الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد القائدين العظيمين جمال منصور و جمال سليم 

بقلم / رمضان عمر :

لا أستطيع أن أتناول شخصية المجاهد العالم القائد جمال سليم بمعزلٍ عن شخصية المفكر السياسي جمال منصور ؛ فكِلا القائدين شكّلا قطبين متوازيين و قلعتين حصينتين ، ضمّا بين جنباتهما سيلاً من الفكر و نهراً من البذل و العطاء ، و أستاذية متقدمة في القيادة و السياسة .

و قد اجتمعت عليهما الكلمة اجتماعاً لم يكن لغيرهما ، و انفردا بخصائص زكية و لطائف بهية جعلتهما نمطاً فريداً ، و لربما كان من اللطائف العجيبة أن يتطابق الاسمان فيهما تطابقاً جمالياً فريداً ؛ أحدهما يمثّل السلامة في القلب ، و الثاني يمثّل النصر قي العقل و قوة الحجة و البيان .

تطابق اسم جمال سليم مع جمال منصور ؛ شقيق الروح و صاحب الدرب الطويل ؛ و لربما الأطرف أن يجمع الصنوان سمات فكرية و أخلاقية عالية ؛ فهما أصحاب مدرسة فريدة واحدة .

كان القائدان كما قلنا شقيقين في الروح و في الفكر و التصوّر ؛ إذا رأيت أحدهما ذكّرك ذلك بطيف صاحبه ، و لئن طلبت واحداً منهما فإنك واجدٌ لهُ في صاحبه شبهاً و مثلاً .

و من هنا فإن الحديث عن أحدهما هو حديث عن الآخر ، لأنهما ، و باختصار ، أبناء مدرسة محمد بن عبد الله ؛ أكرم بها من مدرسة ، و أنعم به من معلم ؛ و أنعم بها و هي تنقل الأفراد من عالم دنيويٍ لا تمايز فيه و لا فضل ، إلى عالمٍ سام جليل ؛ مدرسة لا تخرّج إلاّ الأبطال العظماء و لا تقبل في صفوفها إلا الأتقياء ؛ مدرسة تسمو من خلالها الأرواح إلى عالم مثالي أروع ؛ يكون فيه ساق ابن مسعود أثقل عند الله من جبل أحد ، و سمرة بن رباح أنصع من اللبن ، و فارسية سلمان أعرب من القحطانية الحقة .

و من هنا ، فإن تناول الجمالين في شيء من العزة و الافتخار ، لن يستدعيَ معالم التوصيف الشكلي الذي يتنافس فيه المغرضون و يتباهى به المبطلون ؛ من مالٍ و شهرة و بنون ، شتان شتان !! و ما حظ الثرى من الثريا ؟! ، شتان بين من يزرع الجدّ سرمداً أبدياً ، و يبني تاريخه بالأسل و السيوف اليمانية ، يجود بالدّم الزكيّ كي تبقى الكلمات الوردية نضرة تؤتي أكلها في كلّ حين ؛ شتان بين هؤلاء العمالقة و بين أشباه الرجال المنهزمين تحت ذل السمعة و وحشية الظلم و سخافة الوهم .

و الحديث عن الجمالين له اعتبارات كثيرة ؛ نذكر منها للتمثيل لا الحصر :

الحديث عن الجمالين هو حديث عن مركز قرار فاعل في الحركة الإسلامية ؛ فنابلس التي خرجت بقضّها و قضيضها في موكبٍ مهيب قارب الربع مليون في وداع العملاقين تؤكّد على موطن التأثير الفاعل لهذين النجمين الساطعين ؛ نعم لقد كانت نابلس و ما زالت واحدةً من المعاقل الحصينة للحركة الإسلامية ضمت نخباً من القادة العظماء ، اغتيل الكثير منهم من آلة البطش و الظلام ؛ و إنّ نظرةً سريعة لحجم الاستهداف في صفوف الحركة في هذه المحافظة ، يدلّل على حجم البعد التأثيري الذي تمتّعت به الحركة في المدينة ، و من الرموز التي استهدفها الصهاينة في المدينة :

الشهيد صلاح دروزة القائد الفذ العملاق السياسي المحنّك و الإداري الموفق و العسكريّ الفاعل الشجاع الذي هابته السلطات الصهيونية ، و لاحقته السلطة و أقرّت بجرأته الفصائل ، و ذكره الجيران و الخلان بأحسن الفضائل . أول رأسٍ سياسي يعانق المجد في عالم الشهداء ، و أزكى دمٍ نوراني يُسفَك في سبيل الحرية و الفداء ، الصوّام القوّام ، التقي النّقي صاحب الهيبة و الإباء ، أحد قادة حماس الأفذاذ و ممثّلها في لجنة الفصائل ، مؤسس الكتلة الإسلامية في جامعة القدس ، و أميرها الأول . ولد في الثامن و العشرين من أيار عام 1964، و تربّى في مدرسة محمد ( ص )، و أبلى في الله بلاءً حسناً صابراً محتسباً؛ اعتقل ثلاث مرات في سجون الاحتلال ، و ثلاثةٌ أخرى في سجون السلطة الفلسطينية ، و ارتقى أخيراً إلى الفردوس الأعلى في حادثة اغتيال جبانة نفذتها آلة الغدر الصهيونية في 25/7/2001 .

و منها الشيخ القسامي القائد يوسف السركجي، و منها القادة العظام أيمن حلاوة ، نسيم أبو الروس ، جاسر سمارو و مهند الطاهر و محمود المدني و غيرهم العشرات .

انفرد الجمالان بميّزات فريدة جعلتهما يتبوّآن مكانة عالية و درجة رفيعة في التاريخ الجهادي المعاصر؛ فجمال سليم استطاع أن يتحمّل جزءاً من أعباء الحركة الإسلامية في ظلّ ضغوط قاسية و أمواج عاتية و مرحلة صعبة قاسية ؛ أثبت من خلالها حكمة نادرة و قدرة فائقة في التحمّل و الصبر و سد الثغور .

أما المفكّر القائد جمال منصور الذي غيّب وراء القضبان ، فقد كان صمّام الأمان المنضبط و صاحب الفهم الملهم ؛ ساهم دونما شكٍ في بلورة رؤية واضحة لمنهج العمل الإسلامي المقاوم و وضع بوعيه الحركة في أولوياتها و فوّت الفرص على المغرِضين .

