الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

المسجد الأقصى: مغزى التحذيرات الصهيونية

 

د. عبد الوهاب المسيري  

 

صحيفة الاتحاد الإمارتية 7/8/2004

 

في تصريح يستلفت النظر، من حيث مضمونه وتوقيته وشخصية قائله، حذر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، (تسحيا هنجبي)، مما أسماه "تنامي المؤشرات على نية متطرفين يمينيين يهود تنفيذ هجوم إرهابي في موقع المسجد الأقصى، في محاولة لإحباط خطة الفصل الأحادية الجانب" (صحيفة يديعوت أحرونوت، 24 يوليو 2004). وأضاف الوزير، الذي كان يتحدث في برنامج تليفزيوني، أنه "لا توجد معلومات عن أشخاص بعينهم، وإلا لما سمح لهم الشين بيت (جهاز الأمن الداخلي) والشرطة بالاستمرار... ولكن ثمة مؤشرات مقلقة عن مخططات مدبرة، وليس مجرد أفكار مجردة... هناك خطر يتمثل في أنهم قد يستخدمون الموقع الأكثر تفجراً على أمل خلق سلسلة من ردود الأفعال تؤدي إلى تدمير عملية السلام".

وفي معرض التعقيب على حديث الوزير، نقلت صحيفة "هآرتس" عن مصادر أمنية إسرائيلية قولها إن من بين التصورات المحتملة لهذا الاعتداء محاولة إسقاط طائرة بدون طيار محمَّلة بالمتفجرات في محيط الحرم القدسي، أو تنفيذ هجوم انتحاري بطائرة صغيرة خلال قيام أعداد كبيرة من المسلمين بأداء شعائر الصلاة في محيط الحرم القدسي، أو اغتيال شخصية إسلامية بارزة في نفس الموقع.

 

ولابد بدايةً من تناول مثل هذه التصريحات بشيء من الحذر، والسعي إلى تحليلها بشكل دقيق، حتى يتسنى التعرف على مغزاها والهدف الذي ترمي إليه، ومن ثم يمكن التفكير في أساليب التصدي للأخطار المحتملة. وهناك أسباب عدة تدعو إلى هذا الحذر، ومن بينها: أن ما يصرِّح به السياسيون وصناع القرار عموماً، سواء في الكيان الصهيوني أو غيره، لا يعبر بالضرورة عن مواقفهم وخططهم وتوجهاتهم الحقيقية، وقد يكون في بعض الأحيان جزءاً من حرب نفسية أو دعائية، أو من مسعى لتسريب معلومات مضللة إلى الخصوم بهدف دفعهم، بعد ابتلاع ذلك الطعم، إلى اتخاذ إجراءات معينة أو التصرف على نحو قد يكون مفيداً بشكل أو بآخر لمن أطلقوا هذه المعلومات. وقد تكون التصريحات في أحيان أخرى محاولةً لجس النبض ومعرفة ردود الأفعال المحتملة، أو من قبيل صرف الأنظار عن قضايا أخرى أكثر خطورة.

 

إن الإعلان عن التهديدات التي يتعرض لها المسجد الأقصى جاء هذه المرة من أحد أعضاء الحكومة الإسرائيلية نفسها، وهو أمر غير معهود، إذ أن الحكومة الحالية بوجه خاص، والحكومات المتعاقبة منذ قيام الدولة الصهيونية بوجه عام، لم تدخر وسعاً في الاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين، وفي مقدمتها الحرم القدسي، سواء من خلال أعمال الحفر والتنقيب في المنطقة، والتي تلحق أضراراً بالغة بالمسجد الأقصى وقبة الصخرة، أو من خلال الإجراءات الرامية إلى فرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة وتخريب المعالم الإسلامية، أو من خلال إطلاق العنان للجماعات الدينية اليهودية، التي تُوصف بأنها "متطرفة"، باستباحة حرمة الأماكن الإسلامية المقدسة والقيام بأعمال استفزازية فيها، فضلاً عن فرض قيود مشددة على الهيئات الفلسطينية، وبالأخص هيئة الأوقاف الإسلامية، لمنعها من ترميم المعالم الإسلامية في المنطقة، وكذلك شل حركتها في التصدي للاعتداءات المتواصلة. وبالإضافة إلى هذا كله، فقد خلقت السياسات والممارسات الإسرائيلية الرسمية مناخاً من العداء والعنف والعنصرية يُعد "حاضناً نموذجياً" لبروز وانتعاش مثل هذه الجماعات اليهودية بمختلف توجهاتها. ولم يقف الأمر عند حدود تهيئة الأرض، بل تجاوز ذلك إلى الدعم السياسي والمالي والأمني المباشر، للجماعات التي تسعى إلى هدم المسجد الأقصى وبناء ما يُسمى "الهيكل الثالث" في نفس الموقع، وفي مقدمتها جماعة "أمناء جبل الهيكل" (تقرير "مركز حماية الديمقراطية في إسرائيل"- كيشيف، يناير 2001).

