الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

استرداد الأملاك العربية في القدس

 

إلياس سحّاب

صحيفة الخليج الإماراتية 9/5/2005

 

منذ فترة طويلة لم أحمل القلم لكتابة مقال عن فلسطين (وما أكثر ما تدفعني الأحداث لذلك) إلا وارتفعت موجة الأسى داخلي، حتى تكاد تخنقني.

 

ومع كل محاولات التفاؤل، كانت أخبار فلسطين المحتلة تحت شراسة وشراهة القضم "الإسرائيلي" لفلسطين كلها، وأخبار الانسحاب العربي الكامل من توجيه أي ضغط إقليمي أو دولي حقيقي باتجاه إجبار "إسرائيل" على إنهاء الاحتلال، وإجبار المحافل الدولية التي يتساوى بعضها مع الأنظمة العربية في التخاذل عن توجيه أي ضغط على "إسرائيل"، ويندفع بعضها الآخر (خاصة القوة الدولية العظمى في أمريكا) باتجاه دعم "إسرائيل" في كل ما يشجعها على الاستيلاء الكامل على أرض فلسطين وشعبها، كل هذه الأخبار كانت تقفل أمامي (وأمام الجميع على أي حال) أي كوة ولو صغيرة للتفاؤل، فالحقيقة أن أرض فلسطين المحتلة لم يكن فيها منذ سنوات ما يدعو للأمل بالمستقبل، سوى صمود عرب فلسطين رغم كل شيء، شوكة في حلق الاحتلال "الإسرائيلي"، وحاجزاً وحيداً متبقياً في وجه التصفية التامة لقضية فلسطين.

 

هذا حال ليس القارئ بحاجة إلى من يبلغه أنه مستمر منذ سنوات. سوى أن أخبار القدس ورام الله، في الأيام الأخيرة، حملت خبراً يدعو إلى التفاؤل، بكل موضوعية وواقعية. هو خبر اقتراب الطائفة المسيحية الأرثوذكسية العربية من استعادة السيطرة، بعد قرون، على ما تبقى من أملاكها في القدس العربية ومحيطها، قبل أن يؤدي الفساد المستشري في كل مكان من العالم، إلى ابتلاع ما تبقى منها، وإكمال عملية تهويد القدس العربية.

 

ومسألة استيلاء الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على الأرض الفلسطينية مأساة قديمة، بدايتها (لمن لا يعرف، ولمن نسي، أو لمن يفضل أن يتناسى)، أنه برغم محاولات الاستعمار البريطاني في فلسطين أن يمرر للمشروع الصهيوني أقصى ما يمكن من مساحة من الأراضي الفلسطينية، عن طريق البيع أو الضغط أو الهبة أو السرقة أو الاستيلاء، فإن كل ما كان يملكه اليهود رسمياً من أراض في فلسطين عند الانسحاب البريطاني في العام 1948، تمهيداً لتأسيس "دولة إسرائيل"، لم يكن يتجاوز الستة والنصف في المائة.

غير أن قصة الأراضي العربية في القسم العربي من القدس، هي الذروة في هذه المأساة.

فمنذ أن وقعت القدس العربية بأيدي "إسرائيل" في يونيو/ حزيران من العام 1967، بدأت "إسرائيل" فوراً تنفيذ خطط الاستيلاء التدريجي عليها، وهي خطط متشعبة تغطي كل العناصر التي تكوّن عروبة القدس، ومنها طبعا عنصر الأرض.

ويتصدر أهداف "إسرائيل" المتعددة من الاستيلاء على أراضي القدس العربية، ثلاثة أهداف أساسية:

 

- توحيد القدس تحت الاحتلال تحقيقاً للحلم الصهيوني بجعلها عاصمة أبدية لـ"إسرائيل".

 

- حرمان العرب من تحويل القسم العربي من القدس إلى عاصمة لدولة فلسطين، إذا تطورت الظروف بهذا الاتجاه.