هذه الشخصيات التي مازجت بين الفكر و السياسة ، و نهلت من المعين الشرعي كأساً دهاقاً ، و حرّكت الشارع تحريكاً لم يستطعه غيرهما ؛ فالتفّ حولهما الشباب التفافاً عجيباً ، و سمع لهما الشيوخ ، و رضيَ بهم القاصي و الدّاني رغبةً و رهبة ؛ كانا بحقٍّ من القلائل القادرين على رصّ الصفوف و جمع الكلمة و درء المخاطر ، و من هنا فإنّنا معنيّون بتسجيل مآثرهم و إبراز معالمهم و تصوير مواطن الإبداع في  تاريخهم .

 

جمال سليم

 

لقد جمع الشيخ في تاريخه الحافل أطياف المجتمع الفلسطيني كلها ؛ فقد ولد في مخيم العين عام 1958 بعد هجرة عائلية من قرية الدامون الساحلية قضاء حيفا . ثم زار الشتات الفلسطيني في الأردن ، و بعد ذلك استقر به المقام في مدينة نابلس ، و عايش الإبعاد في مرج الزهور و عمل موظفاً في أكثر من قرية ، فهو بذلك خريطة وطن إسلامية موقّعة بدم طاهر زكي .

و لم تكن نابلس المحطة الأولى و الأخيرة في حياة هذا القائد العظيم ؛ على الرغم من أنّ هذه المدينة قد حظيت بصولاته ، و ما كان لقرية الدامون الساحلية موطنه الأصيل أن تغيبَ عن ذاكرته العامرة على الرغم من مرّ السنين و قسوة الغربة و النزوح ، أمّا مخيم العين الذي استقبل جسده كمولود جديد جادت به أمٌّ مؤمنة ، و حظيَ بمجيئه أبٌ كريم و تلقّته حارات صابرة و أزقة متلاحمة ، يمثّل وحدة الوطن المفكّك ؛ فما عقّه المجاهد و ما نسيه . بل إنّ ثلاثاً و أربعين سنة خلت من عمره تشهد له بصدق الولاء .

و إذا كان مخيّم العين قد رعى المجاهد و احتضنه فترة الطفولة و الشباب في ظلّ عائلة محترمة متدينة ، إلاّ أننا لا نستطيع أن ندّعي بأنّ الأثر الكلي في شخصية هذا المجاهد يعود لهذا المخيم ، فالبيئة الحقيقية القادرة على خلق شخصية فكرية مجاهدة لا بد أن تتحلّى بخصائص معينة تصلح لهذا الخلق الإبداعي المتميز ، و من هنا فإن الانتقال إلى المرحلة الجامعية ، إلى واحة العلم و العلماء سيمكّن من حلّ كافة الرموز و الألغاز .

فقد نشط الشيخ جمال سليم في الجامعة الأردنية كتلميذٍ نال فضل صحبة العظماء و تتلمذ على أيديهم .

لقد كان الشهيد أبو مجاهد واحداً من أولئك الذين هداهم الله إلى ذلك النبع الرقراق ، و الجدول العذب ، فنهل حتى الثمالة ، و حمل في جعبته روائع ما وجد ، و أي منحة تتجلّى لشابٍ واعد كمنحة الالتقاء بالعالم المجاهد الشهيد عبد الله عزام ، و الداعية الشهير أحمد نوفل .

كان هذان العملاقان واحةً غنية وافرة ، و نبعاً عذبا صافياً وجدَ فيهما الشهيد ضالته ، فثنى ركبه متواضعاً أمامها ، و أخذ منهما منهج العلم و الحركة ، طريق الولاء و التربية .

كان لطبيعة التخصّص الذي اختاره الشهيد القائد في دراسته أثرٌ واضح في بناء هذه الشخصية ، و تشكيل معالمها ، فقد التحق بكلية الشريعة ، و تخرّج منها عام 1982 و عاد بعدها إلى مدينة نابلس بزادٍ وافر ، و أساس متين ، لتبدأ في حياته مرحلة العطاء و البذل ، مرحلة تجرّد فيها لله ، و عرف أن المسلم لا يعرف حدوداً للعلم و المعرفة ، و لا تعوقه الحواجز أو المخاطر عن البذل و العطاء ، و أنّ الجامعة مع أهميتها ليست نهاية المطاف ، بل لربما كانت مرحلة تؤسّس لمرحلة الإبداع و القيادة ، و استثمار التجربة و نقلها إلى الساحة الأوسع .

و إذ كانت نشأة الشيخ قد شكّلت ما يمكن تسميته نمطية الانتماء للوطن و التاريخ السياسي و الجغرافي ، فإنه قد مثّل من زاوية ثانية نموذج الداعية المسلم المجاهد . و أعني بذلك أنه استطاع أن يترجم التصوّر الفكري للحركة التي كان ينتمي إليها إلى واقعٍ عملي ؛ ذلك أن عمله القائم على التدريس و الخطابة قد مكنّه من ذلك كله . فقد عمل الشيخ إماماً لمسجد (مادما) جنوب نابلس ، و بعد ذلك في (الباذان) ، ثم انتقل ليعمل مدرساً في المدرسة الإسلامية الثانوية بنابلس ، و قد أكسبه ذلك أستاذية في التربية في هذه المدينة التي اعتبرت معقلاً حصيناً للإسلاميين .

كان الشهيد المجاهد واحداً من المتحمسين للعمل الوطني ، و له في ذلك تاريخ مشرف بدأه منذ نعومة أظافره قبل أن تتبلور لديه فكرة واضحة للتصوّر الإسلامي للفكر الجهادي المقاوم ، فقد دفع ضريبة ولاء مبكرة ؛ إذ قضى تسعة شهور كاملة في غياهب السجون قبل أن يصل من العمر سن العشرين ، و كان ذلك إثر عمليات رشق بالحجارة لدوريات الاحتلال .

