«مهرجان الهيكل» ومخططات الجماعات المتطرفة
لتهديم الأقصى
جعفر هادي حسن
صحيفة الحياة
اللندنية 3/4/2005
من النشاطات
التي تميزت بها الأشهر الماضية في "إسرائيل" هي تلك التي قامت بها
الجماعات اليهودية المتطرفة حول بناء ما يسمى بالهيكل اليهودي الثالث
مكان المسجد الأقصى. وكان أكبر هذه النشاطات وأكثرها تجمعاً وأهمية
هو المهرجان الذي عقد في القدس في شهر كانون الثاني (يناير) من هذه
السنة والذي يسمى «مهرجان الهيكل». وهو مهرجان تقيمه جماعات يهودية
ومسيحية سنوياً، فهذه هي السنة الحادية عشرة لإقامته. وقد حضر
المهرجان حوالي ألف شخص من داخل "إسرائيل" وخارجها. ولم يقتصر الحضور
على اليهود بل كان من الحضور عدد كبير من المسيحيين الصهيونيين،
الذين هم من دعاة بناء الهيكل.
وكان من
الذين حضروا المهرجان رئيس «معهد بحوث الهيكل» يسرائيل أرئيل الذي
قال في كلمته إنه «لا يمكن لإسرائيل أن تكون دولة ذات سيادة كاملة
إلا إذا كان الهيكل في وسطها وأن كل المشاكل التي تحدث الآن إنما
سببها عدم وجود الهيكل وإنه هو الحل لكل مشاكلنا».
ويسرائيل
أرئيل هو واحد من المجموعة التي حاولت في الثمانينات تدمير الأقصى،
ولكن المحاولة اكتشفت وأفشلت. والمعهد الذي يرأسه كان قد أنشئ في
الثمانينات بمساعدة جمعيات يهودية ومسيحية وهو يتلقى مساعدة من
الدولة كذلك. فهو يقوم بعمل الأشياء التي تستعمل في الهيكل مثل
المنوراه (الشمعدان) وتابوت التوراة - الذي يعتقد اليهود بأنه موجود
في مكان سري تحت مسجد قبة الصخرة - ويقوم المعهد بعمل أدوات التنظيف
التي تستعمل في المذبح وغيره من أقسام الهيكل، وكذلك يقوم بصنع
الآلات الموسيقية التي يعزف بها المنشدون والمغنون ويقوم أيضاً
بصناعة ملابس الكهنة ورئيسهم. وهو قد قطع شوطاً كبيراً في ذلك. وقد
عرض مسؤولو المعهد نماذج مصغرة لهذه في المهرجان المذكور وأقبل
المشاركون على شرائها. ويزور هذا المعهد اليوم آلاف الزوار من اليهود
والمسيحيين الذين يدفعون أجوراً لدخولهم إليه.
وكان من
الحاضرين والمتكلمين يهودا عصيون وهو كان على رأس المجموعة التي
حاولت تهديم الأقصى التي ذكرتها. وقد أسس في الثمانينات من القرن
الماضي منظمة باسم «حي وقيام». وهو يعتبر وجود الأقصى كارثة لليهود
وقوة للمسلمين ولذلك يحاول تهديمه. وقد قال في المهرجان إنه «يجب
علينا أن لا ننتظر عمل الرب بل لا بد لنا أن نستعجله ويجب أن نأخذ
المسؤولية على عاتقنا ثم هو بعد ذلك لا بد أن يوافق على ما نقوم به».
وهذا الكلام يقصد به الإسراع بعملية التهديم. وهو يعتقد كغيره من
هؤلاء بأن الرب سيبارك ما يقوم به. وتقوم منظمة «حي وقيام» بجمع
الأموال لبناء الهيكل، وقد أنشأت صندوقاً قبل بضع سنوات باسم «بيت
مال الهيكل». كما حضر ممثلون عن «حركة مؤمني الهيكل وأرض "إسرائيل"».
