الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

تقرير "فريق الأزمات الدولي"

نقطة الصفر في... القدس

رنده حيدر

صحيفة النهار اللبنانية 12/9/2005

 

أصدرت مجموعة "إنترناشونال كرايسز غروب" (International Crises Group) وهي منظمة مستقلة غير ربحية متعددة الجنسية مركزها  بروكسل، تقريراً في شهر آب الماضي بعنوان "القدس... برميل بارود" عرضت فيه الأخطار المحدقة بمستقبل مدينة القدس والتي تهدد جدياً إمكانية قيام دولة فلسطينية جنباً إلى جنب مع دولة "إسرائيل" في حال استمرت الحكومة الإسرائيلية الحالية في تنفيذ أعمال البناء في المناطق المتاخمة لمستوطنة معاليه أدوميم بهدف ربطها بمدينة القدس واستكمال أعمال البناء في جدار الفصل بصورة تصبح فيها كل كتل المستوطنات الإسرائيلية الكبرى في الضفة داخل "إسرائيل".

 

تقوم أهمية التقرير على استناده بصورة إساسية على العمل الميداني وعلى كمية شهادات ومقابلات أجراها مندوبو المجموعة مع مسؤولين ومواطنين إسرائيليين وفلسطينيين وليس فقط على عمل أرشيفي وبعد العودة إلى المصادر الأساسية في هذا الشأن.

وجمع التقرير بين العمل التأريخي لا سيما في الفصلين الأول والثاني حيث جرى استعراض تاريخ مدينة القدس وأهميتها لدى الأديان الثلاثة ثم كيفية التعاطي مع موضوع مستقبل المدينة في المفاوضات السياسية التي جرت بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني أثناء المفاوضات السياسية؛ إلى جانب العمل التحليلي الذي ظهر بصورة واضحة في الفصل الثالث الذي تناول النتائج والمضاعفات السياسية لتطورات موضوع القدس على المكانة السياسية لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والتهديدات الناتجة عن ذلك على الحل الدائم للنزاع وعلى "إسرائيل" في آن معاً.

 

هذا إلى جانب التوصيات التي توصل إليها واضعو التقرير والتي وجهوها إلى الحكومة الإسرائيلية والى حكومة الولايات المتحدة وأعضاء اللجنة الرباعية وعكست إلى حد ما موقف المجموعة الذي يدعو الحكومة الإسرائيلية بحزم إلى وقف البناء في المستوطنات كما نصت عليه خريطة الطريق والامتناع عن بناء أية مستوطنة أو أحياء يهودية في القدس الشرقية وعدم توسيع مستوطنة معاليه أدوميم، ومراعاة ألا يتعارض مسار جدار الفصل مع القانون الدولي وألا يمر خارج حدود 1967 وألا يخلق حقائق سياسية جديدة على الأرض من شأنها تغيير الوضع النهائي لمدينة القدس.

أما من أهم التوصيات التي توجهها المجموعة إلى اللجنة الرباعية فيمكن تلخيصها بضرورة استمرار الضغط الدولي على "إسرائيل" لاحترام تجميد البناء في المستوطنات وعدم المساس بوضع مدينة القدس.

صدور التقرير في هذا الوقت بالذات أي بعد تنفيذ خطة فك الارتباط في غزة يكتسب دلالة خاصة لأنه يحاول أن يلفت انتباه الرأي العام الدولي إلى محاولات أرييل شارون توظيف التأييد الدولي الذي حصده بعد انسحابه من غزة من أجل تسجيل وقائع جديدة على الأرض ذات صلة بمستقبل مدينة القدس وحدود الدولة الفلسطينية العتيدة. 

 

ولقد أوضحت خلاصة التقرير ذلك فقد جاء فيها: "لأسباب يمكن فهمها اختار المجتمع الدولي التركيز على الانسحاب من غزة على حساب كل شيء آخر يتعلق بالساحة الإسرائيلية الفلسطينية. وظلت الولايات المتحدة على وجه الخصوص متلكئة جداً في انتقاد سياسات رئيس الوزراء شارون بينما هو يجازف كثيراً سياسياً وشخصياً ويواجه تهديداً جاداً من اليمين. وعلى الرغم من تفهم هذا الموقف إلا أنه موقف قصير النظر ومحفوف بالمخاطر. فلقد كانت القدس وستبقى برميل بارود".

 

ويعدد واضعو التقرير الأسباب التي ستشكل حتماً سبباً لتفجير هذا "البرميل" وهي: بناء الجدار حول مدينة  القدس بصورة يمتد فيها إلى عمق الضفة الغربية، توسيع المستوطنات القديمة وبناء الجديد منها، محاولات ربط معاليه أدوميم بإحكام أكبر بالقدس، هدم البيوت في القدس الشرقية، فصل حوالي 20000 فلسطيني عن بيئتهم الطبيعية، بحيث يخسر الفلسطينيون القدس الشرقية كعاصمة متجانسة متماسكة وقادرة على الاستمرار.

المهمة الأساسية التي ركز عليها واضعو التقرير هي تنبيه الرأي العام الدولي والمسؤولين إلى ضرورة عدم السكوت أو التساهل مع أي مسعى "إسرائيلي" جديد يرمي إلى معاودة البناء في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وتغيير وضع مدينة القدس.

 

ومما يعطي قيمة خاصة لهذه التحذيرات والتنبيهات أنها لا تصدر عن جهات عربية  ولا انطلاقاً من دوافع أيديولوجية بقدر ما تأتي عن جهة دولية احترافية مثل "كرايسز غروب"  يتولى فيها مسؤوليات مختلفة عدد من الشخصيات ذات التاريخ في العمل الديبلوماسي والسياسي، ومن جنسيات مختلفة بينها شخصيات إسرائيلية مثل ايتمار رابينوفيتس وزير خارجية "إسرائيل" أثناء المفاوضات مع سوريا.

 

يتوقع التقرير أن تكون  المرحلة المقبلة من النزاع مرحلة جمود سياسي وشلل ديبلوماسي لا سيما في ظل التخوف من الفوضى التي قد تثيرها الخلافات بين "فتح" و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" والنزاعات السياسية في الانتخابات النيابية الفلسطينية التي من المنتظر أن تجري في 20 كانون الثاني المقبل. إلى جانب الصعوبات التي يواجهها أرييل شارون داخل حزبه واحتمال خسارته رئاسة الحزب والدعوة إلى انتخابات مبكرة في "إسرائيل" مما سيجعل عام 2006 عام الانتظار فتفقد العملية السلمية في المنطقة الكثير من زخمها، وفي حال استغلت الحكومة الإسرائيلية الوقت لاستكمال أعمال البناء في المستوطنات وتوسيعها وإفراغ القدس الشرقية من سكانها وقطع الواصل السكاني والجغرافي بين الفلسطينيين من سكان الضفة وغزة والقدس الشرقية فمعنى ذلك العودة بالنزاع من جديد إلى نقطة الصفر.