بسم الله
الرحمن الرحيم
رسالة إلى الكتل الطلابية في الجامعات
الفلسطينية
بمناسبة الذكرى الخامسة عشر
لانطلاقة
حركة المقاومة الإسلامية (حماس)
10شوال 1423
هـ
14/12/2002م
إلى الإخوة والأخوات ..
طلاب وطالبات الكتل الطلابية في الجامعات
الفلسطينية كافة ..
السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته وكل عام وأنتم بخير وبعد،
فذكرى
تأسيس أو انطلاقة أي فصيل في الساحة الفلسطينية هي ذكرى عامة تعني
شعبنا جميعاً، إلى جانب ما تعنيه لكل فصيل بصفة خاصة، ذلك أن أي
فصيل وطني أو إسلامي هو جزء هام وأساسي وأصيل من شعبنا وروحه
الوطنية ومسيرته النضالية وحياته السياسية، والتي تتشكل في حقيقتها
من مشاركة الجميع وجهود الجميع وتضحيات الجميع، وهذا يشمل الفصائل
والقوى والشخصيات والرموز وعامة أبناء هذا الشعب العظيم المسكون
بالبطولة والفداء وبالتحدي والإبداع.
ومن هنا نتوجه
إليكم بهذه الرسالة في ظل هذه المناسبة..
وكم نشعر
بالغبطة والاعتزاز ونحن نتوجه بالخطاب لكم يا أعزاءنا على وجه
التحديد، فالكتل الطلابية وشريحة الطلبة في أي شعب جديرة بالتخصيص
والاهتمام والتقدير، فكيف في الحالة الفلسطينية حيث ارتبطت
بالمفردات الأثيرة إلى شعبنا..الوطن والوطنية، المقاومة، الثورة،
النضال، الجهاد والاستشهاد، الانتفاضة، الكفاح المسلح.. الخ، وقدمت
سجلاً عظيماً مشرفاً من التضحيات والبطولة والمبادرة والإقدام،
وقافلة لا تنتهي من المجاهدين والمناضلين، ومن ثم من الشهداء
والاستشهاديين ومن الجرحى والأسرى والمعتقلين. وقد تحوّل الطلبة
وأبناء وبنات الكتل الطلابية ورموزها وقادتها من مختلف الاتجاهات
إلى الجسم الأكبر للفصائل، أو على الأقل إلى الجسم الأقدر على تحمل
تبعات الانتفاضة والمقاومة وعمليات المواجهة الشرسة ضد الاحتلال،
يُسخّرون من أجلها طاقتهم وجهدهم وعلمهم وإبداعهم. بل لا نبالغ إذا
قلنا إن مراحل تأسيس الفصائل والقوى وبذورها الأولى ارتبطت في
الغالب بالطلبة والحياة الطلابية وبالجامعات والثانويات والكتل
الطلابية، فكثير من الفصائل والعديد من المشاريع الكبيرة ومبادرات
العمل الوطني النضالي نشأت في أحضان الجامعات والحياة الطلابية،
حيث الطاقة الشابة المتوقدة، والروح المتوثبة، والشجاعة والإقدام،
والعقل المبدع المتفتح على العلم والحياة، والتعبير الجريء عن
الذات عبر نكران الذات والانحياز إلى الوطن والشعب والأمة، وإلى
المبادئ والمقدسات.
فحياكم الله
أيها الأبطال الأعزّاء، وأنتم تحتلون في نفوسنا ونفوس شعبكم وأمتكم
جميعاً مكانة أثيرة، ومكانتكم عند الله تعالى أجلّ وأعظم بإذن
الله.
فإلى
المزيد من العلم والعمل، والجهاد والنضال، والصمود والثبات، على
طريق الانتفاضة والمقاومة في عامها الثالث المبارك من جولتها
الراهنة المتجددة، التي تؤكد إصرار شعبنا على تحرير أرضه ومقدساته
ونيل حقوقه وطرد الصهاينة المحتلين بإذن الله مهما عظمت التضحيات.
