الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

إلاّ الأقصى!!

 

توجان فيصل

صحيفة الراية القطرية 13/4/2005

 

أي من هذا الذي يجري التفريط أو الاستهانة به يومياً، يمكن السكوت عنه.. إلا الأقصى. فلو تم تنفيذ المخطط الصهيوني لهدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه، فإن هذا، أولاً، يستبق كل ما يتم الزعم أن التفاوض يجري أو سيجري ذات يوم بشأنه (الدولة والقدس والحدود واللاجئين، وحتى هوية الشعب الفلسطيني)، ويفرض أوضاعاً نهائية بشأنها جميعاً.. وثانياً وكنتيجة حتمية، ينقل الصراع العربي - الإسرائيلي إلى مرحلة أعلى وأخطر باعتباره صراعاً أزلياً بين ديانتين. ولأن المسلم المعتدل من العرب ومن كل الأقوام الأخرى، ومعه المواطن العربي العلماني، تربطه بالأقصى القائم حقيقة ولقرون، روابط بعمق تاريخه الطويل المضمخ بالهوية الدينية أوالوطنية أوالقومية، فإن المساس به سيجذب إلى قلب الصراع كل هؤلاء، بذات الحدة، دون اعتبار للفروق. ولكن قيادة الصراع ستقع لابد في أيدي المتطرفين من الجانبين، مما سيغيب عنه كل طروحات المعتدلين الذين يتعاملون مع الصراع بآليات السياسة الدنيوية، سواء قبلوا تسويات سلمية، أو طالبوا بدولة من الفرات إلى النيل من جهة، او بتحرير الأرض العربية المحتلة من النهر إلى البحر من جهة أخرى. المهم أن إدارة الصراع حين يبقى سياسياً، تتم على الأرض بين بشر ليس بينهم أنبياء جدد وقديسين وأولياء يحملون أوراق اعتماد من السماء.. وما لا يعرفه السياسيون المتواطئون في هذه المؤامرة، وهم يستسهلون تسييس الدين وامتطاء ظهر أسطورة لتدمير حقائق قائمة على الأرض، هو أن أبواب الجحيم وليس أبواب السماء هي التي ستفتح!!

 

والحقيقة أن طبيعة قيادة الصراع ليس ما يعنينا هنا، فهي تصبح ثانوية إن تم المساس بالأقصى وبما يعنيه الأقصى لكل منا.. ولكن فروق القيادة يجب أن تقلق أمريكا وحلفاءها في المنطقة. ولا نحن معنيون حتماً بنجاح تحالفات أمريكا، خاصة ما اسمته حربها على الإرهاب ولكننا معنيون بسلامة الأقصى قبل وفوق أي اعتبار. وهذا وقت التنادي للدفاع عن الأقصى، وأول من يجب أن نناديهم هم الدول العربية المقصرة جميعها في حق الأقصى، بلا استثناء. ولكن من موقعي كأردنية، لابد أن أبدأ بما يعني وطني وواجبه تجاه الأقصى، قبل غيره. فالفعل السياسي يبدأ من الداخل، كما نصحنا إخوتنا في مصر في مقالة الأسبوع الماضي. إضافة إلى أن الأردن هو المعني هنا أكثر من غيره، لأسباب تاريخية تجعله في الموقع الأكبر أثراً على مجمل القضية الفلسطينية، سلباً أو إيجاباً، وفي مقدمتها بالطبع القضية الأقدس: قضية القدس والأقصى.

 

في البداية سنحدد المسؤولية الأردنية التي تطوعت لها إمارة شرق الأردن حين طلبت ضم ما تبقي من فلسطين عام 47، إليها. والوثائق العربية والغربية كافة، بما فيها وثائق بريطانيا التي كان لها اليد الطولي في كل ما جرى، تؤكد هذا الطلب الأردني في حين كان الطرح العربي المجمع عليه في الجامعة العربية (باستثناء الأردن والعراق)، هو إقامة دولة عموم فلسطين. وعندما تمت الوحدة مع الأردن، فإن أراضي الضفة الغربية أصبحت من أراضي المملكة الأردنية الهاشمية حسب دستور الاتحاد الذي أقر عام 52، وعلى المملكة وحكوماتها المتعاقبة تقع مسؤولية حماية تلك الأرض وتحريرها إن وقعت تحت الاحتلال. وبحسب القانون الدولي أيضاً، وبحسب قرارات مجلس الأمن ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، فإن الضفة الغربية والقدس الشرقية بمقدساتها، هي أراض أردنية محتلة. وهذا هو مدلول القرار 242 كلما جرت الإشارة إليه، إذ لم يصدر عن مجلس الأمن قرار ما يعدّله.

