الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة


الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة تستهدف
تهديد الأماكن المقدسة والتضييق على المسلمين والمسيحيين

هناك نقاط مراقبة وتفتيش في غزة والضفة الغربية تذكرنا بالمعازل التي كانت في جنوب أفريقيا إبان الحكم العنصري ..
ندوة (ماذا لو أخفقت عملية السلام في الشرق الأوسط) تواصل أعمالها..

عمان – نيفين عبد الهادي

واصلت "ندوة ماذا لو أخفقت عملية السلام في الشرق الأوسط؟" للدورة الثانية لأكاديمية المملكة المغربية أعمالها في عمان أمس حيث ركز المشاركون خلال جلساتها على عدد من الموضوعات التي تتناول مسار العملية السلمية وتقديم مقترحاً حول تحقيق السلام إلى جانب دور حماية التراث التاريخي والثقافي لمدينة القدس في البحث عن السلام .

الجلسة الأولى

أحمد صدقي الدجاني

من جانبه تحدث عضو الأكاديمية المغربية السيد أحمد صدقي الدجاني حول أسباب إخفاق عملية سلام الشرق الأوسط والسبيل إلى السلام حيث تناول واقع عملية سلام الشرق الأوسط وحصادها فقال: من المناسب أن نبدأ الحديث عن هذا الواقع وهذا الحصاد برؤية مصمم العملية وراعيها الأمريكي لهما ولدينا على هذا الصعيد نص حديث جداً أدلى به وزير الخارجية الأمريكية في المؤتمر الاقتصادي لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يوم 12/11/1996 قال فيه إن الاحتفاظ بالواقع الحالي يمثل خطراً على المستقبل، وكل طرف يجب أن يعلم بذلك، ثم قال مشيراً إلى الحصاد (هناك مكاسب تاريخية يجب الحفاظ عليها، مكاسب تستطيع الأطراف البناء فوقها هناك اتفاقان تاريخيان بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وهناك محاولات لوضع حد للإرهاب هناك اتفاقية سلام بين إسرائيل والأردن، وسلسلة جديدة من الاتصالات الدبلوماسية والتجارية بين إسرائيل وجيرانها، وهناك فرصة لإحلال السلام الشامل الذي يعم سوريا ولبنان ويتعين تحقيق السلام في النهائية لكي تتمتع المنطقة بالأمن الحقيقي، كما أن الدعامة الأساسية للسلام ما زالت راسخة وتتمثل في معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، ويمكننا أن نرى إلى أي حد وصلنا إذا ما نظرنا إلى هذا المؤتمر الاقتصادي بالرغم من النكسات والشكوك التي صادفتنا في الأشهر الأخيرة .

وأضاف الدجاني أن الواضح من هذا النص أن الرؤية الأمريكية تستشعر "خطر الواقع الحالي" هي أيضاً تقر بوجود مناخ محيط بعملية التسوية مفعم بالشوك، وتعترف بحدوث نكسات ولكنها في الوقت نفسه تتحدث عن حصاد إيجابي لهذه العملية، وعن مكاسب تصفها بأنها "تاريخية" تحققت ويمكن البناء فوقها تتمثل بما أبرم من اتفاقات ومعاهدات، وبمحاولات لوضع حد للإرهاب، وهي تشير إلى "اغتيال رابين" وإلى "أعمال العنف الأخيرة" ولكنها تعتبر أن عملية السلام أبدت قدرتها على الصمود، لأن الفلسطينيين ملتزمون بمواصلة التفاوض وبالوفاء بما التزموا به من قبل على حد قول السيد كريستوفر وتعتقد أن الأطرف يمكن أن يتقدموا إلى أمام لتحقيق ما اتفق عليه في مدريد، وهكذا نجد الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تتجنب رؤية حقائق كثيرة في واقع عملية التسوية الجارية وترفض الاعتراف بالأزمة المستحكمة التي تعاني منها هذه العملية، الأمر الذي يعيق قيامها بمراجعة لها ومن هنا تأتي أهمية رؤية حقائق الواقع القائم التي تتجلى من خلالها أزمة العملية على صعد عدة .