وحيا الله
جامعاتكم – والتي هي جامعاتنا – على امتداد الضفة والقطاع، فهي
محاريب العلم والإيمان والمعرفة، وقلاع الثورة والمقاومة والبطولة.
وحيا الله كل من فيها .. من أساتذة وهيئة تدريسية وإدارية وفنية
وطلبة ومستخدمين .. ومن ساهم ولا يزال في بنائها والإنفاق عليها
والتبرع لها ودعمها وتشجيعها من أبناء الوطن والأمة على حد سواء ..
وحيا الله الأمهات والآباء الذين يقدمون لجامعاتنا الدم الحر
المتجدد من فلذات الأكباد ومهج الأرواح .. فهكذا نبني الوطن، وبهذا
التعاون والتكامل والروح الجماعية ندير حاضرنا ونصنع مستقبلنا،
ونحقق بإذن الله آمالنا وأهدافنا في الحرية والتحرير والعودة وبناء
دولتنا ذات السيادة الحقيقية على أرضنا..
أيها الإخوة والأخوات ..
لابد في سياق
هذه الرسالة من التطرق إلى جملة من القضايا الهامة، لا سيما في ظل
خطورة المرحلة الراهنة ودقتها المتناهية..
ثمة أصوات
تخرج علينا من هنا وهناك وبين الحين والآخر تنتقد عسكرة الانتفاضة
وتدعو إلى وقف المقاومة، أحياناً تدعو إلى وقفها جزئياً وأحياناً
تدعو إلى وقفها كلياً، وتمارس في سياق ذلك الكثير من جلد الذات
والزعم غير المبني على الحقائق بل على وقائع ملتبسة ومجتزأة، مع
تضخيم مقصود للمعاناة الفلسطينية والتقليل من خسائر عدونا وتأثيرات
الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية عليه..
ونحن – دون
أن نغفل عن أي حقيقة أو صورة من صور الواقع الصعب - نرى ونؤمن أن
الانتفاضة والمقاومة طريق مبارك وواقعي وصحيح وفاعل وموصل بإذن
الله إلى أهداف شعبنا وحقوقه، ولا نرى طريقاً آخر غيره. أما خسائر
شعبنا ومعاناته وقسوة الحصار والتجويع والقتل والاغتيال والاعتقال
وهدم البيوت وتخريب المصالح فلا نجهلها، وهي مؤلمة لنا، فمعاناة
أهلنا وشعبنا تؤرقنا جميعاً، لكنها الضريبة الطبيعية لهذا الطريق،
وهو ثمن لابد منه لتحرير الأرض واستعادة الحقوق، وهو شأن الشعوب
الحرب جميعاً عبر التاريخ، فالجزائريون قدموا مليوناً ونصف المليون
من الشهداء، والفيتناميون قدموا ضعف هذا العدد، وهل تٌحرر الأوطان
إلا عبر الدماء والعذابات ؟!!
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجةٍ يدق
وهل لو توقفت
الانتفاضة والمقاومة سوف تخف المعاناة وتتوقف الجريمة الصهيونية
بحق شعبنا؟!
وفي
المقابل لابد من أن نرى التأثير البالغ لانتفاضة شعبنا ومقاومته
على المجتمع الصهيوني في كل مناحي حياته الأمنية والاقتصادية
والاجتماعية والسياسية والحزبية، وتأثيراتها على الاستيطان والهجرة
والروح المعنوية للصهاينة، وهي حقائق معلومة يعترف بها الصهاينة
أنفسهم ولا مجال لإنكارها أو التقليل منها، مما يعكس حقيقة أن
عدونا يتألم كما نتألم وربما أكثر، رغم فارق الإمكانات القوة..