 

إن هذا الإعلان الرسمي يأتي في وقت تعاني فيه الحكومة الإسرائيلية من صراعات محتدمة بين أطرافها، وخصوصاً بين الأحزاب الدينية والعلمانية، مما قد يهدد بانفراط عقدها، كما تواجه فيه الدولة الصهيونية العواقب المترتبة على صدور الرأي الاستشاري من محكمة العدل الدولية بعدم شرعية جدار الفصل العنصري، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي استند إليه، وهو الأمر الذي يزيد من المخاوف من تنامي العداء للدولة الصهيونية في العالم بحيث تجد نفسها في النهاية في عزلة دولية.

 

إن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الذي أطلق هذا التحذير كان هو نفسه ضالعاً في صنوف شتى من الاعتداءات على المسجد الأقصى والمعالم الإسلامية في القدس. ففي اجتماع داخلي لتكتل "الليكود، عُقد في 8 ديسمبر 2003، راح الوزير يعدد "الإنجازات" التي حققها، وأبرز ثلاثة منها على وجه الخصوص، أولها اعتقال الشيخ رائد صلاح، زعيم "الحركة الإسلامية لعرب 1948" والذي أطلق صيحة "الأقصى في خطر" منذ عام 1996 واتهمته الحكومة الإسرائيلية بالتحريض على شن "حرب دينية" ضد اليهود؛ وثانيها هدم مسجد شهاب الدين في مدينة الناصرة؛ وثالثها إعادة السماح لليهود بدخول المسجد الأقصى وأداء الصلوات فيه، وذلك في يونيو 2003.

 

إلا إن هذه الاعتبارات لا تعني، بطبيعة الحال، تجاهل التحذيرات الرسمية الإسرائيلية أو التشكيك في صحتها بشكل كامل. فالمقصود هو وضعها في إطار أشمل يتيح فهماً أعمق لدلالاتها المتشابكة. واستناداً إلى هذه الاعتبارات، يمكن القول إن التصريحات الإسرائيلية قد تكون نوعاً من تهيئة المناخ لعمل إجرامي يستهدف المسجد الأقصى فعلاً، مما يتيح للحكومة الإسرائيلية عند وقوع الواقعة أن تبرئ ساحاتها من تبعاته وأن تظهر بمظهر "الحريص" الذي حذر سلفاً من مغبَّة مثل هذه الأعمال. وقد يكون الهدف هو إشاعة حالة من الخوف في أوساط الشعب الفلسطيني تؤدي، مع ما يصاحبها من إجراءات القمع والتنكيل، إلى تقويض مقاومته الباسلة بل والتدليل على عدم جدوى المقاومة أصلاً. وقد تكون تلك التصريحات بمثابة رسالة إلى الشعب الفلسطيني مفادها أن عليكم أن تقبلوا بعناصر "الحل الشاروني" المطروح، بما ينطوي عليه من غبن وانتقاص من الحقوق الفلسطينية المشروعة، لأن البديل سيكون أشد خطورة وقسوة.

 

كما أن وضع هذه الاعتبارات في الحسبان لا يعني التقليل من شأن الأخطار التي يتعرض لها المسجد الأقصى وغيره من المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهي أخطار ليست وليدة اليوم بل برزت مع بدايات الاستيطان الصهيوني على أرض فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر، وازدادت وتيرتها وحدتها بعد استكمال الاحتلال الصهيوني للقدس في عام 1967. ولعل انتفاضة البراق التي اندلعت في عام 1929 احتجاجاً على محاولات المستوطنين الأوائل المساس بحرمة حائط البراق والسيطرة عليه، وانتفاضة الأقصى التي اندلعت في عام 2000 إثر الزيارة الاستفزازية التي قام بها شارون للمسجد الأقصى، هما خير دليل على استمرار هذه المخاطر وعلى مكانة هذه المقدسات في مسار الصراع العربي الصهيوني.