هذه الصحوة النضالية المبكرة بدأت تتشكّل في حالة فكرية منهجية يصبح الشيخ من خلالها واحداً من المجاهدين الأشداء الذين نذَروا حياتهم لله ثم الوطن في منهجهم و اتصل ليلهم بالنهار و بات ديدنهم حب التضحية و الفداء فلم تغفل عنهم يد المحتل ؛ فكانت الاعتقالات و التصفيات و الإبعاد و المطاردة و منع السفر سجلاً ظلامياً شاملاً .

كان جمال سليم مدرسة وطن واعية و ملحمة عز جامعة ، و ساحة مجدٍ لا ينضب لها معين ؛ و ساحة من الفكر النيّر و العلم النافع ، و لن نستطيع تجاوز الجانب الفكري في تاريخه الخالد ؛ لأننا سنتحدّث آنذاك عن مدرسة فكرية فريدة مثّلت الوسطية و الانضباط ؛ تلمح فيها معالم الفهم العميق و الإدراك الواعي و الخطاب المتّزن و الواقعية الإسلامية ، و لقد تجلّى ذلك في تصريحات الشيخ و خطبه و كتاباته بل في تصرفاته اليومية العابرة ؛ يذكر أن الشيخ خطب المسلمين في مسجد بلاطة بنابلس و ما إن انتهى من صلاته حتى قدِم إليه رجل يحاججه مفترضاً أنّ الشيخ قد خالف من سبقه في صلاة رُكعتي ما قبل الخطبة ، سائلاً عن الصحيح منهما فما كان من الشيخ إلاّ أن أعدّ جواباً عملياً قدّمه في جمعتين متتاليتين صلى في أحدهما و جلس في الثانية ؛ مبيّناً أنّ الأمر من النوافل و فيه بابٌ للاختلاف المشروع و لن يشكلّ الاختلاف فيه خوارق فقهية لأنّ الأصول متفق عليها و لا ضرر في فعلٍ لا ينسف أصلاً إذا كان له سند يؤازره .

هذه المنهجية الوسطية انسحبت على مجالات فكرية كثيرة ، كان الشيخ من خلالها يترجِم معالم المدرسة الدعوية إلى عالم فكريّ متجدّد وفق قاعدة معروفة في أدب الاختلاف "نجتمع على ما اتفقنا عليه و يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه" ؛ و من هنا فقد رُشِّح مندوباً عن لجنة الحوار في الحركة الإسلامية بين الفصائل الفلسطينية في مصر .

و قد تنوّعت اهتماماته الفكرية لتشمل الديني و السياسي و الأدبي ؛ و يتّضح ذلك من خلال كتاباته و خطبه و محاضراته ؛ فله في الفقه أحكام الشهيد في الإسلام ، و له في الرقائق مذكّرة في التربية الروحية و هي مجموعة من الأفكار و الخواطر التي تناولت المنهج التربوي في بناء الفرد المسلم . و في الأدب قرأت له مذكرة من عدة صفحات حول الأدب الإسلامي و مفهوم الجمال عند الإسلاميين . و قد رأيت فيما كتب حسن إدراك و قوة فهم و موضوعية في النقل و التصور . و كلامه في السياسة كثير و فعله السياسي أكثر غير أنني سأكتفي بنقل خطبة من خطبه حول الوطنية علّها ترسم بعض معالم الفكر السياسي في تجربته الحركية .

"افتُتن الناس بدعوى الوطنية تارة و القومية تارةً أخرى ، و خاصة في بلادنا ، و انطلقت ألسنة الزعماء و سالت أنهار الصحف و كتب الكاتبون و خطب الخطباء و هتف الهاتفون باسم الوطنية و جلال القومية . حسنٌ ذلك و جميل ، و لكن غير الحسن و غير الجميل أنّك حين تحاول أن تُفهِم أحدهم بأنّ ذلك في الإسلام أوفى و أزكى مما هو في أفواه الغربيين و تلامذتهم الذين فُتِنوا بهم و بأفكارهم الغربية ، و أخذوا يقلّدونهم تقليداً أعمى دون أن يفكّروا بعقولهم أو يزِنوها بميزان الإسلام العظيم الذي فيه سعادة الدنيا و الآخرة .

إننا نحب أن نقول لهؤلاء الناس : إن كنتم تريدون بالوطنية حبّ الأرض و الحنين إليها ؛ فذلك أمرٌ مركوز في الإسلام ، و لنا البرهنةُ على حقيقة ذلك مما ذكر عن النبي – صلى الله عليه و سلم – و فريق من أصحابه ، من عظيم شوقهم لوطنهم مكة ؛ فقد جاء في سيرة ابن هشام عن بلال و هو في المدينة قوله :

 

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة    بوادٍ و حـولي أذخر و جليل

و هل أَردنّ يومــاً مياه مجنة    و هل يبدون في شامه و طفيل

 

قالت عائشة – رضي الله عنها - : ذكرت ذلك لرسول الله – صلى الله عليه و سلم - ما سمعت منهم ، فقال :  (اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة ، و بارك لنا في مدّها و صاعها) .

ما أعظم موقف الحبيب المصطفى عندما خرج من مكة و وقف على ربوعها حزيناً قائلاً : (و الله إنّك أحبُ بقاع الأرض إلى الله ، و لولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت) .

و إن كان يراد بالوطنية أنّ من الواجب العمل بكلّ جهد لتحرير البلاد من الغاصبين و تحقيق استقلالها و غرس مبادئ العزة و الحرية في النفوس ؛ فإنّ ذلك فريضة من فرائض ديننا العظيم و واجب من واجباته ، فقد شدّد الإسلام على ذلك أبلغ التشديد ؛ فقال تعالى (و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين) ..

و قد حثّ الإسلام على الجهاد في عشرات الآيات ، و ربّى الإسلام أتباعه على رفض الذل و الاستبداد ، و استثار هممهم في الدفاع عن  الديار ، فقال لهم : (انفروا خفافاً و ثقالاً و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم ؛ في سبيل الله) ، و قال أيضاً : (و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله) ..

هذا هو جمال سليم القائد في فكره و أخلاقه ، ذهب بعد أن أدّى رسالة ربّه على أحسن وجه نحسبه كذلك و لا نزكي على الله أحداً ؛ فطبت حياً و ميتاً ، و نعمَت نفسك بصحبة الأطهار في جنة خلد و سلام إلهٍ عليكَ و رحمته و بركاته .