" وَلا
تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ
فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ
اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً "
وفي الوقت
الذي كانت فيه معادلة الخسائر البشرية بين الفيتناميين والأمريكان
1 : 47 ومع ذلك انتصر الفيتناميون، فإن معادلة الخسائر بيننا وبين
الصهاينة اليوم هي 1 : 3 فقط، فلماذا لا ننتصر في فلسطين؟!
إن
لانتفاضتنا ومقاومتنا إنجازات عظيمة وتأثيرات إيجابية بالغة بفضل
الله تعالى يدركها ويبصرها كل منصف وكل عاقل، وهي أوضح وأرسخ من أن
ينكرها أو يقلل من شأنها أحد، ولذلك نحن مدعوون جميعاً إلى
الاعتزاز بها والتمسك بها والإصرار عليها والمضي فيها مع العمل على
تطويرها وزيادة قوة دفعها حتى تبلغ أهدافها بإذن الله. وإن وجود
بعض من المظاهر السلبية التي برزت في ظل الانتفاضة لا تدفعنا إلى
وقفها، بل إلى معالجة تلك المظاهر والظواهر بموضوعية وتوازن
واعتدال، وهي حالة طبيعية في كل الثورات والمواجهات مع المحتلين،
والتصحيح الذاتي أولاً بأول مع الحفاظ على المسيرة الأساسية للنضال
والمقاومة هو السبيل الصحيح.
أما أننا
لا نجد طريقاً آخر غير الجهاد والمقاومة والانتفاضة، فلأنّ الطرق
الأخرى أي التسوية والمفاوضات والمساومات جُرِّبت وفشلت بشكل صارخ
بعد أن أخذت فرصتها الكافية وزيادة .. وبالتالي لا مجال لإعادة
تجربتها من جديد، مهما تغيرت عناوينها وبأي شكل أعيد إنتاجها.
ولا يوهن من
عزيمتنا وتمسكنا بخيار الانتفاضة والمقاومة أن الطريق طويل، فهذا
قدرنا، وطريق المقاومة رغم طوله أقصر من كل الطرق الأخرى، لأن
الطرق الأخرى لا توصل أبداً، بل تدخلنا في متاهاتٍ لا نهاية لها.
كما لا
يوهن من عزيمتنا وإصرارنا على طريق المقاومة وهن أمتنا وتفرقها
وضعف الموقف العربي عموماً وإسقاطه لخيار الحرب، فانتفاضتنا
ومقاومتنا أحيت أمتنا وبعثت فيها الروح من جديد، وخاصة لدى الشعوب
التي تعيش معكم بصدق وتتفاعل مع جهادكم المبارك ولا تبخل بالدعم،
وهي تتطلع بصدق للمشاركة الكاملة معكم أعباء الانتفاضة والمقاومة،
وهو يوم آتٍ لا شك فيه.
كما لا
يوهن من عزيمتنا وإيماننا بهذا الطريق المبارك شدة الهجمة
الصهيونية التي يقودها الإرهابي شارون، فهذه القسوة لا تعكس ثقة
بالنفس لديهم بل تعكس عمق المأزق الذي وضعتهم فيه انتفاضتنا
العظيمة، ولعل مبالغتهم في القسوة اليوم تشكل آخر سهامهم اليائسة،
والتي ستدفعهم حالة اليأس والعجز في نهاية المطاف إلى الانسحاب
والتراجع رغماً عنهم تحت ضربات مجاهدينا ومناضلينا وتحت تأثير
صمودنا وإصرارنا على مواصلة المقاومة والدفاع عن أرضنا وحقوقنا.