وهذه منظمة كبيرة ونشيطة جداً ولها موقع كبير على الانترنت يتوسطه
نموذج للهيكل. وقد انشأ هذه المنظمة قبل ما يقرب من ثلاثة عقود شخص
اسمه غرشون شولم، وهدفها الرئيس هو العمل على تهديم الأقصى وبناء
الهيكل اليهودي. ويقوم مسؤولو هذه الحركة بالتظاهر عند مسجد قبة
الصخرة مع عدد كبير من اليهود والمسيحيين في كل مناسبة دينية وهم
يحملون الإعلام ذات اللون الأبيض والأزرق والتي تتوسطها خريطة
"إسرائيل" الكبرى من النيل إلى الفرات باللون الأصفر. وشارك ممثلون
أيضاً عن «حركة بناء الهيكل» التي يرأسها يوسف البويم وهذه أيضا حركة
نشطة، وهي تصدر منذ سنين مجلة باسم «الهيكل سيبنى». ورئيسها هذا يأخذ
مجموعات إلى المسجد الأقصى بانتظام ويقومون بالصلاة عنده. وقد ألف
عدداً من الكتيبات تتعلق بطقوس الهيكل وخدمته. وشارك كذلك أعضاء من
«حزب كاخ» وهو حزب معروف بتطرفه الشديد، وكان هذا الحزب أنشأه
الحاخام كهانا ومنعت نشاطه "إسرائيل"، كما حضر المهرجان أيضاً أعضاء
من أحزاب متطرفة أخرى ومنظمات، مثل «غوش أمونيم» التي يضع الكثير من
أعضائها صورة الهيكل في بيوتهم وهو في موقع مسجد قبة الصخرة، وهؤلاء
اليوم يقودون رفض عملية الانسحاب من غزة ومحاولة منعها.
كما حضر
ممثلون عن جمعيات مسيحية، كما ذكرت، منها اتحاد المسيحيين من أجل
"إسرائيل" وأصدقاء "إسرائيل" المسيحيين، والمسيحيون المهتمون
بإسرائيل ومركز المسيحيين الصهيونيين ومؤتمر الزعامة المسيحية
الوطنية من أجل "إسرائيل"، وكذلك منظمة السفارة المسيحية العالمية،
وهي من أكثر المنظمات المسيحية الصهيونية نشاطاً ودعاية وانتشاراً
ودعماً لإسرائيل. وهي لها فروع كثيرة في أنحاء العالم عدا عن مقرها
الرئيسي في القدس.
وهي تقوم
بالدعم المادي والمعنوي لإسرائيل، خصوصاً للمستوطنات. وهي إضافة إلى
ذلك، تعقد مؤتمراً سنوياً حاشداً يحضره الآلاف من اليهود والمسيحيين
من أجل دعم "إسرائيل". وكانت هذه المنظمة قد عقدت مؤتمراً في
ثمانينات القرن الماضي في سويسرا في المكان نفسه الذي عقد فيه ثيودور
هرتزل مؤتمره الصهيوني الأول. وتصدر هذه المنظمة أدبيات تشيد
بـ"إسرائيل" وتؤيد سياستها نحو الفلسطينيين الذين تصفهم بالإرهابيين
«الذين يجب القضاء عليهم». وهي تتجاوز نقد الفلسطينيين إلى نقد العرب
والمسلمين عامة وتحرض عليهم. ومن يريد الإطلاع على أيديولوجيتها
وأفكارها ونشاطاتها فما عليه إلا أن يتصفح موقعها على الأنترنت
International Christian Embassy.
وترى هذه
المنظمات المسيحية أن تدمير الأقصى وبناء الهيكل اليهودي مكانه هما
علامة على قرب ظهور عيسى المسيح مرة أخرى. وفي رأي أعضاء هذه
المنظمات أن حدوث ذلك شيء مؤكد وهو سيحدث في المستقبل القريب. وهال
لندسي يؤكد على ذلك في كتابه The Great Planet Earth
الذي يعتبر من أهم الكتب لدى المسيحيين الصهيونيين. ومعروف عن هؤلاء
انهم يرفضون أي انسحاب من الأراضي المحتلة. وهم اليوم يقومون بحملة
واسعة ضد الانسحاب من غزة ويخططون لجلب الآلاف من الولايات المتحدة
وغيرها إليها للاعتصام فيها لمحاولة منع الانسحاب منها.
والتخطيط
لتدمير الأقصى ليس جديداً، بل كان هناك حديث عن ذلك بين بعض يهود
فلسطين قبل إنشاء الدولة بعقود ولكن الحديث أخذ يكثر ويشيع منذ حرب
عام 1967، بل لقد دار نقاش حوله ولما تضع الحرب أوزارها على ما يذكره
الجنرال عوزي نرجس الذي كان أول جنرال من الجيش الإسرائيلي يصل إلى
الحرم القدسي بعد احتلال القدس كاملة.