وقال أن الأزمة تتجلى لهذه العملية بعد مضي خمس سنوات ونيف على الشروع فيها، على صعيد المفاوضات، وها نحن نرى اليوم التفاوض الذي هو جوهر هذه العملية متوقف منذ شهور على الصعيد الإسرائيلي السوري فيما يخص الجولان المحتل ولم يحدث الشروع فيه على الصعيد الإسرائيلي اللبناني فيما يخص جنوب لبنان المحتل وهو على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني مشغول بجزئية إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الخليل التي عمدت الحكومة الإسرائيلية السابقة بقيادة العمل إلى تأجيل تنفيذ الاتفاق الذي تم بشأنها ثم جاءت الحكومة الإسرائيلية الجديدة بقيادة الليكود لتطالب بتغيير الاتفاق واستتبع هذا التعثر في المفاوضات بشأن الخليل وقف تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في مناطق (ب،ج) من الضفة الغربية المحتلة، كما تأجل الموعد المحدد المتفق عليه للبحث في بنود الوضع النهائي وهي القدس واللاجئون والاستيطان والحدود.

وتابع السيد الدجاني حديثه: وتتجلى هذه الأزمة بشكل حاد على صعيد تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من خلال التفاوض، فالاتفاقات الإسرائيلية الفلسطينية التي أبرمت في واشنطن يوم 13/9/1993 ثم في القاهرة يوم 4/5/1994 ثم في واشنطن يوم 28/9/1995 شهدت مماطلة الطرف الإسرائيلي في تنفيذ بنود أساسية فيها وذلك منذ أعلن اسحق رابين رئيس الحكومة الإسرائيلية الذي وقعها بنفسه في وقت مبكر أنه لن يجري التقيد بالجدول الزمني المحدد للتنفيذ (فليس هناك موعد مقدس) وهكذا تأجل تنفيذ عدد من الأمور المتفق عليها .

كما تتجلى هذه الأزمة بشكل أكثر حدة في انتهاك الاتفاقات فيما يخص عدم فرض أمر واقع بشأن موضوعات المفاوضات النهائية فقد استمر الاستيطان الاستعماري الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ولا يزال مستمراً بدون إعلان أحياناً وبإعلان هادئ أحياناً في عهد حكومة العمل وبمجاهرة في عهد حكومة الليكود الحالية، واغتصاب القدس بتهديدها والعمل على إخراج أهلها العرب مسلمين ومسيحيين وتهديد الأماكن المقدسة قائم على قدم وساق وما قصة النفق في حرم المسجد الأقصى إلا مثل سبقه مثل الحرم الإبراهيمي ومثل عدد من الكنائس وما الإجراءات الأخيرة للتضييق على المسلمين والمسيحيين العرب أهل القدس إلا حلقة في سلسلة متصلة الحلقات تستهدف تهويد القدس الشرقية كما حدث عام 1948 مع القدس الغربية وأهلها والأماكن المقدسة فيها وأشهرها ضريح النبي داود .

وأضاف الدجاني: لعل أكثر مظاهر أزمة عملية التسوية الجارية حدة ما نراه على أرض الواقع من مضاعفاتها وتداعياتها فهذه العملية التي تحمل اسم "السلام" ويتكرر هذا اللفظ فيها مرات ومرات لم توقف "العنف" بل نفخت في أواره وصعدته ويكفي أن نشير إلى "جولدشتاين" ومذبحة الحرم الإبراهيمي فجر يوم جمعة رمضاني من عام 1414هـ- 25/2/1994م التي راح ضحيتها عشرات من الشهداء المصلين وإلى أمثالها من جرائم المستعمرين المستوطنين الصهاينة ضد مدنيين عرب عزل وقتلهم بالدم البارد لنستحضر "الإرهاب الصهيوني الاستيطاني" وأن نشير إلى مذبحة قانا التي أقدم عليها الجيش الإسرائيلي بأمر رسمي أثناء عدوان عملية "عناقيد الغضب" في ربيع عام 1996 إزاء مدنيين لبنانيين لجأوا إلى مقر تابع للأمم المتحدة في عهد حكومة العمل الإسرائيلية برئاسة شيمعون بيريز، وما أسرع أن تتداعى إلى الخاطر العملية التي قامت بها الحكومة الإسرائيلية برئاسة اسحق رابين في الأسبوع الأخير من شهر تموز (يوليو) 1993 ضد لبنان مستهدفة تهجير مائتي ألف لبناني واستمرت أسبوعاً بطوله بهدف القضاء على المقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان ويكفي أيضاً أن نشير على صعيد الممارسات الإسرائيلية الرسمية تجاه أبناء فلسطين في الأراضي المحتلة إلى ما يقوم به "حرس الحدود" من قتل جهراً وبدم بارد في ملاحقاتهم وإلى ما يقوم به زملاؤهم "المستعربون الذين يتخفون في ثياب عربية من قتل شباب الانتفاضة سراً وإلى ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من تعذيب للمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، لنستحضر "الإرهاب الإسرائيلي الصهيوني الرسمي" ونشير أخيراً إلى هذا الحصار المضروب على الشعب العربي الفلسطيني في الضفة والقطاع منذ 26/2/1996 لانتهاكه اقتصادياً وتجويعه وبالتالي صدور التقارير التي تبين مدى الإنهاك الاقتصادي الذي حدث في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، واتساع دائرة الفقر الذي يصل حد المسغبة والجوع بين الشعب العربي الفلسطيني فيها .

