|
مسرى النبي وموطن العهدة العمرية
بقلم: د.
عبدالله التطاوي- نائب رئيس جامعة القاهرة
صحيفة الأهرام
28/6/2005
لو لم يكن
للقدس الشريف في حركة التاريخ سوى هاتين النسبتين لكفاه مهابة ومنزلة
أن يظل من أشرف بقاع الأرض التي تشد إليها الرحال، بما يوجب الذود
عنها في مقاصد تحريرها من أي من صور الدنس، أو محاولة الامتهان
التي تمس شيئاً من عروبتها وقداستها الإسلامية والمسيحية على توالي
حقب الزمان ومر الدهور.
شرفها الله
بأن تكون الملتقى الديني الوحيد لأسرة أنبيائه الكرام - عليهم السلام
- ممن أرسلهم رحمة للعالمين مبشرين ومنذرين لإخراج البشرية من غياهب
الظلام إلى نور اليقين الذي تماثلت حوله الثوابت والأصول، والتقت
حوله المقدسات والرموز، فتفرد المكان بشرف اللقاء على كلمة سواء،
كما شرف بإمامة المصطفى عليه الصلاة والسلام لإخوانه المرسلين، ثم
حواره معهم حول الفروض الدينية والتكاليف والعبادات التي سارت عليها
أمته في طريق الحق والرشاد.
شرفها الله
لأن كانت أولى القبلتين، لتظل ثالث الحرمين وأقدس البقاع وأطهرها
بعدهما، فظلت شامخة سامقة، تتحدى بقيمتها وقامتها كل محاولات
الطغيان والظلم على مدى فترات متباينة من عمر الزمان كانت خلالها
موضعاً للطامعين والأشرار، وظلت موضع اختبار لأهلها من المجاهدين
الأخيار ممن بذلوا في سبيل تحريرها السمين قبل الغث، والأرواح قبل
الأبدان، فكان سجلهم حولها حافلاً بالانتصارات التي لم تأت إلا من
حصاد المكابرة والصبر والجلد والمثابرة والإصرار علي نصرة الحق دون
سواه.
عزيزة عاشت
القدس ما ذاد عنها القوم، وهم يعتزون برموزهم الدينية التي دشنها
الفاروق - رضي الله عنه - بالعهدة العمرية، التي أمنت إخوان الأمة
من النصارى على عباداتهم وكنائسهم وصلبانهم وضمنت لهم الهدوء والأمن
في إقامة شعائرهم فكانت النظرة السامية في حوار الأديان، وجمع
الأشقاء والأصفياء بما ينطوي عليه الأمر من التوحد الإنساني رفيع
المستوى بكل ما يعكسه من مبادئ الإخاء والمساواة، وما ينطق به من
وحدة الربوبية والألوهية، والتقاء العباد على طاعة الخالق سبحانه
وإقامة شعائره في الأرض المقدسة الآمنة.
ولو لم يكن
للقدس الشريف سوى ما شهده حفل افتتاح الندوة الدولية الأخيرة لتوثيق
عروبة القدس من مصادرها التاريخية لكفاه شرفاً أنه ظل شاخصاً في ضمير
القوم، باعثاً فيهم كل صور الجسارة والشجاعة للتنادي بضرورة البحث
عن طوق النجاة ماثلاً في توحد الأمة ضد كل مزايدات الطغاة،
ومحاولات التلاعب بحقائق التاريخ التي تظل شاهدة للحق على حساب زيف
الباطل وإن طال مداه!
كانت الندوة
الدولية بمثابة صحوة طيبة على أرض الكنانة الطاهرة وفي بيت العرب
الأصيل، ومن خلال دار الكتب والوثائق المصرية العريقة في مشاركة
فاعلة مع وزارة الشئون الدينية والأوقاف الفلسطينية ومؤسسة إحياء
التراث والبحوث الإسلامية بالقدس، حيث دفعت المصائب المصابين إلى
التلاقي الوجداني والعقلي على كلمة سواء، تجلى معيارها في ومضة
البحث عن آليات الخلاص، وتحرير البلدة القديمة مما يراد لها من
تدمير، وتحرير الأقصى المبارك من كل مؤامرات الخبث ومحاولات
التدنيس وطمس الهوية العربية الإسلامية للقدس، ومحاولة إيقاف
تداعيات صيغ العدوان المتجدد عليها عبر محاولات تهويد المدينة
المقدسة!!
الاحتكام إلى
التاريخ ومنطق العقل والرشاد، ومحاولة إيقاظ ضمير العالم بحثاً عن
الشرعية اعتماداً على شواهد الحق في ظل سيادة منطق القوة والطغيان
مطلب أساسي للمكاشفة وتعزيز تجليات الحق أيا كان أمد الباطل الذي
لابد أن يعرف سبيله إلى السقوط والانتهاء.
الاحتكام إلى
التاريخ لا يعني ضرباً من الاستكانة ولا نذيراً بالخمول بقدر ما
يستدعيه من تقوية العزائم، وتنشيط الهمم، وتعظيم دوافع اليقظة
العربية التي شخصت في رموز الحضور من كل البلاد العربية والإسلامية
في محاولات صادقة وجادة لإعادة قراءة الواقع بكل رداءته وقبحه وسوئه
وسلبياته ومحاولة الاندفاع إلى رسم صورة المستقبل في ظل منطق الحتم
التاريخي الذي يفرض على الأمة أن تتجاوز مرحلة التشرذم والتشتت
والانقسام العارض، للدخول في مرحلة التكتل التي تفرضها الفترة بكل
تداعياتها، على نحو ما تجسده تجارب الأمم والشعوب في السياق
العصري، فليس ثمة خيار بديل لطلب توحد أممي في مواجهة التكتلات،
وهو التوحد الواجب في مواجهة الانتهاكات وامتهان الحرمات، ومحاولة
المساس بالمقدسات، أو استغلال الفترة لترويج المغالطات التي تكشفها
فعاليات مثل هذه الندوة التي جاءت موفقة زماناً ومكاناً توفيقها
علماً ومنهاجاً بما قد يعيد الإنسانية إلى صوابها، والحق إلى أهله
ومنازله وذويه ونصابه.
تبقي القدس
أعلى من مستوى ندوة ولو دولية، والصحيح أن تتحول الندوة إلى مدخل
لمؤتمر دولي موسع ومشروع عالمي أكثر رحابة وانفتاحاً، لعله يحقق
للإنسانية ما نتمناه من السلام والتنمية في سياق عادل يكون الأساس
فيه الأخذ بصحيح التاريخ وتجاوز الزائف منه، والأساس الآخر في
اللجوء إلى التحكيم من خلال الوثائق التاريخية والاحتكام إلى النصوص
المؤكدة لعروبة القدس وإسلاميتها ولو كره ذلك خصوم الحضارة وأدعياء
السلام.
|