الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

نحو تصد فعال لمخططات المتطرفين اليهود في الحرم القدسي

 

أحمد فؤاد أنور

 

صحيفة الأهرام القاهرية 5/7/2003

 

تحت ستار الغبار الكثيف الناجم عن احتلال العراق‏،‏ وخلف ستائر من الدخان الكثيف المنبعث من خريطة الطريق والجدل حول قضايا اللاجئين والحوار الفلسطيني تحاول حكومة شارون أن تعبث مجدداً في أكثر بقاع الشرق الأوسط حساسية ليس للعرب فقط لكن للمسلمين في كل مكان بحديثها الرسمي عن السماح لليهود بالصلاة داخل الحرم القدسي الشريف الذي تصر القوى الصهيونية على تسميته بـجبل الهيكل‏.‏

 

إن الوضع القانوني والتاريخي للقدس معروف ولا تستطيع الشرعية الدولية أن تتجاوزه ومكانتها الدينية في القلب دائماً فهي أولى القبلتين‏.‏ وحتى القدس الغربية الحالية لم تتعد أملاك اليهود فيها ‏20%‏ من إجمالي مساحتها والباقي وهو السواد الأعظم ملك فلسطينيين مسلمين ومسيحيين وهيئات مسيحية دولية‏،‏ وقد ضمت القدس الغربية أيضاً أراضي القرى التي احتلت أو دمرت‏،‏ مثل دير ياسين‏.‏ كل هذا جعل الإدارة الأمريكية تمتنع حتى الآن عن تنفيذ قانون للكونجرس يدعو الإدارة لفتح السفارة الأمريكية في القدس في موعد أقصاه ‏31‏ مايو ‏1999‏ حيث تم تعليق مفعول القانون لفترات متتالية بطلب من الرئيس الأمريكي مادام قد رأى أن مصلحة الأمن القومي الأمريكي تستدعي ذلك‏.‏

 

وقد لجأ اليهود في فترة مبكرة لتزوير وتحريف النصوص الدينية لإضفاء مبالغات حول مكانة القدس ومدى استمرار الوجود اليهودي داخلها والسيطرة عليها لبعض الفترات ومن الأمثلة على ذلك ما يزعمه سفر يهوشع من أن صاحبه استولى على أملاك الحيثيين اليبوسيين واخضع ملوك أورشليم وغيرها وأنه استولى على كل الأرض التي كلم الرب عنها موسى‏،‏ وأنه قسمها بين الإسرائيليين‏،‏ ومن ثم فقد استراحت الأرض من الحرب ‏(‏يهوشع‏12:7-24‏ و‏11:22)،‏ لكن سفر يهوشع ناقض نفسه عندما اعترف بأن أورشليم ظلت في أيدي اليبوسيين ‏(يهوشع ‏63:15)‏ هذا فضلاً عن أن سفر القضاة إنما يشير إلى أن أورشليم إنما كانت مدينة غريبة‏،‏ حيث ليس أحد من بني "إسرائيل" هنا (‏قضاة‏12:19)‏ بل إن التاريخ يحدثنا أن الإسرائيليين لم يستولوا على مدينة القدس إلا على أيام داود ‏(1000‏ -‏960‏ق‏.‏م‏) (‏يهوشع ‏16:10)‏ أما المخططات الحالية فهي امتداد خطير للمؤامرة القديمة الجديدة‏.‏

 

الأمر يستدعي منا تقديم خريطة معرفية شاملة عن تطورات المخططات الإسرائيلية ضد الحرم لمواجهتها بشكل علمي‏،‏ فمن جانبها تقوم "إسرائيل" باستمرار بمصادرة الأراضي العربية وبناء المستوطنات اليهودية‏،‏ وشق الطرق الالتفافية‏،‏ وكذلك مضايقة المؤسسات الفلسطينية وعدم السماح بدخولها إلا بتصريح‏،‏ وتقييد حرية المنتخبين والمرشحين لمجلس الحكم الذاتي‏،‏ وذلك بالإضافة إلى منع السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير‏،‏ بموجب قانون خاص سنه الكنيست‏،‏ من فتح مكاتب لهما أو القيام بأي نشاط‏،‏ كعقد اجتماع أو مهرجان في القدس إلا بإذن مسبق من الحكومة الإسرائيلية‏،‏ وفي المقابل سيطر الوضع الراهن على الحرم القدسي وهو ما أقرت به القوات الإسرائيلية من الحرم حتى اتفاقيات إعلان المبادئ أوسلو‏ 1‏ و‏2‏ حين أقرت "إسرائيل" بحق الفلسطينيين المقدسيين في المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني اقتراعاً وترشيحاً.‏