كما تطرق في معرض حديثه إلى الأرض والمياه فقال: حين نركز على الأرض والمياه ونحن نتعرف على حقائق الواقع القائم، لنرى ماذا تحقق على صعيدها مما وعدت عملية التسوية الجارية به من إنهاء الاحتلال في الأراضي المحتلة عام 1967 واسترجاع الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني ومنها حقه في مياه أرضه، يفاجئنا المنظر الذي نراه بما فيه من تعقيدات وأوضاع شاذة وتناقضات واحتلال لا يزال جاثماً على أكثر من 90% من الأرض ونهب لأكثر من 75% من المياه ونعود كي نستطيع لم شتات ما نراه والإحاطة بمنظر الواقع القائم إلى الخرائط التي تم توقيعها يوم إبرام اتفاقية غزة – أريحا في القاهرة في 4/5/1994 .

معازل الحكم العنصري

ومضى يقول أن أولى هذه الخرائط هي لقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية أي لحوالي 20% من مساحة فلسطين الجغرافية ومبين عليها القرى والمدن الفلسطينية التي يسكنها الفلسطينيون العرب مصنفة إلى قرى تضم أقل من ثلاثة آلاف نسمة وأخرى تضم بين ثلاثة آلاف وستة آلاف نسمة ومدن تضم أكثر من ستة آلاف نسمة، ومبين عليها أيضاً المستعمرات الاستيطانية الصهيونية مصنفة إلى مستعمرات قليلة السكان وأخرى مهمة (كذا !!) وثالثة ذات كثافة سكانية، ثم مبين على الخريطة الطرق الدائرية ونقاط مراقبة فلسطينية إسرائيلية للسيارات، وهذه الطرق مصنفة إلى طرق إسرائيلية وأخرى فلسطينية وأخيراً تبين الخريطة تنظيم الأراضي بعد توقيع الاتفاق الذي صنفها إلى أراضي حكم ذاتي تحدد بموجب اتفاق "أوسلو" عام 1993 وأراضي مناطق أ، ب، ج، التي يحددها اتفاق أوسلو (2). والأولى (أ) هي المدن كثيفة السكان يعاد انتشار القوات الإسرائيلية فيها لتدخل ضمن الحكم الذاتي الانتقالي المحدود للسلطة الفلسطينية. والثانية (ب) تدار إدارة مشتركة فلسطينية – إسرائيلية والثالثة (ج) يسيطر عليها الإسرائيليون. وهناك أراضي القدس الشرقية لا يشملها الاتفاق مؤقتاً وقد حددت بلون أبيض ونصل من المقارنة بين ما حددته هذه الخريطة المعتمدة وما نراه على أرض الواقع إلى أن الأراضي التي دخلت حتى اليوم في إطار الحكم الذاتي المحدود هي 60% من مساحة قطاع غزة البالغة 360كم2 و 75 كم2 في منطقة أريحا بالضفة الغربية وست مدن عربية هي جنين وطولكرم ونابلس وقلقيلية وبيت لحم دون الخليل ومساحة هذه جميعها لا تصل إلى 0,02% من مساحة الضفة الغربية عام 1967 وعليها حوالي مليون ونصف مليون نسمة من أبناء فلسطين ولا يستطيع هؤلاء ومليون آخرون من إخوانهم التصرف بأكثر من 20% من مياه هذه الأراضي المحتلة.