 

المفكر القائد جمال منصور

 

عندما بدأتُ في كتابة هذا الفصل لفّني شيءٌ من التردّد و داعبتني حيرة مقلقة ، و ظللتُ أياماً عديدة بين أخذٍ و ردّ ، عمّن سأكتب و من سأدع ؟ .

كنت أعلم أنّ شلال الدماء المتدفّق سيفتح صفحات عديدة لعمالقة عظام ؛ سيخطفهم الموت ، و تنال منهم يدُ الغدر و الخيانة ، ثم وقع رأيي على أن أتناول القادة الشهداء من رموز الفكر و المقاومة ؛ ممن كان لهم دور بارز في سياسة الحركة ، فكان طبعاً من ضمنهم القائد الفذ جمال منصور .

عرفته عظيماً عبقرياً ، و أحسبُ أنّ صوراً عابرةً من تاريخه الطفولي الوادع عبر ساحات المخيم الضيقة ، أقصر من أن تمرّ من هذا الجدار الشاهق في مخيلتي . و على الرغم من توفّر معلومات كافية تسمح لكاتب السيرة أن يندرج في العملية الكتابية متناولاً أطوار الحياة مع إظهار بعض الدقائق التي تشهد لكاتبها بقدرته و إحاطته بالموضوع ، إلاّ أن ذلك لن يوفّر لي دلالات مقنعة لتناول أطوار هذه الشخصية من خلال الإطار الفني المنظّم ؛ بل لعلّي أكاد أغامر بأن أحوّل تلك اللحظات الهاربة من مخيلتي المطاردة بشبح الحب المشبع بالإعجاب و الحسرة و التفاخر معاً ، إلى لوحة خالدة شامخة تنطق بمشهد الحق الماثل لكي تبقى أفكاره و خيالاته تطارد ذلك الغرّ الذي لم يستوعب هذه الأسطورة الطيبة الخلوقة .

جاءت تلك اللحظة القدرية الأليمة ، و سرقت بضع ثواني من تاريخ جبلٍ أشم لتؤكّد حقيقة ربانية خالدة (و هو أقرب إليه من حبل الوريد) ، لحظة تأمّل ساخرة داعبت هواجسي و شعرتُ بشيءٍ من التوجس و الخيفة بعد سماع دويّ مرعبٍ لصاروخ يضرب وسط المدينة . و فجأة تساءلت : من المستهدف هذه المرة ؟ ، و ما كان لخلدي أن يستوعب فظاعة الحدث ، هبطنا من أعالي الجبال لتصعقنا فظائع الأخبار؛ استشهد ستة من كوادر الحركة ، على رأسهم جمال منصور و جمال سليم ، و لم أستطع أن أحتمِل قساوة ما سمعت و بدأت أفكّر في الآية القرآنية (و ما محمدٌ إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل) ، حينها شعرت فقط بقيمة القادة ، بيد أنّني ظللت متوسياً بالآية السابقة و ما كفّني عن ذرف الدموع إلاّ مقولة احتسبتها كافية ، و هي (لا حول و لا قوة إلا بالله ، حسبنا الله و نعم الوكيل) .

نعم ، لقد كانت لحظة التأمل و المراجعة الذهنية آنذاك تزاحم كلّ تصوّر ذهني ورد على الذاكرة الممتدة ، و لا أستطيع أن أذكر أنّ مساحة ذهنية واسعة بقيت تحتفظ لزمن ليس بالمتواضع بالاسم و الهيأة ، و بعض الذكريات القليلة التي قلّصتها فترات التغييب الجبري في السجون و المعتقلات ؛ أخذ يفاجئني الاسم الرباعي و يدعوني للتأمل عبر كل اللحظات الهادئة نسبياً في سجل التدحرج المريع ، و شعرت بأنّ شيئاً من الفروض الرافدة عليّ قد حطّت ركابها في ساحة التأمل ، مما شكّل بالنسبة لي ما يمكن أن نسمّيه حق التعويض للذاكرة التي كانت مشغولة بغيرة ، ثم أدركت بعد فوات الأوان قيمة المفقود ؛ و كأنّ لسان حالي يقول :

ألا ليت الزمان يعود يوماً      فأهنأ باللقــاء مع الجمـال

و أنهل من منابعه كثـيراً      و خيرُ النبــع من سفح الجبال

فأوّاه من لحيظاتٍ رمتـنا     بعيدك بالكــرى طول الليالي

أيهنأ شأني يا عـز روحي     بـفقد المجــد بعدك و العوالي

ألا إني أراك اليوم نجمـاً      سطوعك في الجنوب و في الشمالِ

فطب في عـالم الفردوس    نفسـاً ، أمير القوم يا علم الرجالِ

كنت أدرك يا جمال ، أنه لا علم لك بحجم المساحة المعدة لهذه الجانب الإعجابي بك قائداً و مفكراً و أخاً .

رحلت يا جمال ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ؛ فهنيئاً لك هذا الرحيل المشرّف ، و سعدت بصحبة الأطهار من الأنبياء و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقاً .

و مع أن فترة الطفولة المبكرة لم تحظَ بمعالم فارقة تسمح بالتسطير المُملِ ، إلاّ أن إزاحة نسبية باتجاه المستقبل القريب ستدخلنا إلى عالم الإبداع الخلاب في هذه الشخصية الفريدة ؛ فبعيد المرحلة الثانوية و مع أول يومٍ جامعي بدأت خيوط المجد ترسُم أردان الثوب الجديد للقائد الواعد .

و هناك بين السفح و الذروة لجبل (جرزيم) كانت النجاح الوطنية الثورية في هدوء تستقبل هذا القادم الجديد ؛ و يتربّع الطالب على مقعدٍ متواضع من مقاعد الدراسة المعدة للمئات من الطلبة ؛ بيد أنّ بداية الإبداع في عملية البناء القيادية المنشودة قد بدأت ترسم معالم فجر جديد .