 

الوضع الراهن

في المقابل شددت "إسرائيل" في السنوات الأخيرة من حصارها على القدس وتضييقها على المقدسيين لإجبارهم على مغادرتها فبعد أن اعتبرت المحكمة العليا الإسرائيلية أن قانون الدخول إلى "إسرائيل" هو الذي يحدد وضعية سكان القدس الشرقية الفلسطينيين وكأنهم مهاجرون‏،‏ و"إسرائيل" في هذا الإطار تتبع سياسة الترحيل السري عن طريق إلغاء إقامة الفلسطينيين لأسباب غير قانونية وعدم السماح للفلسطينيين ببناء أراضيهم أو ترميم أو تعلية منازلهم مما يدفع البعض للسكني خارج القدس ولو لبعض الوقت فيتم على الفور ودون تحذير إلغاء إقامته مع طرد النساء المقدسيات اللاتي يتزوجن من فلسطينيين من غير المقيمين بدلاً من السماح للزوج بالسكني في القدس‏.‏

 

"إسرائيل" تسعى طوال الوقت لنسف الوضع الراهن حتى داخل الحرم القدسي فالإسرائيليون يدركون أنهم رغم احتلال القدس الشرقية في‏67‏ فإن الرعاية والسيادة الفعلية على الحرم القدسي هي فلسطينية‏.‏

 

انتهاك "إسرائيل" للوضع الراهن (ستاتوس كو) يتم من خلال مخطط مدروس يقوم على تشجيع القوى الدينية اليهودية المتطرفة على تزعم لواء المطالبة بالصلاة في الحرم القدسي‏،‏ وقد أوضح الباحث الإسرائيلي أمنون رامون في مقال نشره في معهد القدس لأبحاث إسرائيلية إن الذي أوجد الوضع القائم ستاتوس كو ديان وزير الدفاع الإسرائيلي في حرب‏67‏ حيث أقر وثبت كون المكان محل عقيدة إسلامية‏،‏ لليهود الحق فقط في زيارته ‏(‏بدون دفع رسوم زيارة‏)،‏ موشية ديان أقر بهذا التقدير في مذكراته‏:‏ علينا أن نعتبر جبل الهيكل موضعاً تاريخياً ينتمي لذكريات الماضي لقد تنازل ديان إذن وفقاً لهذه الصياغة عن أي آمال صهيونية خاصة بالحرم على المدى المنظور‏.‏

 

الفلسطينيون هم الذين أجبروا الاحتلال على الخضوع للوضع الراهن بعد أن تصدوا للحاخام جوران ‏(الحاخام العسكري لإسرائيل آنذاك‏)‏ حينما أراد تنظيم صلاة جماعية في الحرم في أغسطس‏67‏ وخوفاً من انفجار ما اعتبر أنه المكان الأكثر توتراً في الشرق الأوسط لم تجر الحكومة الإسرائيلية تغييرات على وضع الحرم‏.‏

 

نفس التوازنات على ما يبدو أملت أيضا تصرفات الحاخامية العليا في "إسرائيل"‏.‏ حيث اكتفى مجلس الحاخامية الذي اجتمع في‏1967‏ لبحث قضية الحرم بالدعوة لمطالبة الحكومة بتسليم إدارة المكان للحاخامية العليا في "إسرائيل" أو إشراكها في إدارته حتى تمنع تدنيسه وهو الطلب الذي لم يقبل‏.‏

 

والموقف الذي كانت له دلالة قاطعة أيضاً صدور تحذير من الحاخامية العليا بتحذير يحظر الدخول لكل منطقة الحرم الشريف مادام لم يتم تحديد دقيق لحدود المعبد فوق الجبل‏.‏ لأن اليهود المتدينين حقاً - وهذه نقطة في غاية الأهمية - يعتبرون أنفسهم محظورا عليهم دخول تخوم المعبد بدون وجود رماد بقرة حمراء لتطهيرهم من النجاسة من أكثر اليهود التزاماً بذلك أتباع طائفة نطوري كارتا الذي لا يزورون أيضاً حائط المبكى باعتباره محتلاً من قبل الصهاينة العلمانيين‏(!)‏

