|
القـدس.. وأولويـات قمة مكـة
بقلم: د. أحمد
يوسف القرعي
صحيفة الأهرام
10/12/2005
جاء انعقاد
القمة الاستثنائية لمنظمة المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة استجابة
لروح العصر وتحدياته الراهنة التي فرضت علي مختلف المنظمات الدولية
والقارية والإقليمية إعادة ترتيب وتحديث هياكلها التنظيمية وتفعيل
سبل تحقيق أهدافها، وكانت الأمم المتحدة أسبق المنظمات إدراكاً
لهذا واتضح هذا منذ قمة الألفية الثالثة عام 2000 وإن كانت حركة
الإصلاح بطيئة، وفي التوقيت نفسه استجابت منظمة الوحدة الأفريقية
لدعوة الإصلاح تحت مسمى جديد (الاتحاد الأفريقي)، ولحقت الجامعة
العربية نسبياً بموجة الإصلاح الإداري في السنوات الأخيرة أما
الاتحاد الأوروبي فكان له السبق في استحداث توسيع العضوية مع إقرار
دستور شامل جامع لا نظير له في أي منظمة أخرى. وها هي دعوة الإصلاح
تطول منظمة المؤتمر الإسلامي بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على
إنشائها في بداية السبعينات: وجاءت المبادرة من المملكة العربية
السعودية عندما دعت إلى القمة الطارئة في مكة المكرمة (7 - 8
ديسمبر الحالي) وهيأت للقمة كل سبل النجاح لتجديد رسالة المنظمة
وإدخال إصلاح جذري عليها وتكليفها بمهام جديدة.
* * *
ويبدو واضحاً
من قراءة وثائق قمة مكة الاستثنائية أن قضية القدس قد تصدرت قضايا
العالم الإسلامي وهذا شيء طبيعي فمنظمة المؤتمر الإسلامي تدين
بنشأتها ووجودها إلى قضية المدينة المقدسة منذ أن تعرض الحرم القدسي
الشريف لمحاولة إحراق من قبل "إسرائيل" في 21 أغسطس 1969 وهنا
برزت أهمية إنشاء منظمة إسلامية موحدة إثر هذا الحادث الأليم وكانت
قضية القدس وحماية المسجد الأقصى هي الشغل الشاغل لأول مؤتمر قمة
إسلامي عام 1969 بالرباط لمواجهة حادث الحريق وتداعياته، وكان من
الطبيعي أن ينص ميثاق المنظمة صراحة علي هدف تحرير القدس في سياق
الأهداف الاستراتيجية للمنظمة وكان من الطبيعي أيضاً أن تحظى قضية
القدس بقرارات عديدة في مختلف مؤتمرات المنظمة تأكيداً لعروبة القدس
كما استحدثت المنظمة آليات للتحرك الإسلامي على الساحة الدولية
بشأنها وفي مقدمتها لجنة القدس.
وجاء انعقاد
قمة مكة المكرمة الاستثنائية وعروبة القدس تتعرض لأخطر تحديات شهدتها
منذ احتلالها عام 1967 وكانت استجابة القمة قوية في مواجهة تلك
التحديات حيث أكد المؤتمر أهمية قضية فلسطين باعتبارها القضية
المركزية للأمة الإسلامية وأعاد المؤتمر تأكيده على أنه يجب بذل
الجهود من أجل استعادة مدينة القدس والحفاظ على طابعها الإسلامي
والتاريخي وتوفير الموارد الضرورية للحفاظ على المسجد الأقصى وباقي
الأماكن المقدسة وحمايتها والتصدي لسياسة تهويد المدينة المقدسة،
ودعم المؤسسات الفلسطينية فيها، وإنشاء جامعة الأقصى في مدينة
القدس. كما دعت القمة إلى دعم صندوق القدس بحيث يسهم فيه كل مسلم
بدولار واحد إلى جانب مساهمة الدول الأعضاء للحفاظ على المقدسات في
مدينة القدس وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، والمحافظة على
المعالم الحضارية والتاريخية في المدينة المقدسة وعلى طابعها
الإسلامي والعربي وتعزيز صمود أهلها لتعود مدينة للتعايش والتسامح
عاصمة لدولة فلسطين، كما أكد المؤتمر العمل مع المجتمع الدولي من
أجل حمل "إسرائيل" على وقف الاستيطان وتفكيك المستوطنات في الأراضي
الفلسطينية المحتلة، وكذلك وقف بناء الجدار وإزالة الجزء القائم
منه وفقاً للفتوى القانونية لمحكمة العدل الدولية.