بدأت هذه الولادة بين الوسط الطلابي الصاخب ؛ و الوسط الطلابي كما فهمه القائد المفكّر ؛ يشكّل ركيزة أساسية في التوجّه و العطاء و التعامل السياسي ، و معالجة القضايا العامة و التصدّي لمشاكل المجتمع ، و مشاكل الشباب على وجه التحديد ، و كل ذلك جزء مهم من العمل السياسي الفاعل ؛ إذا صلح قطاع الطلاب الموجّه صلح الشعب كله .

و من هنا ، فقد كانت الخطوة الريادية التي قام بها المفكّر مع ثلة من إخوانه في نهاية السبعينات ، حين بادر في تشكيل أول جسم طلابي ذا طابع إسلامي في جامعات الضفة الغربية ؛ هي اللمحة الإبداعية في عملية التصوّر الإسلامي الفاعل ، و هي الإشارة الواضحة لتقدّم الصحوة الإسلامية و نضوج الوعي السياسي و بداية التبلور للنشاط الجماعي الفاعل .

هؤلاء العمالقة المخلِصون ، بإمكاناتهم المتواضعة ؛ تحمّلوا الهمّ الأكبر من هموم الدعوة ، و رسموا الطريق الأسلم للتجربة الإسلامية الرائدة في فلسطين المحتلة ؛ و لربما كان لهذا الصمود الأسطوري الذي حقّقه هؤلاء الشباب في السياسة و الاجتماع ؛ على الرغم من قلة الزاد و تواضع التجربة العملية في ميدان السياسة و الاجتماع ؛ أقول لعلّ ذلك قد ساعد على إظهار القيمة الشرائية الباهظة لصاحب هذا الفكر ؛ فهم عند أعدائهم إرهابيّون أخطر من الدُول النووية ، و عند محبّيهم أمراء للمؤمنين ، تجِب في حقّهم الطاعة في المكره و المنشط ؛ الطاعة لمن لم يتجاوز سنَّهُ العشرين !! .

و كانت صورة الخلافة الإسلامية المفقودة قد تجلّت معالمها مع الفوج الأول من أبناء الكلية الإسلامية بشكلها الجديد و أضحى لقب أمير المؤمنين واحداً من العلامات البارزة المميزة لهذا التجمع القرآني الفريد و من بين السطور كنت تقرأ اسم الطالب المتميّز الذي استحقّ هذا اللقب بعد غياب ؛ كنت يا جمال حينها تنعم بهذه الثقة و تلك الرمزية و كانت حركتك الطلابية تخطّ في عباب البحر رحلة التحدّي و تكتب بالعرق المخلص معالم النجاح السريع للتيار الإسلامي الصاعد .

و سرعان ما مرّت فترة العطاء هذه لتتبعها أشد سخونة و أدقّ حساسية و أعمق تصوّراً ، و لعلها مرحلة الاختبار العملي من أجل التهيّؤ لما هو أوسع من العمل الطلابي ؛ فمع أواسط الثمانينات انتهى الطالب من مرحلته الجامعية الحافلة بالمجد القيادي الطلابي الناجح ، ليلتقي بعد ذلك مع انتفاضة المساجد الأولى مرحلة المدّ الجماهيري و القيادة الميدانية الفاعلة و المحن المتعاقبة و التجربة السياسية الأولى على المستوى الحركي الواسع .

التجربة القيادية ليست فلسفة فخرية تخضع للعدد الهائل من الأوسمة الفخرية في سراديب مغلقة إلاّ على أصحاب المسالك المشبوهة و الارتباطات المشوهة ؛ بل هي عملية إبداعية عَلوية ؛ يصدق فيها الشاعر :

بصرت بالراحة الكبرى فلم ترَها    تنال إلاّ على جسر من التعب

و هناك بين أقبية التحقيق و زنازين الشبح و عصافير الغرف عبر ستّ عشرة مرة اعتقل فيها الشهيد كانت الشخصية القيادية تبني بناءاً فريداً ينسجم مع النمطية القيادية لأصحاب المنهج الربّاني الفريد .

و عندما نفتح ملف الاعتقال المتكرّر لجمال منصور ؛ سواء أكان ذلك في سجون الاحتلال أم في سجون السلطة الفلسطينية ؛ فإنّ ذلك يعني فتح ملفات عديدة بل لعلّنا سندلف إلى متحف الإبداع السياسي عبر شخصيات الفكر الإسلامي الفريدة ؛ حيث بركان التحدّي الهادر و أمواج الصمود الأسطوري الرائع في التجربة السياسية الحكيمة و الثبات الفكري و الوعي الأمني و الصفاء الروحي ؛ كلّ ذلك رغم عتمة الليل و ضيق السعة و سوء الأحوال و مرارة العيش و كثرة الظلم و سوداوية الأفق المتاح إن وجد ، كيف لا و الاعتقالات الإدارية المتكررة لم تدعْ للمفكّر لحظة واحدة ليتنفس هواء التحرّر .

كان جمال منصور يؤمِن بفلسفة ثابتة شكّلت عموداً فقرياً للتصوّر السياسي الذي عمِل الشهيد من خلاله ؛ ذلك أنّه يعتبر نفسه حيثما وجد صاحب قضية ينبغي أن يعمل من أجلها بحسب الظرف المتاح و لا مجال للاستنكاف أو التعذّر بالعوائق مهما كانت طبائعها ؛ فإن كان في (حافلة) فإنّ رسالة تستوعبها المسافة الزمنية المخصّصة للسفر ستفرِض نوعية العمل السياسي المطلوب من خلال برنامجه الدعوي الشامل ، و كذا في المتجر أو مكان العمل بما يسمح الظرف المتاح ضمن الحكمة الراشدة ، و من هنا فإنّ فترة الاعتقال شكّلت نمطية فريدة للأسلوب الدعوي ؛ ففي السجن كانت مسألة العلاقة بين الفصائل الوطنية ، و خصوصاً تلك التي كانت ترى في الحركة الإسلامية جسماً خارجاً عن نطاق النّسيج الوطني ، و من نحو آخر فإنّ رؤية الشباب الإسلامي لكلّ ما هو غير إسلامي رؤية تشوبها الشكوك و المخاوف . و لعلّ من أهم الإنجازات الحكيمة التي نجح القائد في إحرازها توقيع أول اتفاق –في السجون – بين الحركة الإسلامية و الفصائل الوطنية الأخرى بعد سنة واحدة من أول اعتقالٍ له في الانتفاضة الأولى ؛ و قضى الاتفاق في حينه أن هناك أرضية واحدة للعمل السياسي على الساحة الفلسطينية ؛ ذلك أنه لن يستطيع تنظيم من التنظيمات أن ينفرد بالساحة الفلسطينية دون غيره ، و قد كان الشهيد أول الموقّعين على هذه الوثيقة الداعية إلى وحدة وطنية ، بل و أضحى أبرز الفاعلين في تكريس مبادئها من خلال ترجمته العملية على الخصام الفكري و التسامح مع الذين سجنوه و آذوه لاحقاً من أبناء السلطة المحسوبين على تيارات وطنية معروفة .