بعد ذلك بتسع سنوات عاد مجلس الحاخامات برئاسة الحاخام جوران لبحث الموضوع واعترض شفاهة دون اتخاذ قرار قاطع أو التوصية بآليات محددة لتعديل الوضع على‏: (‏التخلي‏)‏ عن ‏(جبل الهيكل‏)‏ للمسلمين‏،‏ ولم يتغير هذا الموقف حتى اليوم‏.‏

 

تحول خطير

وقد برز تغير في السنوات الأخيرة ليس في مؤسسات حكومية أو دينية - حتى الآن - لكن وسط الجمهور العادي بتحريض حكومي وإعلامي غير مسبوق‏،‏ الأمر الذي ظهرت نتائجه في استطلاعات رأي حديثة أكدت أن أكثر من ‏80%‏ من هذا الجمهور يؤيد صلاة اليهود فوق جبل الهيكل‏.‏ (‏هكذا نشرت الصحف الإسرائيلية ولا نستبعد بالطبع أن تكون هذه الاستطلاعات نفسها جزءاً من حملة التحريض على تدنيس الحرم الشريف‏).‏

 

عبر عن التغيير أيضاً برنامج حزب المفدال - عضو الائتلاف الحالي برئاسة شارون - حيث ذكر‏:‏ سنعمل على تريب إمكانات لصلاة اليهود في كل الأماكن المقدسة لهم ‏(‏البند ج‏4).‏

 

وبشكل عملي خطير توجد على الأقل عشر جماعات مختلفة تعمل لتغيير الوضع الراهن ستاتوس كو في الحرم‏،‏ أغلبها تتحرك بشكل سري وترفع شعار من الجنون التحدث‏.‏ وأكثرها نشاطا معهد المعبد برئاسة الحاخام يسرائيل اريئيل المهتم بالبحث وبإعادة تشييد نماذج لأدوات المعبد‏.‏ حركة إقامة المعبد برئاسة الحاخام يوسف الفويم ‏(الفويم اعتاد الصعود لتخوم الحرم مصحوباً بأشخاص ليسوا جميعاً من المتشددين كل ثلاثاء وكل سبت‏).‏

 

يضاف لهؤلاء أمناء أرض "إسرائيل" برئاسة جرشون سولومون‏،‏ فهم من أوائل من صعدوا في شكل تظاهري للحرم‏،‏ وسط جلبة وصخب إعلامي وهم مستمرون في هذا حتى الآن في مواعيد ثابتة وفي الأعياد والاحتفالات‏.‏

 

محاولة سولومون رفع حجر الأساس لجبل الهيكل في أكتوبر ‏1990‏ أحضرت مئات المسلمين للحرم الشريف وما حوله وهناك اشتعلت النفوس بالغضب وتم إلقاء حجارة على ساحة حائط المبكى وفي أعقاب هذا قتل‏17‏ مسلماً بنيران الشرطة وتزايدت الريبة الإسلامية‏.‏ وهو المشهد الذي تكرر منذ نحو عام حيث اكتفوا بوضع الحجر فوق شاحنة استقرت لفترة قصيرة داخل موقف سيارات قريب من الحرم‏.‏

 

وهناك جماعات أخرى تعمل في نفس الاتجاه منذ سنوات مثل‏:‏ يمين "إسرائيل" برئاسة شاؤول جوتمان ويوئيل لرنر اللذين حاولا هما أيضا الصعود مرات للجبل وأخيراً قل نشاطهما الظاهر‏،‏ وحركة إلى جبل همور ‏(‏جبل موريا) الذي بني عليه الهيكل المهتمة بنشر أبحاث متعلقة بجبل الهيكل‏.‏

 