* * *
ومع تقديرنا
لاهتمامات القمم الإسلامية بقضية القدس، حيث تحظى بمقدمة أجندة
الأولويات إلا أن القضية تتطلب دفعة أقوى مع الروح الجديدة التي سادت
أجواء قمة مكة التي دشنت أولى سبل الإصلاح الهيكلي والإداري للمنظمة
واستحدثت وثيقة عمل جديدة وهنا يمكن اقتراح ما يلي:
أولاً:
بشأن قضية القدس - في المقام الأول - فإنها مع شراسة التحديات التي
تواجهها اليوم لا تستطيع انتظار انعقاد القمة الإسلامية العادية كل
ثلاث سنوات وهذا يعني أن قضية القدس تتطلب عاجلاً قمة إسلامية
استثنائية أخرى تعنى بالقضية أي أن تكون القدس هي القضية الوحيدة
المطروحة للمناقشة. وهذا المطلب شيء طبيعي فمنظمة المؤتمر الإسلامي
كما سبقت الإشارة تدين بوجودها إلى قضية القدس وكانت القضية هي البند
الوحيد أمام أول قمة إسلامية (بالرباط) عام 1969 إثر وقوع
جريمة الحريق.
ثانياً: في
سياق الدعوة إلى انعقاد قمة إسلامية استثنائية بين حين وآخر لقضية
القدس تبدو أهمية تعيين 57 وزيراً لشئون القدس (بعدد الدول
الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي ومن بينهم الـ22 دولة عربية)
وكنت أود أن يصدر مثل هذا القرار من قمة مكة بتكليف كل دولة عضو بهذا
على أن تصدر قرارات تعيين الـ57 وزيراً لشئون القدس في توقيت واحد
أو توقيت متقارب. لأن مثل هذه الخطوة من شأنها لفت أنظار العالم
كله إلى أن قضية القدس ليست قضية فلسطينية فحسب إنما هي قضية عربية
إسلامية تمتد على جبهة عريضة من العالم العربي الإسلامي يمتد من
جاكرتا شرقاً إلى طنجة غرباًً.
ثالثاًً:
وفي مجال التحرك الدبلوماسي الإسلامي المطلوب على المستوى الدولي من
أجل إنقاذ القدس يبدو واضحاً أهمية إعادة تشكيل لجنة القدس التابعة
لمنظمة المؤتمر الإسلامي منذ عام 1975 لتكون على مستوى رئاسي بدلاً
من وزراء الخارجية وأن تكون اللجنة في حالة انعقاد دائم أو شبه دائم
بالتحرك والتشاور المستمر فيما بين أعضائها والقيام بزيارات جماعية
من قبل الملوك والرؤساء الأعضاء باللجنة للعواصم الدولية الكبرى ذات
الثقل السياسي المؤثر.
ولاشك في أن
إعادة تشكيل اللجنة على مستوى القمة بدلاً من وزراء الخارجية من شأنه
استحداث آلية إسلامية لديها القدرة على صنع القرار والتحرك السريع
دون انتظار للقمة الإسلامية التي لا تعقد إلا مرة واحدة كل ثلاث
سنوات كما سبقت الإشارة.
رابعاً:
ومع تقديرنا لدعوة منتدى العلماء والمفكرين المسلمين وكذا لجنة
الشخصيات البارزة للتحضير لقمة مكة المكرمة.. فما أحوجنا أيضاً إلى
دعوة الفقهاء ورجال القانون العرب والمسلمين إلى مؤتمر دائم لا ينفض
إلا بصياغة وثيقة الدفاع عن القدس على أن تترجم تلك الوثيقة بمختلف
اللغات الحية وتكون سنداً للخطاب السياسي والإعلامي العربي
والإسلامي. كما يمكن دعوة مؤتمر دولي واسع النطاق لمناقشة تلك
الوثيقة التي لا تكتفي بالرد على مزاعم أرييل شارون فحسب وإنما تؤصل
الحق العربي الثابت في القدس من وقائع تاريخ يمتد إلى خمسة آلاف عام
ومن واقع قرارات الشرعية الدولية.
* * *
وأخيراً..
فإن نجاح قمة مكة الاستثنائية يشكل إحياء للمنظمة ودورها المنوط بها
دفاعاً عن قضية القضايا العربية الإسلامية ولعل القمة العادية
القادمة للمنظمة تضع النقاط فوق الحروف لتفعيل مستجدات العمل
الإسلامي الذي أوردته وثائق المؤتمر.
|