ولعل أكثر ما يلفتنا في الخريطة وتنفيذها على أرض الواقع خلال الأعوام الثلاثة التي مضت على توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 هو شبكة الطرق فقد تم شق مئات الكيلومترات من الطرق الدائرية في الضفة الغربية، تدور حول المستعمرات الاستيطانية الإسرائيلية ليستخدمها العرب في تنقلاتهم بين المدن والقرى وتصل بين هذه المستعمرات ليستخدمها المستوطنون الإسرائيليون وأقدمت الحكومة الإسرائيلية على مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي العربية وقلع آلاف الأشجار لهذا الغرض ونلاحظ على أرض الواقع أن الطريق الواصل بين قطاع غزة ومنطقة أريحا والضفة الغربية وتحمل رقم (3) نجد أنه جرى رسم هذه الممرات على الورق بما يناسب حقائق الاستيطان الإسرائيلي ومتطلبات توسعه وبالرغم من هذا فإنها لم تفتح للاستعمال ويلفتنا بقوة أشد عدد نقاط المراقبة والتفتيش في كل من قطاع غزة والضفة الغربية فنعود إلى الخريطة رقم (5) الخاصة بمواقع الشرطة الفلسطينية في القطاع فنجد العشرات منها وتنتهي بنا هذه النظرة على الواقع إلى رؤية كيف يعيش العرب الفلسطينيون في وطنهم المحتل عام 1967 في "معازل" تذكرنا "بالبانتوستانات"  التي كانت في جنوب أفريقيا إبان حكم الاستعمار العنصري لها وكيف تم عزل القدس تماماً عن الضفة الغربية وكيف بقيت "المعازل" إلى أراضي الحكم الذاتي ومنها بيد سلطات الاحتلال الإسرائيلي في رفح بين مصر وغزة وفي جسر أريحا بين الأردن وأريحا وفي بيت حانون غزة وفلسطين المحتلة عام 1948 مع وجود واجهة من الشرطة الفلسطينية فيها .

وأضاف الدجاني ونركز النظر على الحقائق الخاصة بالسلطة الفلسطينية وفي اعتبارنا أن إقامة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود هو من أهم ما يشار إليه عند الحديث عن عملية سلام الشرق الأوسط .

من جانب آخر تناول السيد الدجاني الحديث حول التعرف على عملية "سلام الشرق الأوسط" وتشريحها واستحضار مسارها، وتساءل كذلك حول المعيار الذي نقيس به العملية السلمية والمعيار العملي الأخلاقي للحكم على عملية سلام الشرق الأوسط .

وأوضح أن هناك نقاطاً ثلاث تضمنها هذا المعيار أولاها الاستيطان الإسرائيلي الصهيوني في الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، وثانيتها حقوق الإنسان الفلسطيني العربي والسوري واللبناني في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي هضبة الجولان وفي الشريط الجنوبي  اللبناني. وقد أوضح التقرير ((أن التحدث الثاني لإدارة كلينتون هو إلزام إسرائيل بالمعايير المعترف بها دولياً لحقوق الإنسان في هذه المناطق، فالقانون الدولي المعروف واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 لحماية المدنيين زمن الحرب، والعديد من قرارات مجلس الأمن تستنكر إطلاق الذخيرة الحية من قبل الجنود والمستوطنين على المدنيين العزل. والقتل الذي تقوم به الفرق الإسرائيلية والتعذيب في السجون الإسرائيلية وحظر التجول على المراكز السكنية الفلسطينية وهدم وإغلاق البيوت وإغلاق المؤسسات التعليمية الفلسطينية وفرض الضرائب الكبيرة بدون تمثيل ومصادرة الأراضي واقتلاع المحاصيل والبيارات وترحيل الأفراد)) .

وثالثة هذه النقاط: الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، وقد أوضح التقرير ((أن التحدي الثالث والأهم لإدارة كلينتون سيكون الحصول على تنازلات جوهرية بعيدة الأثر من إسرائيل تصل ذروتها بالانسحاب الإسرائيلي من كل الضفة الغربية وقطاع غزة وعودة حدود 1967 مع تعديلات طفيفة)) .

وتناول نقطة النظر في السبيل إلى السلام الحقيقي وأول ما يتبادر للذهن ويشير به المنطق السليم يقول الدجاني هو:

تصميم "عملية" يعالج فيها كل أسباب إخفاق العملية الراهنة التي انتهت إليها الدراسة الموضوعية. ولقد كان يمكن المباشرة في هذا الأمر فوراً لو أن "مصمم" عملية سلام الشرق الأوسط وراعيها واجه حقيقة إخفاقها وتأمل في أسباب هذا الإخفاق، ولكننا كما سبق أن لاحظنا من حديث وزير الخارجية الأمريكية وران كريستوفر أمام المؤتمر الاقتصادي بأن الولايات المتحدة لا تزال تتجنب ذلك وتؤثر الحديث عن "قدرة العملية على الصمود". ومن هنا فإن على جميع المعنيين ببلوغ السلام الحقيقي أن يتعرفوا على توجهات السياسة الأمريكية في الولاية الثانية للرئيس الأمريكي ويهيئوا أنفسهم لمواجهة مضاعفات هذه السياسة وتداعياتها ويعملوا للوصول بها إلى انتهاج سبيل السلام الحقيقي .