فهو يقول كنت
واقفاً عند المسجد والجنود يتطلعون حولهم كأنهم في حلم، وإذا برئيس
حاخامي الجيش الياهو غورن يتقدم نحوي مسرعاً حاملاً الشوفار (البوق)
بيده (وكان قد انتهى من النفخ فيه لتوّه) فقال لي: عوزي إن هذا هو
الوقت المناسب الذي يجب أن نضع فيه مئة كيلوغرام من المتفجرات تحت
مسجد قبة الصخرة وتفجره حتى نقضي عليه نهائياً وإلى الأبد. فرددت
عليه أن يتوقف عن هذا الحديث، ولكن الحاخام استمر وقال لي «ستدخل
التاريخ من أجل ذلك» فأجبته بأني قد دخلت التاريخ بدخولي أورشليم
فقال لي «إنك لا تستوعب الأهمية العظيمة لاستغلال هذه اللحظة، إنها
فرصة يجب اغتنامها الآن وفي هذه الساعة وأنها ستضيع غداً» وعندها
طلبت منه أن يتوقف وهددته بالسجن إن لم يفعل (كان هذا الحديث نشر بعد
وفاة الجنرال بناء على طلبه).
وهذا الحاخام
الذي أصبح فيما بعد رئيس حاخامي "إسرائيل" استمر بالدعوة إلى تهديم
الأقصى وكان يقدم طلباً إلى المحكمة العليا بين وقت وآخر لبناء كنيس
عند مسجد قبة الصخرة. وكان يقول إنه يريد أن يرى الهيكل مبنياً قبل
وفاته.
وهذه
الجماعات المتطرفة مصممة على إقامة الهيكل مكان الأقصى مع أن
الآثاريين الإسرائيليين أنفسهم غير متأكدين من مكانه إذ بين الحين
والآخر يخرج علينا آثاري إسرائيلي برأي جديد أو نفي رأي قديم وما زال
الجدل محتدماً إلى هذا اليوم.
كما أن مؤسسة
الآثار الإسرائيلية معروفة باختراق مزوري الآثار لها وهو ما يشكون
منه المختصون، وبعض القطع المزورة لا تظهر حقيقتها إلا بعد فترة
طويلة وبعد أن تكون قد ثبتت في أذهان الناس على إنها حقيقة كالقطعة
الأثرية «رأس عصا» التي اقتناها متحف "إسرائيل" قبل عشرين سنة والتي
اعتقد بأنها تعود إلى الهيكل الثاني (القرن السادس قبل الميلاد)
وتبين الآن أن الكتابة عليها - التي جاء فيها - «الهيكل الرب وقدوس
للكهنة» هي كتابة مزورة بإتقان كما أعلن المتحف ذلك في كانون الأول
(ديسمبر) الماضي. كانت هذه القطعة هي الوحيدة التي افترض أنها دليل
على وجود الهيكل الثاني.
واليوم يقيم
متحف "إسرائيل" الدعوى ضد تاجر الآثار الإسرائيلي الذي باع تلك
القطعة له والذي يملك ثلاثة آلاف قطعة أثرية أخرى.
ويدور الحديث
اليوم بين هذه الجماعات عن كيفية تدمير الأقصى فبعضهم يقول بالقيام
بعملية جوية انتحارية بينما يقول آخرون باستعمال طائرة من دون طيار
محملة بمتفجرات وإسقاطها عليه وآخرون يقولون باستعمال هجوم صاروخي
وربما كانت لدى هؤلاء خطط أخرى لم يعلنوا عنها.
وتحذر مجلة
«جيروزاليم ريبورت» من الجمعيات اليهودية السرية التي يصعب على جهاز
الأمن الإسرائيلي اختراقها، والتي تضم بين أعضائها مختصون بالمتفجرات
وبالعمليات العسكرية. وأعضاء هذه الجمعيات السرية - كما تذكر المجلة
- كانوا يقومون بقتل الفلسطينيين غيلة أثناء سنوات الانتفاضة ولم
يقبض على أحد منهم إلى اليوم.
وبين فترة
وأخرى يصرح بعض المتطرفين عن احتمال تدمير الأقصى. وأكد المتطرف
ناعوم فيدرمان في آخر شهر شباط (فبراير) بأن هناك رغبة متزايدة لدى
بعض اليهود لتنفيذ هجوم على الأقصى.
ويربط البعض
بين الهجوم على الأقصى والانسحاب من غزة من أجل إيقافه، وكان رئيس
جهاز الشرطة قد طلب زيادة أعضاء هذا الجهاز لحماية الأقصى (مع أن
الحكومة تغض الطرف عما يبيته هؤلاء للأقصى).
وهذا الخطر
المحدق اليوم بالمسجد الأقصى يحتم إنشاء هيئة دولية قد يطلق عليها
«هيئة حماية الأقصى» تتضافر فيها جهود الدول العربية والإسلامية من
أجل درء هذا الخطر وصده عنه.
أكاديمي
عراقي - لندن.
|