كانت فلسفته العقلية في إطار الحوار و المناقشة و الالتقاء المشترك تؤمِن بأنّ الإنسان الذي لا يملك حرية و إرادة ؛ فذلك عبدٌ حتى و إن كان في إطار تنظيم سياسي . و قد ساعد هذا التصوّر في بناء شخصية فريدة حظيت بقبول واسع لدى القيادة العريضة للحركة الإسلامية ، و لدى الأوساط السياسية العاملة في الساحة الفلسطينية .

هذا التصوّر الفكريّ المتفتّح لم يكن في يومس من الأيام على حساب الثوابت العقدية أو الوطنية ، بل إن القاعدة الراسخة التي تشكّل بوصلة التوجّه الفكريّ و السياسي في حياته هو الإسلام لا غير ، فلا مساومة مع العقيدة ، و لا اجتهاد مع النصّ ، يقول الشهيد : "لقد عانت أمّتنا أشد المعاناة و أصابها العنت و البلاء حين راحت تجرّب على نفسها كلّ المناهج و الأيديولوجيات و السياسات التي لا تنسجم مع تكوينها الفكريّ و يتصادم مع فطرتها ؛ حيث استوردت كلّ ما هو دخيل و فرضته على نفسها ، باحثة عن السعادة و التقدّم و الرفاهية ، و هي بذلك لم تجنِ إلاّ الثمار المرة ، و النتائج المدمّرة لمقوّماتها و هويّتها و عزتها و كرامتها ، و حاق بها الفشل في كلّ مجال" ... كان يدرِك أن البديل هو إسلام كلّيٌ غير متجزّئ ، و في هذا يقول الشهيد : "الإسلام الذي هو الحل لا يكون حلاً إلاّ إذا أخذ متكاملاً ؛ أي طبّق في مناحي الحياة كلّها ، غير أن استعماله كدواءٍ موضعيّ لحالات محدّدة يجعله مشوّهاً ناقصاً مبتوراً لا يكون فعالاً ، فالإسلام يشكّل منظومة من القيم و الشرائع و الشعائر تتشابك لتشكّل نسيجاً متيناً و أرضية صلبة ، يقيم مجتمعاً فيه الحل لكل معضلة و المخرج من كل مأزق و جواب لكل سؤال ، يتكامل فيه الفرد مع المجموعة و الدولة مع الشعب و الملكية الخاصة مع العامة و الغني مع الفقير .

هذا التصوّر المبدئي الثابت حول الممكن و المستحيل في المقاربات الفكرية ؛ اتضّح أيضاً في المواقف الشخصية التي مثّلت انفرادية ملموسة في هذا الجانب ؛ فقد حدث أن الرئيس ياسر عرفات طلب مقابلة جمال منصور في سجنه ، فردّ جمال معتذراً مالم يتحقّق شرط أساسي ضامن لهذه المقابلة ، و لم يكن ذلك الشرط سوى حريته ، قال : "لا يمكن أن أقابل أحداً و أنا لا أملك حريتي و مسجوناً دون وجه حق" ، و في صبيحة اليوم التالي جاء الرئيس عرفات إليه في زنزانته و رافقه إلى صلاة الجمعة و أطلق سراحه .

هذه النباهة الفطرية و عبقرية الأخذ و الرد و الإقليمية مع الممكن و المحذور في ازدواجية خطرة كاللعب على حدّ السكين لم يحظَ بها كثيرون من قادة العمل الإسلامي ؛ و لئن كانت الأمثلة القليلة السابقة قد تناولت مرحلة الاعتقال في حياة الشهيد ؛ فإنّ الحديث عن مراحل أخرى كالإبعاد و ما بعد الانتفاضة الثانية سيفتح ملفات جديدة في نباهة الوعي السياسي ، و عبقرية الإدارة الموفّقة للأزمات الساخنة العصيّة ؛ يذكر الشيخ مصطفى شاور بعض مناقب الشهيد في قصة الإبعاد ، فيقول : "لقد كان قائداً بالفطرة ، فعندما أُبعِد المجاهدون إلى مرج الزهور ، و كان ذلك صبيحة أول يوم في الإبعاد ، و قبل أن يتكامَل طلوع قرص الشمس طلب الاحتلال من المبعدين أن ينزِلوا عن ظهور الشاحنات عند معبر (زمريّا) في الجنوب اللبناني ، و أخذ الجنود الصهاينة بإطلاق النار ، فإذا بالشهيد جمال بفطرته القيادية يقف مواجهاً 413 مبعداً ؛ طالباً منهم الانتظام في مجموعات متساوية لتتمّ أول عملية إحصاء للمبعدين ، و تشكيل لجنة لإدارة شؤونهم" .

لقد كان جمال راحلة من رواحل الحركة الإسلامية ضنَت به مدرسة الإبداع القيادي فصنعته على عينها و حفيَ برعايتها . كان جمال سياسياً لبقاً و اجتماعياً موفّقاً و مفكراً ملهماً ، إلاّ أنّ ذلك لم يصرفه عن مقارع الفرسان و مطاعن العظماء مع المجاهدين الأوفياء ؛ فعلى الرغم من حساسية موقعه و ظروف مسيرته إلاّ أنّ عالم الشهادة و الشهداء ظلّ حلمه المنشود و غايته الموعودة و أمنيته المشتهاة .