 

أما قرار فك الارتباط بالضفة الغربية الذي اتخذه الجانب الأردني منفرداً عام 1988، فقد قلنا منذ البداية إنه غير دستوري، حسب دستور المملكة الذي لم يعدل لهذه الغاية إلى يومنا هذا، وهذا ما يوافقنا عليه كبار القانونيين وخبراء الدستور. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تعديلات عدة قد أدخلت علي الدستور الأردني منذ عام 67 قيل إنها للتعامل مع حالة احتلال جزء من أراضي الأردن، كما عطلت الحياة النيابية بحجة هذا الاحتلال، ولكن لم يلها أي تعديل يجيز أو ينظم فك الارتباط. وما هو غير مشروع دستورياً داخل أية دولة، غير مشروع تلقائياً على الصعيد الدولي. واستشهد هنا بقرار اتخذه الاتحاد البرلماني الدولي عام 1997 بتجميد عضوية جمهورية بيللاروس "(ومعها دولة أخرى لا يحضرني اسمها الآن) في الاتحاد لأن حكومتي الدولتين أجريتا تغييرات في البرلمان وانتخابات اعتبرت خرقاً للدستور. أي أن الخرق كان في شأن داخلي وليس في صراع مع دولة أخرى، ولكنه اعتبر كافياً، من قبل كافة برلمانات العالم، لاعتبار حال الدولتين غير شرعي بما يسمح باستمرار عضويتهما في الاتحاد البرلماني الدولي.

 

وعلى فك الارتباط بني قرار الذهاب إلى مؤتمر مدريد وما نشأ عنه من توقيع اتفاقية سلام مع "إسرائيل". وبهذا فإن الاتفاقية تبقى غير دستورية لأنها نتاج عملية غير دستورية من أساسها. وبالتالي لا يحق للأردن إعلان انتهاء حالة العداء بينه وبين "إسرائيل" لأن "إسرائيل" ما زالت تحتل أراضي أردنية، من بينها القدس والأقصى. والعدوان المزمع على الأقصى، يعتبر عدواناً على مقدسات في أرض أردنية. وهذا الاحتلال والعدوان المتجدد على الأقصى يلزم الأردن بوقف التطبيع (بررت الحكومة الأردنية التطبيع بزوال حالة العداء) مع "إسرائيل"، بل وبالتصدي لها بكل الوسائل الأخرى الممكنة، باعتبار الأردن هو الدولة المستهدفة أراضيه ومقدساته بعدوان مباشر الآن. وهذه تظل مسؤولية الأردن وواجبه حتى قيام دولة فلسطينية ذات حدود وسيادة كاملة على الأرض، معترف بها في الأمم المتحدة.

 

ومما يؤكد هذه المسؤولية عن القدس والأماكن المقدسة بشكل خاص، أن قرار فك الارتباط استثني الأماكن المقدسة منه. أي أن الأردن كرر إعلان مسؤوليته عن المقدسات حتى وهو يعلن عدم مسؤوليته عن بقية أراضي الضفة المحتلة. وتبعاً لهذا الاستثناء، أبقيت مسؤولية وزارة الأوقاف والمقدسات مستمرة على مقدسات الضفة. ولكننا لا نريد أن يفهم من كلامنا التقريري هذا أي إقرار منا بأن الوزارة كانت تقوم بواجباتها على الوجه الأكمل، فهذا يعني تناقضاً مع أنفسنا، خاصة أنني شخصياً خضت معركة سياسية مع وزارة الأوقاف في شأن بعض الأوقاف التي كانت "إسرائيل" تستولي عليها بعد أن لجأ أصحاب الشأن ومحاموهم إلي، منها وقف الخالدية.

 

وفي اتفاقية وادي عربة، استمر الأردن في المطالبة بدور في المقدسات. فالمادة 9-2 من الاتفاقية تنص على أنه تحترم "إسرائيل" الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستعطي "إسرائيل" أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن. هذا النص حاولت الحكومة تفسيره حينها على أنه حرص وحفاظ على هذه المقدسات، وعاد المحسوبون عليها الآن لترديد أقوالها. ولكننا اعتبرناه اعترافاً وتسليماً غير مشروع (كونه يستبق نتائج المفاوضات التي لم تجر بعد بين "إسرائيل" والفلسطينيين) بحق "إسرائيل" في تلك الأماكن المحتلة يتيح لها إعطاء أو عدم إعطاء أولويات وأدوار لطرف ثالث.. وقد عرضنا لهذا بالتفصيل وفي سياق كافة بنود الاتفاقية ذات العلاقة في سلسلة مقالات نشرت في الراية بعنوان: هل يمر الوطن البديل من وادي عربة؟؟. وبالرغم من أية قراءة لنص المادة 9، فإننا نرحب الآن، كما كان يمكن أن نرحب منذ توقيع الاتفاقية، بقبول الحكومة الأردنية بتفسير الموالاة للمادة وتطبيقه بإجراءات حماية للمقدسات على الأرض، فالامتحان الآن منعقد كما لم يكن في أي وقت مضى، لأن ما يجري تهديده بالدمار هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، لا أقل.