كما لا
يوهن من عزيمتنا وصمودنا الانحياز الأمريكي الظالم ودعمه اللامحدود
لأعدائنا الصهاينة، وتهديده اليوم بالعدوان على العراق واستهداف
أمتنا جميعاً، وما لذلك من تأثيرات وتداعيات خطيرة على أمتنا وعلى
قضيتنا كذلك، لأن أمريكا رغم قوتها المادية والمتفوقة لن تتمكن من
تحقيق كل ما يحلو لها، فأمتنا - رغم ضعفها – ليست قطيعاً من الغنم
أو شرذمة من البشر حتى تستسلم للنزوات الأمريكية الصهيونية، ونحن
متفائلون أن الأمة سيكون لها شأن آخر في مواجهة التحديات السافرة
كما كان لشعبنا شأن آخر في مواجهة التحدي الصهيوني.. فنحن أمة
عظيمة عميقة الجذور أصيلة الانتماء لا تقبل بالهوان، ولسوف تكون
العاقبة والنصر لها بإذن الله، ولن يكون ذلك اليوم بعيداً.
"
وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً "
أيها الأعزاء والأحبة ..
الحوار
الجاري اليوم بين فتح وحماس، والذي هو امتداد لما سبقه، ويشكل
اليوم خطوة على طريق الحوار الوطني الفلسطيني الشامل، هو خطوة في
الاتجاه الصحيح، وهو استجابة واعية لتحديات المرحلة ومقتضياتها،
ونحن مستبشرون به خيراً، ونرسل خلاله رسالة لأعدائنا وللعالم كله
أننا قادرون كفلسطينيين على بناء أنفسنا وترتيب أوضاعنا الداخلية
وصياغة حياتنا النضالية والسياسية بأنفسنا دون وسيط أو تدخل خارجي،
وأننا منحازون في كل ذلك لمصلحة شعبنا وقضيتنا، فهي المعيار لكل ما
نأتيه من خطوات. وأننا كذلك لا نقبل وصاية من أحد، ونرفض من أي طرف
أو قوة في الدنيا أن تفرض علينا قيادة تختارها أو تحددها هي، بل
نحن الذين نحدد ما نريد ونختار ما نريد ومن نريد، فشعبنا العظيم
ليس قاصراً وليس تابعاً، بل هو صاحب القرار والإرادة، في ظل
انتمائه لأمته العربية والإسلامية واعتزازه بهذا العمق العظيم.
أيها
الإخوة والأخوات في الكتل الطلابية الفلسطينية..
إن حركة
حماس التي تخاطبكم اليوم في ظل ذكرى انطلاقتها المظفرة، ستظل عند
عهدها معكم وحسن ظنكم بها، أمينة على حقوق شعبها ومصالحه، ثابتة
على طريق الجهاد والمقاومة، ملتزمة بمبادئها وأهدافها ذاتها التي
بدأت بها، حريصة على التعاون والتفاهم مع كل قوى شعبنا وفصائله
الوطنية والإسلامية المناضلة، تصوغ مع الجميع وحدة وطنية راسخة،
نتمسك بها وندافع عنها ونحميها معاً، حتى نبلغ أهداف شعبنا وحقوقه
بإذن الله.
ونحن في كل
هذا وذاك مؤمنون بربنا، ملتزمون بأمره، واثقون بنصره، لا نرجو
أحداً سواه ولا نستعين بأحد غيره، موقنون أن نصر الله آت، وأن
الفرج قريب.
"وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ"
نسأل الله
تعالى أن يبارك جهاد شعبنا وصموده، وأن يعين أبطاله ومجاهديه،
ويسدد خطاهم، وأن يرحم شهداءه وأن يجزيهم عنا خير الجزاء، وأن يفك
قيود أسراه ومعتقليه الرابضين في سجون الاحتلال، والذين يشكلون لنا
قضية مركزية تؤرقنا جميعاً، حتى نخلّصهم بإذن الله من الأسر، كما
نسأله سبحانه أن يَمُنَّ على جميع الجرحى بالعافية والشفاء العاجل،
وأن يحقق لشعبنا النصر والتحرير والعودة واستعادة القدس والمقدسات.
والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته
أخوكم
خالد مشعل
رئيس المكتب السياسي
لحركة المقاومة الإسلامية
حماس - فلسطين
|