و كانت غبطة الاستشهاديين و حُب طريقهم ، دَيدنَ حديثه و مجال تفكيره ، يقول الشهيد في إحدى مقابلاته : "علاقتي مع الاستشهاديين علاقة البعض من الكل ؛ إذ كُنت أحسّ أن أمنياتي في الحياة الدنيا كهؤلاء الشباب ؛ لعلّ نوعاً من الغبطة لا الحسد كان يشكّل جُزءاً من هذه العلاقة المتشابكة" .

و لعله من الضرورة هنا أن نشير إلى صعوبة تصوّر العلاقة بين السياسي المحكوم بظرف استثنائي ، و العسكري المطارد مطاردة تامة تحول دون لقائه مع أقرب الأقربين ؛ لكن ذلك يحول دون كشف بعض الحقائق الخفية في عالم الشعور و الأماني ؛ فالإبداع الفلسطيني في نظر الشهيد جمال منصور يكمُن في أشكال النضال و التحدّي للاحتلال ، و قد وصل هذا الإبداع إلى أعلى ذروة له ، عندما بدأ الإنسان يقدّم نفسه رخيصةً في سبيل الله لما يعتبره أكثر أهميةً منه و هو الوطن .

و هؤلاء المبدِعون – في نظر الأستاذ الشهيد جمال منصور – عندهم نظرية متداولة ، فنحن شعب ضعيف في إمكانياته و الاحتلال قويّ بما أتيح له ، لكن لهذه القوة نقطة ضعف ، و نحن ضعفاء و لضعفنا نقاط قوة ، و نقطة قوّتنا تلتقي مع نقطة ضعفهم ؛ نحن أحرص الناس على الموت فداءً للوطن ، و هم أحرص الناس على الحياة هروباً من الموت ، و لعلنا قد حقّقنا سبقاً في هذا المجال ؛ فالطالب الجامعي في سنة تخرّجه حين تراوده أشواق الشهادة فيخرج من الدنيا بشهادة لا مثيل لها هو طالب يفهم معنى التضحية و الفداء .

كان الشهيد من أولئك القلائل الذين يدرسون المستقبل على ضوء التصوّرات الحكيمة الملهمة ، غير عابئين بما يحمله الواقع السياسي من إفرازات عفنة ، بل قدرة إبداعية ملهمة فريدة على قراءة ما وراء الحدث ضمن معالم السنن و الثوابت ، و من هنا فقد كان دائم التفاؤل بقرب النصر و زوال الغم .

لطالما اعتقد بأنّ المستقبل القريب سيفتح آفاقاً رحيبة للعمل الإسلامي ؛ تصبح الحركة الإسلامية حينها مدعوّة لتحمّل العبء الأكبر من الهموم السياسية العالمية المنوطة بالعالمين العربي و الإسلامي ؛ لأنها المرشّح الوحيد المؤهل لوراثة القيادية الجديدة للقضية الفلسطينية بعد سقوط المشروع السلمي و انهياره .

و لقد سمعت من فمه شيئاً من الحكايات الطريفة التي تدلّ على بعد النظر و دقة الفهم ، و من ذلك قوله في بداية الانتفاضة : "أذكر أنني كنت في بداية الانتفاضة الأولى أرقب تنامي الخط الإسلامي ، و كانت المشكلة عندها كيف لنا أن نزجّ بأبناء الحركة الإسلامية في المقاومة و العسكرة قبل إكمال الجانب التربوي و البناء الهيكلي ؛ حيث قلة الزاد و العتاد ، و ماذا لو زجّ بهم في السجون و خلت الساحة من الإسلاميين ؟ ، و انتهى الجدل بأن أصرّ بعض الشباب المتحمسين ولوج نار الملحمة ؛ و كانت النتيجة السريعة أن زُجّ بهؤلاء في السجون ؛ لكن لفترة قصيرة لم تتجاوز الأسابيع ، بيدَ أن العجيب - علّ غيّر رأي المتخوّفين - أن المدّ الإسلامي بدأ يأخذ في تمدّده حتى بلغ مبلغاً لم تعد الحركة قادرة عل استيعاب المتدفقين الجدد" .

كان جمال يدرِك أن ذهاب القادة لن يدع حداً لتمدّد الصوت الإسلامي و انتشاره ؛ لأن اغتيال القادة - كما كان يؤكّد دائماً - سيبرز أناساً آخرين تأخذ الراية و تستكمل الدرب ؛ فذهاب صلاح دروزة زرع في كلّ القلوب حسرة و جمرة ، لكنه في الوقت نفسه رفع فوق رؤوسهم راية و في داخلهم شعلة . و حول التجربة التفاوضية و خيارات الحل السلمي فإن للشهيد رأياً نلخّصه فيما يلي :

كان جمال يعتقد أن التوجّسات الإسلامية حول المشروع السلمي تنبع من تجارب كان لها ثقلها على الساحة الفلسطينية ؛ ذلك أن الإسلاميين يرون أن إفرازات أوسلو و ما تبعها من تفاهمات أمنية شكّلت فجوة حقيقية بين أنصار السلام المزعوم و أصحاب المشروع المقاوم ، و أنّ هؤلاء الأخيرين لا يمكن لهم أن يثقوا بسجّانيهم و متتبعي آثارهم لصالح العدو الغاصب . بيدَ أن نظرة ثاقبة من صاحب الرؤية السوية تتجاوز الرد الفعلي لتصوغ رؤية موفّقة ؛ حيث يرى المفكّر أن ذلك التوجّس قد يحتاج إلى شيء من التأمل للنظر فيما هو أبعد منه ، و إنما كان ذلك لعلَلٍ تستحق الوقوف عليها و هي كما يراها المفكّر :

1/ أن مرحلة أوسلو قد ولّت إلى غير رجعة ، و دفنت في أرضٍ لا خلاق لها ؛ و من هنا فإنّ حركة المدّ المقاوم ماضية بإذن الله ، و لا مجال للعودة ثانية إلى مربعات الخداع المضلِّل .