 

- توسيع القدس بالمستعمرات اليهودية، حتى تتحول إلى امتداد يهودي في عمق الضفة الغربية، وإلى حاجز صهيوني يقطع أوصال البلدات العربية في الضفة، مما يجعل الدويلة الفلسطينية، إذا قامت، مقطعة الأوصال.

 

وفي إطار هذه الخطة المتشعبة التفاصيل، بما لا يتسع له هذا المقال، فإن الوكالة اليهودية، حتى من قبل إقامة "إسرائيل" بعقود طويلة، بدأت تستغل سيطرة رجال الاكليروس اليونانيين على الشؤون الرعائية للعرب من أبناء الطائفة المسيحية الأرثوذكسية، في محاولة للعثور على ثغرات الفساد في هذه السلطة، لإغرائها بالأموال الطائلة للتنازل عن أملاك الأرثوذكس العرب، التي تقع كلها في مواقع استراتيجية وتاريخية في  القدس العربية، والتي تعتبر ملكاً لأوقاف الكنيسة التي لا يبيح القانون التصرف بها.

 

وبالفعل، فقد تمكنت الوكالة اليهودية، من قبل تأسيس "إسرائيل"، من الاستيلاء على بعض هذه الأملاك، وهذه قضية قديمة أثارها كثيراً في كتاباته أديب فلسطين الكبير خليل السكاكيني، دون جدوى. غير أن الأمر بدأ يتحول إلى كارثة حقيقية بعد احتلال 1967، فأصبح ل "إسرائيل" سلطتان: سلطة المال، وسلطة الاحتلال.

 

وبالفعل نجح الاحتلال "الإسرائيلي" منذ 1967 بالاستيلاء على مساحات استراتيجية خطيرة حولها كلها إلى مستوطنات، فصل بعضها بين القدس وبيت لحم. وكانت آخر حلقات هذه المأساة الكشف عن عملية فساد كبرى في الأملاك العقارية الكنسية التي يسيطر بواسطتها بطريرك يوناني، على أملاك وأوقاف الطائفة الأرثوذكسية العربية، بيعت فيها لجمعيات صهيونية متشددة، أملاك الأوقاف الأرثوذكسية التي تغطي كامل شارع عمر بن الخطاب.

 

أهم ما في التفاعلات الجادة التي أطلقتها هذه الفضيحة الجديدة، أن القيادات الدينية في الطائفة المسيحية الأرثوذكسية العربية، استعادت حلماً قديماً طالما بذلت المحاولات المتكررة لتحقيقه، وهو حلم الفصل بين الرابط الديني بين اليونان والروس وبعض المسيحيين العرب، في المعتقد المسيحي الأرثوذكسي من جهة، وبين سيطرة العرب الأرثوذكس على أملاكهم، في فلسطين المحتلة، وخاصة في القدس، من جهة ثانية.

 

الخبر الذي اعتبرته في مطلع المقال نادراً في إيجابيته، هو نجاح المساعي أخيراً في قيام الجسم الأرثوذكسي العربي في فلسطين، تحت راية "جمعية القبر المقدس"، بصياغة مذكرة تحمل تواقيع وجهاء الطائفة وعدد كبير من المطارنة والأساقفة، تعزل البطريرك اليوناني المسؤول (ايرينيوس) من منصبه، وتكلف محامي الأملاك الكنسية بإلغاء قانوني لكل الصفقات المشبوهة التي تمت في السر، ولم تستكمل بعد كل إجراءاتها القانونية.

 

طبعاً، لم يكتمل العنصر الإيجابي من الخبر حتى  نهاياته، فما زال مطلوباً التغطية القانونية الرسمية التي تمنح دولة الأردن سلطة سياسية في مثل هذه الأمور، غير أن وصول الأمور إلى هذا الحد من التأزم، ونجاح الجسم المدني والجسم الكنسي في الطائفة الأرثوذكسية العربية في التماسك بهذا الشكل في مواجهة الفساد، يبشر بالخير.

ولعلها تكون أول معركة رابحة منذ العام 1967، لوقف زحف سرطان الاحتلال "الإسرائيلي" في جسد الوطن الفلسطيني العربي.