الذكرى الـ35 لمحاولة إحراق المسجد الأقصى
بقلم : د. أحمد يوسف القرعي
صحيفة
الأهرام 19/8/2004
يوافق يوم
السبت المقبل الذكرى الـ35 لمحاولة "إسرائيل" إحراق المسجد
الأقصى، ووقعت المحاولة في يوم الخميس الحزين21 أغسطس1969..
وجاءت المحاولة بعد نحو 27 شهراً فقط من احتلال القدس الشرقية في
9 يونيو 1967، وشكلت تلك المحاولة أول معول من معاول هدم وإزالة
الحرم القدسي الشريف في إطار مخطط تهويد المدينة برمتها ودمجها
بالقدس الغربية المحتلة منذ عام 1949 لتكونا - لاقدر الله - عاصمة
موحدة لـ"إسرائيل".
ولن يكل
المرء عن التذكير بأيام صعاب وأليمة مرت على المدينة المقدسة، لا
من أجل استدرار الدموع، فالمزيد من البكاء لن يعيد القدس، ولن
يحفظ مقدساتها من الهدم أو التدنيس.. ولكن التذكير هنا من أجل كشف
وقائع مخطط لايزال يجري تنفيذه حتى الآن وأشرف على نهايته بإقامة
الجدار العنصري الفاصل حول القدس الكبرى واحتوائها بالمستعمرات
الاستيطانية الموسعة والمترابطة واستكمال عزل المدينة المقدسة عن
محيطها الفلسطيني - العربي.
تمر ذكرى هذا
الحدث الخطير كل عام دون أن تأخذ حقها على مستوى الإعلام أو الخطاب
الديني لتذكير هذا الجيل بأن اختيار حكومة "إسرائيل" ليوم الخميس
21 أغسطس 1969 موعداً لتنفيذ حريق المسجد الأقصى لم يكن اختياراً
عشوائياً، فالتوقيت نفسه يدل دلالة واضحة على وجود مخطط عاجل،
وآخر آجل لتهويد القدس وطمس مقدساتها.
لقد وقعت
الجريمة في اليوم التالي لإنجاز بعض الحفريات التي تقوم بها حكومة
"إسرائيل" تحت أرض المسجد الأقصى بحثاً وراء مزاعم الآثار المندثرة
منذ ألفي سنة لهيكل سليمان، ومحاولة إحراق المسجد الأقصى كانت
إجراءً متمماً لعمليات الحفر. فضلاً عن هذا فقد مهدت "إسرائيل"
لهذا الحريق بعدد من الاجراءات الأخرى منها مصادرة وهدم ونسف
العقارات الوقفية الملاصقة للمسجد الأقصى من الغرب والجنوب واحتلال
باب المغاربة أحد أبواب الحرم الشريف الملاصق للمسجد الأقصى من الغرب
واجراء حفريات عميقة خلف الحرم... إلخ.
وإذا كان لكل
جريمة في الوجود قرائن تثبتها فإن قرائن الجريمة الإسرائيلية يوم
21 أغسطس 1969 - وطوال 35 عاماً منذ وقوعها - أكثر من أن تحصى
وتعد رغم العرض المسرحي الذي حاولت "إسرائيل" أن تقيمه أثناء محاكمة
الشاب الاسترالي مايكل روهان الذي اتهمته "إسرائيل" وحده بالجريمة ثم
ادعت أنه مجنون ومعتوه.
بدأت مسرحية
محاكمة الشاب الاسترالي بعد أن أصدرت السلطات الإسرائيلية عدة بيانات
متناقضة عن الحريق تضمنت تصريحات رسمية، قالت أولاً إن الحريق حدث
عرضاً من احتكاك الأسلاك الكهربائية، ثم عادت وقالت ثانياً إن
الحريق حدث من تطاير شرارة من جهاز لحام بالأوكسجين، كما تناقضت
أقوال المسئولين الإسرائيليين بشأن توقيت الحادث فادعوا أن الحادث
وقع في الساعة السابعة والدقيقة العشرين صباحاً، والحقيقة أنه وقع
قبل ذلك بساعة على الأقل، وأخيراً أعلنت السلطات الإسرائيلية في
بيان رسمي أن شاباً أشقر دخل المسجد في ساعة مبكرة من الصباح،
وعندما خرج منه ليختفي في الحي اليهودي كانت ألسنة النار تلتهم جميع
أروقة المسجد.
وعندما بدأت
المحاكمة الإسرائيلية للشاب مايكل روهان في 6 أكتوبر 1969 بالغت
"إسرائيل" في شكليات المحاكمة حتى يصدقها الرأي العام العالمي.
وزيادة في
الحبكة المسرحية، - كما أرادتها "إسرائيل" - فإن المتهم بعد نفيه
التهم الموجهة إليه عاد واعترف بجزء من جريمته وقال إنه أشعل النار
في المسجد الأقصى بالفعل، ولكن في ظروف خاصة سيطر فيها عليه
الجنون، وقال محامي المتهم إن موكله ليس مذنباً لأنه كان وقت
الحادث يعاني مرضاً عقلياً جعله غير قادر على وضوح التفكير خلال
عمله، وذكر المحامي أنه بسبب ذلك المرض العقلي لايعتبر موكله عرضة
للعقاب!
وفعلاً تمت
تبرئة المتهم وأخلي سبيله.. ولكن لم تنطل هذه الخدعة على الرأي
العام العربي والإسلامي والدولي.
* * *
ومن الأهمية
أن تكون الذكرى الـ35 لمحاولة "إسرائيل" إحراق المسجد الأقصى فرصة
لتجديد الدعوة للمؤرخين العرب إلى إعداد كتاب أسود حول هذا الحدث
الخطير يكشف وقائع يوم الخميس الحزين وتوثيقها قبل أن تندثر وثائقنا
وأوراقنا ويطويها الزمن.
وأخيراً فإن
قرار السلطة الفلسطينية بإقامة دار وثائق أو توثيق فلسطينية يأخذ في
حسبانه تسجيل الأحداث الكبرى في القدس وتجميع وثائقها، فإن هناك
وثائق وأوراق مهمة بشأن حريق المسجد الأقصى من الضروري تجميعها
ووضعها أمام الباحثين ومنها: التقرير المفصل الذي وضعه المهندس
الأردني نبيه يوسف بولعي ورفعه إلى الهيئة الاسلامية في القدس،
وأكد فيه الأضرار الجسيمة التي أصابت المسجد، ووقائع محاكمة المجرم
مايكل روهان، ورسالة كنيسة الله في مدينة كليفلاند بولاية تنسي
بالولايات المتحدة التي تكذب فيها ادعاء حكومة "إسرائيل" بأن مرتكب
الجريمة ينتمي إليها. وفي الوقت نفسه تأسف الكنيسة أشد الأسف للتلف
الذي لحق بالمسجد الأقصى، وتعبر عن تعاطفها مع المسلمين لما أصابهم
من خسارة. وأكثر من هذا لماذا لانسارع بتسجيل شهادة الشهود
الفلسطينيين الذين هبوا لإطفاء الحريق والصعوبات التي وضعتها أمامهم
السلطات الإسرائيلية وفي مقدمتها قطع المياه.. الخ.
ولاشك أن مثل
تلك الوثائق والأوراق والشهادات تشكل مادة إعلامية يمكن توظيفها
دولياً وباللغات الحية في إطار كشف المخطط الإسرائيلي لاحتواء القدس
وتهويدها كلية.
|