وأكد الدجاني في هذا السياق على الخطوط الرئيسية للسياسة الأمريكية للسنوات الأربع القادمة في أن تكون واضحة .

مشيراً إلى أنه في مجمل القول أن هذه السياسة هي مسكنات تخديرية – كما هو واضح – وهي في نهاية المطاف استمرار للسياسة الأمريكية التي تمكن إسرائيل من فرض حقائق جديدة على أرض الواقع بحكم أنها تحتل الأراضي العربية. وتراهن هذه السياسة على أن اعتماد واشنطن دبلوماسية بتكتيكات جديدة يمكن أن يطيل مفعول التخدير ويحول دون ذهاب إسرائيل بعيداً في فرض الأمر الواقع. كما تراهن على أنه لا تغيير في الصورة الدولية ولا في الصورة الإقليمية. كما المتحدة ستبقى الفاعل الرئيسي في الإقليم. ((فالمشاركة الروسية في رعاية عملية مدريد هي رمزية في الغالب، والأوروبيون فرادى أو مجتمعين في الاتحاد الأوروبي لديهم القليل الذي يقدمونه بالإضافة إلى المساعدة الاقتصادية)) كما يقول هاس .

وأضاف أن هناك دلائل كثيرة تدل على أن (القدس) ستكون الأكثر عرضة من بين موضوعات "الوضع النهائي" لفرض أمر واقع إسرائيلي فيها تفسح هذه السياسة الأمريكية المجال له. وبإقرار الكونغرس الأمريكي في مجلس الشيوخ الذي صدر في خريف 1995 ودعا إلى ((اعتبار القدس عاصمة إسرائيل ونقل مبنى السفارة إليها ..))، إلا دليل واحد. وقد شرعت مراكز بحث أمريكية بتوجيه من مركز القوة اليهودي في وضع خطط للتمكين لفرض هذا الأمر الواقع الإسرائيلي في القدس. وتحمل هذه الخطط عناوين ملتبسة لإخفاء ما وراءها ومثل على ذلك خطة تتحدث عن مقاربة اقتصادية حضرية للسلطة في القدس يشتغل عليها "مشروع القدس في جامعة هارفرد" تدعو إلى التحضير للبحث في مستقبل القدس ولقاء فريق من الإسرائيليين والفلسطينيين ليناقشوا مسائل "الضرائب والأحياء السكنية ووسائل المواصلات والتعليم ومياه المدينة وتصريف الفضلات))، بعيداً عن الدخول في موضوع الميزان السكاني للإسرائيليين الفلسطينيين فيها أو لحدودها وتنطلق الخطة من القول بأن القادة الإسرائيليين والفلسطينيين وصلوا إلى اتفاق غير معلن حول أن المدينة ستبقى غير مقسمة، وأن إسرائيليين وفلسطينيين سيسكنون فيها وأنها عاصمة لإسرائيل، مع وجود شكل من الحضور الحكومي الفلسطيني فيها، وإن كان الإسرائيلي لم يوافقوا على دعوى الفلسطينيين بأن الفلسطيني فيها، وإن كان الإسرائيليون لم يوافقوا على دعوى الفلسطينيين بأن تكون القدس عاصمة لهم، وهكذا تعمد الخطة إلى الاشتغال بجزئيات تاركة لإسرائيل فرض ميزان سكاني حددته منذ عام 1967 بأن لا يتجاوز عدد الفلسطينيين في منطقة القدس 26% من السكان، ومسلمة لإسرائيل بالسيادة على المدينة، ومن ثم للسيطرة على أراضي القدس ولإنقاص نسبة الفلسطينيين العرب المسلمين والمسيحيين فيها. ويتداعى إلى الخاطر أن هذا التكتيك هو المتبع أثناء كتابة هذا البحث في مسألة الخليل وإعادة انتشار القوات الإسرائيلية فيها، فبينما تتحدث وسائل الإعلام عن المفاوضات حول جزئيات في هذه المسألة تقوم الحكومة الإسرائيلية بتكثيف الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية، وقد شرح هذا التكتيك المفكر الاستراتيجي العربي أمين هويدي في مقاله "إسرائيل وإستراتيجية الاقتراب غير المباشر" (الأهرام: 18/11/1996) وهناك دلائل أخرى على أن موضوعات "الوضع النهائي" الثلاثة الباقية ستكون هي أيضاً عرضة لفرض أمر واقع إسرائيلي بشأنها. ونعني بها الاستيطان واللاجئين والحدود .

