الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

القـدس لنـا إلى الأبـــد

 

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

صحيفة أخبار الخليج البحرينية 10/7/2005

 

إياك عزيزي القارئ أن تظن حين تقرأ هذا العنوان أن هذا شعار رفعه بعض الحكام العرب أو المسلمين تعبيراً عن ولائهم لقضية القضايا، وهي قضية فلسطين، أو أن حاكماً عربياً واحداً على الأقل أخذته النخوة العربية وأحس بتأنيب الضمير مما يسمع ويشاهد على شاشات الفضائيات من إهانة للمقدسات، وقتل وتدمير لكل مظهر من مظاهر الحياة ابتداء بالإنسان وانتهاء بالأرض الزراعية واقتلاع أشجار الزيتون المعمرة التي اشتهرت بها أرض فلسطين الغالية.

 

أرجو ألا يذهب بك الخيال إلى مسافات بعيدة وتظن مجرد ظن أن الحياة قد عادت إلى القلوب الميتة التي طال سباتها وسدرت في غيها ونسيت المسئوليات العظام التي وضعها الحق تبارك وتعالى في أعناق المسلمين. أرجو ألا يشتط بك الخيال إلى هذه الدرجة، فمازالت قضية فلسطين عند الحكام العرب تشكل قضية هامشية لا تتحرك من أجلها الجيوش، ولا يغضب الحكام حين تتعرض للإهانة والتدمير، فهي ليست قضيتهم، وليسوا هم المعنيون بها، وكأن سورة الإسراء التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتوثق العلاقة مع هذا المكان المقدس، وتدخل فلسطين وما حولها ضمن المقدسات الإسلامية الواجب المحافظة عليها والدفاع عنها، ورد أي اعتداء تتعرض له، كما فعل الفاروق رضي الله عنه، وفعل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، وكأن هذه السور لم تنزل.

 

إن شعار "القدس لنا إلى الأبد" ليس من بنات أفكار حاكم عربي أو مسلم، بل هو شعار رفعه شارون رئيس وزراء العدو الصهيوني ليعلن بذلك سياسته التي لن يحيذ عنها، ويرسم الاستراتيجية التي يعمل هو وحكومته بل شعبه من أجل تحقيقها وتحويلها إلى واقع على الأرض يدحض كل حجة لأصحاب الحق الشرعيين.

 

إن استعادة فلسطين من أيدي أعداء الإنسانية من الصهيونيين والصليبيين فرض وواجب على المسلمين جميعاً أداؤه والتمسك به، ولن يقبل الله تعالى منهم أي عذر يعتذرون به، فهم يملكون من المال والسلاح والعدد ما يمكنهم من تحقيق آمال الأمة المعقودة عليهم، وهم إذا استنفروا المسلمين للدفاع عن هذا المكان المقدس فسوف يتداعى المسلمون من كل مكان نصرة لدينهم وحماية لمقدساتهم.

 

العجز ليس في الشعوب، والزهد في تحرير فلسطين واستعادتها إلى شقيقيها الإسلاميين المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف من شيمة المسلمين شعوباً، إنما العجز والزهد في تحرير الأرض والمحافظة على العرض هي في الحكام العرب والمسلمين، الذين قيدوا قرارهم السياسي وإرادتهم الحرة بالمواثيق والعهود التي تضمن لهم دوام استمرارهم في السلطة، وديمومة الكراسي لهم حتى ولو كان الثمن الأرض والعرض وكرامة الأمة.

 

إن دوام الحال من المحال هذه حقيقة يجب أن يعيها الحكام العرب، وأن تكون شعارهم في المرحلة القادمة، فالغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ليس لهم صداقات دائمة، ولكن لهم مصالح دائمة، فأينما تكن المصلحة يكونوا معها، وليس من طبيعة الدول التي تسعى لاهثة وراء مصالحها المادية، وتدوس على القوانين والمبادئ والأخلاق من أجل تحقيقها ليس من طبيعة دولة أو دول هذا شأنها أن تضمر المودة لمن بيدهم هذه المصالح.

 

لقد كشفت الأحداث صدق هذه القضية، فعندما كانت أمريكا في حاجة إلى نفط العرب كانت تجامل المملكة العربية السعودية، وكانت تصبر على أفعال صدام مع أنها كانت تنتقدها صباح مساء، ولكنها عندما احتلت منابع النفط في حرب الخليج الثانية في الكويت والسعودية، واحتلت منابع النفط في العراق في حرب الخليج الثالثة حين دخلت العراق بحجة واهية هي أسلحة الدمار الشامل مع أن تقارير المفتشين الدوليين قبل دخول أمريكا العراق أكدت عدم وجود مثل هذه الأسلحة التي اتخذتها أمريكا حجة لغزو العراق فقد تبين للعالم كله أنه لا يوجد في العراق أسلحة دمار شامل، وبشكل هزلي سخيف قالت أمريكا عندما دخلت العراق وبحثت تحت كل حجر فلم تجد أسلحة للدمار الشامل وادعت بشكل فاضح أن صداماً نقل هذه الأسلحة إلى سوريا وهي مقدمة مكشوفة لغزو سوريا التي حتى هذه اللحظة لم تشترك في مؤامرة السلام العربي - الإسرائيلي وكأن أسلحة الدمار الشامل مجرد حقيبة من نوع "سمسونات" يحملها رجل أعمال عراقي إلى سوريا دون أن يخضع لنقاط التفتيش.

 

بهذا الأسلوب الساخر السخيف تتعامل أمريكا مع قضية من أخطر القضايا، وتتلاعب بمصير الشعوب، وتبني قرارات الحرب والسلام على مثل هذه المعطيات التي يأبى الإنسان العادي أن يجعلها حيثيات لقرار يتخذه من أجل سلامة أسرته الصغيرة.

لقد هان الله - تعالى عن ذلك علواً كبيراً - فلم نوقره سبحانه حق توقيره، ولم نعظم من شأنه سبحانه التعظيم الذي يستحقه كإله واحد لا شريك له، بيده مقاليد الأمور كلها، وأمره ونهيه بين "الكاف والنون" عندها هنا على الناس جميعاً، وتحقق فينا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قيل: أومن قلة بنا يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل إنكم يومئذ كثيرون ولكنكم غثاء كغثاء السيل وقد نزل بكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" (أبوداود).

 

هذا هو حال الأمة الذي آلت إليه فاستخف بهم أحط الناس قدراً، وأضعفهم جنداً، ولنتأمل قولة سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه للقائد الروماني حين قال له: "لقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة". وهذا الأنموذج يجسده هذه الأيام أطفال الانتفاضة وشبابها وشاباتها، لهذا فشلت الدولة الصهيونية في تحقيق الأمن لشعبها لأنها وكما قال أحد الصحفيين الإنجليز في صحيفة "الاندبندنت" (إن "إسرائيل" تواجه شعباً لا يخاف).