وقد أقام البروفيسور ايتمار فرهفتيج والدكتور دانيال فيل حملة إقناع من أجل جبل الهيكل والتي تعقد اتصالات ولقاءات مع أعداد من أعضاء كنيست‏،‏ في الماضي ضمت حملة الإقناع ‏25‏ عضو كنيست‏،‏ من الليكود ومن العمل أيضاً من بين ما لديها يحفظ أعضاء هذه الحملة خطاب من يوسي بيلين قيل فيه إنه لليهود أيضاً حقوق على جبل الهيكل يجب إجراء مفاوضات بشأنها مع العرب‏،‏ وقد تقلصت مؤخراً أنشطة الحملة‏،‏ وإن كان مجرد وجودها يهدف للتأثير على المفاوضات بشأن مستقبل الحرم في التسوية النهائية‏.‏

 

ومن الجماعات المعروفة للغاية حركة حي فقيام ‏(‏خالد‏)‏ بزعامة يهودا عتسيون الذي لا يكل‏،‏ عضو الجماعة اليهودية السرية المسلحة التي أرادت في وقتها نسف مساجد جبل الهيكل‏،‏ عتسيون الذي تحول من النشاط التفجيري لإقامة جماعة ضغط تهدف لتغيير قيمي وثقافي بين صفوف الشعب اليهودي‏،‏ وقد ناضل مع زملائه ضد حظر الصلاة اليهودية على جبل الهيكل‏،‏ يذكر أن من المقربين لهم تلاميذ معهد قبر يوسف الديني في نابلس‏.‏

 

وإلى كل هؤلاء يجب إضافة عدد آخذ في التزايد من الأشخاص المحسوبين على التيارات المركزية للصهيونية الدينية الذين يعتقدون بوجوب تنفيذ حق الصلاة فوق جبل الهيكل‏.‏

 

أما موقف مصدري الفتاوى الشرعية اليهودية فقد تغير أيضاً بالفعل حيث تعالت في السنوات الأخيرة أصوات حاخامات مثلاً الحاخام دوف ليئور يفتون بوجوب بناء معبد يهودي فوق جبل الهيكل‏،‏ وقد تطرق الحديث أيضاً عن ضرورة بناء معبد يكون أعلى من المسجد‏.‏

 

القوي الدينية في "إسرائيل" لها دور محوري في المخطط الخبيث وهي ترى أن هناك مشكلة وأن حلها هو ضرورة الضغط على الحكومة الإسرائيلية لتطبيق سيادتها على الحرم القدسي الشريف والسماح بصلاة اليهود فوراً داخله‏،‏ وذلك لمواجهة حالة الضعف التي تتعامل بها الحكومة الإسرائيلية تجاه الحكم الذاتي الإسلامي في الحرم‏(!)‏ وجزء من الأزمة في تصور تلك القوى هو لا مبالاة قطاعات من الجمهور اليهودي حتى بين صفوف المتدينين ناهيك عن العلمانيين وقضية أهمية الصلاة داخل الحرم وهو ما استلزم أسلوباً تحريضياً‏.‏

 

ولا بد من توخي أقصى درجات الحذر من خطوة كتلك السماح لليهود بدخول الحرم بدعوى الصلاة فهناك متطرفون مسيحيون يعتقدون بأن الخلاص مرتبط بتدين اليهود العلمانيين وببناء الهيكل اليهودي‏،‏ مثل أعضاء طائفة القلقون الأمريكية الذين يؤمنون بأنه الانتحار فوق جبل الهيكل الحرم الشريف وتفجيره سيؤدي لمولد يسوع المسيح من جديد‏،‏ وهم قد يندسون بتحريض وتخطيط "إسرائيل لمحاولة الاعتداء على الحرم وتدنيسه‏،‏ ولذلك فإنه‏،‏ من الضروري فضح الممارسات الإجرامية الاستفزازية للمتطرفين اليهود الذين تحتمي خلفهم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة‏،‏ من خلال جهد إعلامي راق يخاطب الأذن الغربية بالحقائق والأدلة‏،‏ وكذلك‏،‏ مخاطبة الدول المسيحية عن طريق رجال الدين المسيحي الفلسطينيين ليشرحوا للرأي العام ما تتعرض له الأماكن المقدسة المسيحية أيضاً من اضطهاد ومضايقات‏،‏ وإبراز التأييد الوطني والموقف المشرف المتضامن لهم مع أشقائهم المسلمين‏.‏