 

السيد أحمد مختار أمبو:

وقال عضو الأكاديمية المغربية السيد أحمد مختار أمبو مدير منظمة اليونسكو سابقاً أن القدس تمثل مخاطر سياسية في عملية إنشاء السلام، لما تشكله هذه المدينة من إرث له جذور عميقة كونه يمثل اللقاء بين الإنسان والله .

وطرح فكرة التعايش الديني قائلاً: أنه من الصعب أن يكون هناك تعايش ديني في القدس مع أن الجميع يؤمن بالله فتاريخ القدس معقد وقد ترك آثاراً في المنطقة سيما وأنها مهبط الديانات الثلاث، واستعرض في هذا الإطار سيرة الأنبياء والديانات التي مرت على القدس .

وفي هذا السياق قال أنه بعد عام 67 تأثرت المناطق العربية بشكل كبير وسجل السلطة العربية في فلسطين قد دمر، وبهذا لم يتمكن الفلسطينيون من إثبات ملكيتهم وأصبح لدينا الحي العربي والحي اليهودي فزادت عمليات المصادرة للأراضي التي شملت كذلك الحي المسيحي العربي .

وأضاف أن إسرائيل قامت بتوزيع منشورات في إسرائيل وجميع أنحاء العالم تحتوي على معلومات تشير إلى ملكية أراضي القدس .

وأشار إلى أن قرار إسرائيل عام 67 مرفوض كونه يمنع وصول المؤمنين إلى الأراضي المقدسة وهذا يؤثر على مشاعرهم الدينية وإلى جانب هذه المشكلة ظهرت مشكلة أخرى وهي أن القدس للمجتمع الدولي لها مكانة روحية .

واستعرض بعد ذلك وضع الآثار التي تدعي إسرائيل ملكيتها مثل هيكل سليمان وحائط المبكى .

وقال إن الحوار السياسي يجب أن ينطوي على البحث عن حلول قائمة على السيادة والإكراه واستطرد قوله بأن الإكراه لا يدوم طويلاً كما رأينا في القدس وبالتالي فإن البحث عن السلام فيها يجب أن يستند على مفهوم خلقي للوصول إلى سلام دائم .

عبد المجيد فريان

وأشار السيد عبد المجيد فريان عضو أكاديمية المملكة المغربية في الورقة التي قدمتها بعنوان هل للحضارة العالمية قدرات للتغلب على عوائق السلام إلى حتمية التطور نحو السلام قائلاً أنه رغم استمرار حالة ما بين الحرب والسلم، فإن العوائق الحالية في طريق السلام، عوائق ظرفية، بمنظار حتميات التطور لأنها مراجعات للواقع غير طبيعية، وردة بعدم تقدم، ومخالفة صارخة للإجماع العالمي .

وأن هذه الحتمية للتطور نحو السلام تفرضها التغيرات السريعة التي تجري على مرأى منا، وتحس بها الأجيال الصاعدة، في جميع أنحاء العالم، ولا يتغافل عنها إلا المنعزلون في خصوصياتهم الثقافية والوطنية، ويمكن أن نلمس هذه التغيرات باختصار في أربع قواعد على الأقل .

قاعدة فهم المصالح بالمخططات البعيدة المدى، وترك قاعدة النفعية الآنية التي تشي المتعاملين، فتجعل منهم خصوماً محتملين .

ولقد بدأت أجيال الحاضر ترحل ولو ببطء عن عهد تمسك القوات المسيطرة على العالم بقانون إجبار الآخرين على تأمين مصالحها .

مشيراً إلى أنه ومهما كانت قوة الضغوط في زمن ما، فإن النظرة العقلانية التي بدأت تسود في عالم المصالح هي نظرة حرية التعامل بحرية اختيار الشريك .

وأن لا مستقبل للمخططات التقليدية مثل امتصاص موارد الطاقة في مصاريف التسليح، وبعث الخصومات من أجل ازدهار سوق السلاح. وسيأتي زمن غير بعيد تنبه فيه الشعوب قادتها إلى العدول عن هذه المتاهات الاقتصادية والسياسية والرجوع إلى سياسات التنمية الحقيقية .

وأضاف: والقاعدة الثانية هي تحرك القوة الاقتصادية إلى عدة محاور. ويجمع الدارسون اليوم على الإقرار بوجود القوة الاقتصادية الصاعدة في الشرق الأقصى، فيستشهد بقوة اليابان الحديثة الظهور، والمتمكنة من  الإبداع التكنولوجي إلى حد التساوي مع الأولين من المتسابقين في الاختراع، كما تكتشف إمكانات الصين في التطور السريع مع الحساب لمعادلة الطاقة البشرية الضاغطة على التواجد الاقتصادي خصوصاً عبر القارة الآسيوية .

