطاء العمل العسكري يمثّل فشلاً
ذريعاً في
الخطوات الأمنية الرامية إلى إيقاف الانتفاضة المشتعلة ؛ و من هنا
فإننا نرى في استهداف القادة السياسيين
في حركة المقاومة الإسلامية – حماس - محاولة لاستئصال العقل المدبّر
للفكر المقاوم ، يذكر المراسل العسكري
الصهيوني تعليقاً
على حادث الاغتيال ، فيقول : "الحكومة
(الإسرائيلية)
و بعد تشاور مع كلٍّ من هيئة أركان الجيش و قيادة المخابرات قرّرت
العمل ضد القيادة السياسية لحركة المقاومة الإسلامية"
، أما الجنرال داني روتشلد فيؤكّد أن
القرار تمّ على الرغم من عدم توفّر معلومات بعلاقة الجمالين بالعمل
العسكري ؛ لذا فالاستهداف الموجّهُ للقادة السياسيين مقصودٌ لذاته
.
2/
قطع الطريق أمام أيّ عملٍ جاد من شأنه أن يؤسّس
لوحدة وطنية تهدّد الانفراد السلطوي بالتوجيهات السلميّة ؛ لعل
الجانب الصهيوني
ينظر إلى الدور السياسي الذي يمكِن أن تلعبه قوى المعارضة في حال
انتعاش العملية السلمية ؛ و في هذا يرى
(بيريز)
أن اغتيال
قيادات حماس ضروري من أجل خلق مناخٍ مناسب لاستئناف
المفاوضات .
3/
إحداث فجوة في صفوف الشباب المتحمّس المحتاج
إلى صاعقٍ متفجرٍّ و شاحذٍ يدفع النفوس تجاه التضحية ؛ و هذا كان
ملموساً
بوضوح في شخصية الجمالين .
إلا أننا نقول
إن الأمنيات الصهيونية لم تؤتِ ثمارها لأنّ
حركة عقائدية واسعة بعيدة العمق كثيرة التجارب لا تعتمد على قائد
أو اثنين ، و
من هنا فإن تواصل العمل الجهادي رغم المحن و الجراحات يدلّل على
جذور حماس المتجذّرة في الأرض و
المتشعبة في الشعب الفلسطيني ، و ينفي فرضية الكيان الصهيوني
بالقضاء على هذه الحركة الأصيلة .
|