2/ أصحاب المشروع السلميّ لا يمكن وصفهم بالخيانة (رغم وجود علامات استفهام على بعض منهم) ، بل هم في نظر الشهيد المفكّر أصحاب مشروعٍ خاطئ ، و لا شك بأنّ قطاعاً واسعاً منهم أدرك مواطن خطئه ؛ و هؤلاء أخوة للإسلاميين و لا يصحّ أن يُجعًل منهم أعداء للحركة الإسلامية . لأن هؤلاء سيعودون لمربع الحركة الإسلامية عاجلاً أم آجلاً . و هو يرى أن الحركة الإسلامية ليست كباقي الحركات ؛ فهي الأم الحنون التي تحتضن أولادها حتى و إن ناصبوها العداء و المخاصمة ؛ و من هنا فإن واجب الحركة الإسلامية أن تنتهج سياسة التوريط الإيجابي في العمل المقاوم ، و تدفع بالتوجّهات الفكرية نحو مربع المقاومة و الجهاد . و من هنا فإنّ السعي الجاد تقرّب وجهات النظر و بناء الأسس الداعمة للوحدة الوطنية على أرضية المقاومة و طرد الاحتلال ، جانب مهم من متطلبات الحركة العاقلة .

و قد عمِل المفكّر بنفسه على ترجمة ذلك إلى واقعٍ حواري في سبيل الاستقطاب المدروس ؛ حيث كان يقول: "علينا أن نعمَل على تضييق الخلافات و تذويب الاحتقانات و عزلها عزلاً يمكّن هذه الأمة من التماسك في وجه الطاغوت الصهيوني المتغطرس" ؛ و في معتقل (الجنيد) التابع للسلطة كان الشهيد يرى أن ثمة ضرورة ملحة في الواجب الدعوي أن يدرِك ذلك السجان الفلسطيني الذي يعتقله أنهما في صف واحدٍ لعدو لا يفرّق بينهما ، و كان الشهيد يشعُر بنوع من الشفقة تجاه هذا السجان ، و كأنه رجل مريض نفرَ من طبيبه ؛ مما اقتضى رعاية خاصة ، و لعلّ هذه النظرة المثالية في السماحة الأرجوانية قد لقيَت ثمارها ، فكم بكاهُ السجّانون بعد موته و نعتوه بأجمل النعوت .

 

استشهاد الجمالين

 

لم يكن حادث الاغتيال الرهيب وسط مدينة نابلس الشموخ في 31/7/2001 ، بالحادث الفريد و الوحيد و قد يكون حادثاً استثنائياً ضمن قراءات التجربة السياسية الإسلامية ؛ بيدَ أنه واحداً من دلالات الهمجية المتجذّرة في الفكر الصهيوني المتوحش ؛ لعلّ في اغتيال الجمالين و من قبلهما القائد السياسي صلاح دروزة ، ما يدلّل على ضرورة التمعّن في طبيعة التعاطي مع عدوٍّ من هذا النوع ، بل لعلّي أكاد أصدر هذا الموضوع ببعض الانتقاد التي لربما كانت الحركة قد أخفقت في تحديد مدى البعد القياسي في معركة الممكن و المستحيل .

نعم ، ليس غريباً أن تصعَق أوساط عديدة بفاجعة الاغتيال ، و إن بدا أن شيئاً من التوقّع قد صاحب الجوّ البشع الذي نفّذت فيه هذه العملية ، غير أنني أزعم أن نوعاً من الاستثنائية قد رافق هذا المشهد البشع الذي لم يكن سابقة في هذا الكيان المجرم ؛ فتاريخ المنظمة الصهيونية حافل بالغدر و الإجرام منذ كنفاني و عدوان و السرطاوي و أبي جهاد ؛ إلا أنني ما زلت أزعُم أن استهداف ثلاثة من قادة الجناح السياسي لحماس في زمن متقارب يطرح على طاولة التدارس معالم بحث مميز خصوصاً أنّ الحركة الإسلامية ، التي شكّلت رأس الحربة في تاريخ الصراع المعاصر ، من هنا فإن قراءة الحدث قد يفرِض بعض التصوّرات الجديدة التي تضاف إلى القاموس الأسود ؛ و لتوضيح ذلك أتناول الآتي في نقاط ثلاثة :

1/ أن التحوّل النوعي في سياسة الاستهداف التي بدأت تطال العقول السياسية و الفكرية علاوةً على نشطاء العمل العسكري يمثّل فشلاً ذريعاً في الخطوات الأمنية الرامية إلى إيقاف الانتفاضة المشتعلة ؛ و من هنا فإننا نرى في استهداف القادة السياسيين في حركة المقاومة الإسلامية – حماس - محاولة لاستئصال العقل المدبّر للفكر المقاوم ، يذكر المراسل العسكري الصهيوني تعليقاً على حادث الاغتيال ، فيقول : "الحكومة (الإسرائيلية) و بعد تشاور مع كلٍّ من هيئة أركان الجيش و قيادة المخابرات قرّرت العمل ضد القيادة السياسية لحركة المقاومة الإسلامية" ، أما الجنرال داني روتشلد فيؤكّد أن القرار تمّ على الرغم من عدم توفّر معلومات بعلاقة الجمالين بالعمل العسكري ؛ لذا فالاستهداف الموجّهُ للقادة السياسيين مقصودٌ لذاته .

2/ قطع الطريق أمام أيّ عملٍ جاد من شأنه أن يؤسّس لوحدة وطنية تهدّد الانفراد السلطوي بالتوجيهات السلميّة ؛ لعل الجانب الصهيوني ينظر إلى الدور السياسي الذي يمكِن أن تلعبه قوى المعارضة في حال انتعاش العملية السلمية ؛ و في هذا يرى (بيريز) أن اغتيال قيادات حماس ضروري من أجل خلق مناخٍ مناسب لاستئناف المفاوضات .

3/ إحداث فجوة في صفوف الشباب المتحمّس المحتاج إلى صاعقٍ متفجرٍّ و شاحذٍ يدفع النفوس تجاه التضحية ؛ و هذا كان ملموساً بوضوح في شخصية الجمالين .

إلا أننا نقول إن الأمنيات الصهيونية لم تؤتِ ثمارها لأنّ حركة عقائدية واسعة بعيدة العمق كثيرة التجارب لا تعتمد على قائد أو اثنين ، و من هنا فإن تواصل العمل الجهادي رغم المحن و الجراحات يدلّل على جذور حماس المتجذّرة في الأرض و المتشعبة في الشعب الفلسطيني ، و ينفي فرضية الكيان الصهيوني بالقضاء على هذه الحركة الأصيلة .