أما القاعدة الثالثة فهي الابتكار الاستراتيجي في صف الأقوياء:

وملخصه أن التنافس الذي هو أحد مفاتيح الليبرالية يصعد من الاقتصاد إلى السياسة فيغير  التحالفات والتكتلات، ويتعدى نظرة الأحادية الاستراتيجية التي فرضتها ظروف الحرب الباردة والتهويل بأخطار الصف الشرقي، إلى البحث عن بديل استراتيجي أكثر انفتاحاً واستقلالاً .

والقاعدة الرابعة وتتمثل في تغير وزن العالم العربي الإسلامي بما في هذا التغيير من وجوه يصعب إدراك حقائقها على غير الخبراء، وذلك بسبب الملابسات الإعلامية التي هي اختزال للواقع وغفلة عن تحول الأجيال، إن المشاهد التلفزيوني أو قارئ الصحف في العالم الغربي لا يرى في العالم الإسلامي إلا مظاهر التطاحن والعنف والرجوع إلى ما قبل الحضارة، ولا يستطيع أن يدرك مع هذا ما حدث من انتقال نوعي بأجيال الحاضر التي تتخرج من جامعات العالم، وتمارس الأعمال الاقتصادية الأكثر تطوراً، بحكم الثروات النفطية وما يتحتم على مالكيها من خبرة عالمية .

وتطرق السيد مزيان في حديثه إلى عوائق السلام مؤكداً أنه لا يمكن إنكار العوائق الموضوعية التي يجب التعامل معها للتغلب على ما تثيره من صعوبات، ولا يمكن مع هذا، التغافل عن العوائق الذهنية التي تتطلب كثيراً من التحولات موضحاً أن العائق الأكبر ناتج عن واقع الكينونة نفسها، وبهذا المنطق كان الصراع بين خصمين يتوق كل طرف منهما إلى إعدام الطرف الآخر، ولا يمكن إدراك السلام إلا بالتخلي عن سياسات العداء، واللجوء إلى التصالحات التي تبدأ ناقصة وتنتهي بالتراضي، وإذا صحت المقارنة مع جنوب أفريقيا، فإن هذا الكيان الذي بدأ ظلماً وتسلطاً فاحشاً على الأهالي، قد صار يفضل ضغوطات الحضارة العالمية كياناً متعدد الجماعات .

وقال بأنه أصبحت عوائق السلام اليوم موضوعية وذهنية معاً وأن أول الموضوعات الأرض والسكان، فلقد أجمع العالم أنه لا سلام إذا استمرت سياسة الاستيطان مع ما عرف عنها من عنف وترحيل يقتضي التمييز العنصري، ومن معارضة لعودة اللاجئين الذين شردوا عن وطنهم الأصلي. ولا يقل أهمية عن موضوع الأرض، موضوع المياه لأنه يجعل الدولة المتسلطة منذ حرب 67، المالك، المتصرف، والمانع للأهالي الأصليين والجيران، وليس من المبالغة ما قيل عن حرب 67 بأنها لم تكن حرب إرهاب وتسلط عسكري بقدر ما كانت حرب الاستيلاء على الماء. ولا يظن بأن الرأي العام العالمي قد غفل هذه الحرب عن المخطط الذي حول مياه الأردن، وتسلق إلى منابع الجولان، ووضع شريطاً على شاطئ الليطاني حتى مصبه في البحر، ومنع الجيران من استغلال مياههم بالسدود والري ومضيفاً أن هذه المواضيع الأساسية هي سبب كل تطاحن أو تصالح، فلا سلام قبل تسوية مسألة الأرض والتساكن وتوزيع سبب الحياة الذي هو الماء بالعدل ومراعاة مصالح الجميع .

وقال في مجال الصعوبة في العوائق الذهنية إلى أن التصورات الأكثر عقلانية تتفق على أن الحل الأمثل في شرقنا العربي، أو ما يمكن أن يسمى بحل التفاؤل، هو تكوين وطن فلسطيني واحد متعدد الأديان والثقافات، ولعله سيبقى مشروعاً بعيداً، تجرب فيه الإنسانية قدراتها على التحضر والرقي الفكري، وتجاوز العقد الثقافية الموروثة عن عهد الصراع .

وأما الحل الأدنى والأنقص مردوداً فهو الحل المنتظر الآن، وهو عملية الخيار بين مجموعة من الخسارات، كما يقول الدبلوماسيون، إذ لا بد من التكيف مع ضغوط الأحداث ولا مناص من التساكن والتعايش .

وأكد بأن العوائق الذهنية الأكثر ثباتاً في طريق السلام والتعايش، راجعة باختصار إلى الوطنية الضيقة والاختلاف الثقافي الذي تغذيه مختلف العقد الموروثة عن الصراع الحضاري القديم .

وقال إذا كانت حضارتنا العالمية قد حققت لنا عقلانية جديدة للتعايش أساسها تعدد الجماعات المختلفة، وقبول كل تنوع في المعتقد والعوائد، ضمن مواطنة واحدة في الوطن الواحد، وضمن عالمية تتحقق باستمرار، فإن الحضارات السابقة مهدت السبيل لهذه العالمية .

محمد النبهان

وقال السيد محمد فاروق النبهان عضو أكاديمية المملكة المغربية

من الصعب افتراض التراجع عن خطة السلام، لأن المواثيق الدولية تفرض على الأطراف الموقعة على هذه الاتفاقات أن تلتزم بمقتضاها، ورعاة السلام سوف يحافظون على الجزء اليسير من هذه الاتفاقات، لكي يجنبوا المنطقة أخطاء الانهيارات المتوقعة، مشيراً إلى أنه من المتوقع أن تكون هناك بعض المحاولات الدولية من رعاة السلام الأساسيين للضغط على الحكومة الإسرائيلية لتليين مواقفها، وعدم تصديها الصريح لما تم الاتفاق عليه من التزامات، سواء فيما يتعلق السلطة الفلسطينية أو فيما يتعلق بمواصلة خطة السلام .

وأضاف أنه من المرجح أن تضاعف الولايات المتحدة جهودها بعد الانتخابات الأمريكية للضغط على إسرائيل لكي تعلن التزامها بما تم الاتفاق عليه، إلا أن هذه الضغوط تظل قاصرة عن تحقيق الأهداف المرجوة، لأن النفوذ الصهيونية سيؤدي دوره في إفساح المجال لتبرير المواقف الإسرائيلية التي تعتبر الأمن الإسرائيلي في مقدمة اهتماماتها، وما تحرص عليه الولايات المتحدة أن تبقى مائدة المفاوضات العربية الإسرائيلية مستمرة، لأنها الوسيلة الوحيدة لربط المنطقة كلها بالسياسة الأمريكية، وهذه المفاوضات ستوجد باستمرار آليات جديدة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وفقاً للتصور الأمريكي .

مضيفاً بأنه وفي جميع الأحوال فإن عملية السلام بعد فوز حزب الليكود اليميني وما أعقب ذلك من مواقف وتصريحات وسياسات قد تعرضت لنكسة عنيفة، وأعادت الأمور إلى ما كانت عليه من قبل، وأثارت مشاعر عدم الثقة، وجعلت النفوس متوثبة متوترة.

وسواء استمرت عملية السلام أو توقفت فإن من المتوقع أن تكون المرحلة المقبلة حافلة بالمفاجآت والتوترات، نظراً لما خلفه هذه المرحلة من آثار نفسية .

وتوقع السيد النبهان بأن تشهد المنطقة تفاعلات جديدة على مستوى العلاقات بين إسرائيل والدول العربية أو على مستوى المواطن الفلسطيني والعربي بشكل عام أو على مستوى التفاعلات داخل المجتمع الإسرائيلي .. مشيراً إلى أن أبرز هذه التوقعات هي: تعثر المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية على جميع الأصعدة حذراً، ولن يرضى بتمرير أي اتفاق إلا بعد التأكد من سلامته، وتوحيد الصف الفلسطيني، واقتراب السلطة الفلسطينية من المواطن الفلسطيني الذي كان ينظر بحذر وريبة إلى ما يخبئه مخطط السلام من مفآجات ليست سارة، وبخاصة فيما يتعلق بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، وحماية حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه .

وتوقف جميع أشكال التطبيع النفسي والاجتماعي والثقافي بين إسرائيل والشعوب العربية، واعتبار التطبيع موقفاً استفزازياً لمشاعر المواطن، وتضييق الخناق على رموز التطبيع ودعاته سواء في المجال الإعلامي أو السياحي أو الاقتصادي أو الثقافي .

ونمو ظاهرة التطرف في العالم العربي في مواجهة السياسات الإسرائيلية التوسعية والاستفزازية، لأن التطرف في منطلقه يقوم على أساس الشك في نوايا إسرائيل العدوانية، وجاءت السياسات الإسرائيلية الاستفزازية مؤكدة لذلك الشعور وكاشفة لدور المتطرفين الإسرائيليين في إحكام قبضتهم على السياسة الإسرائيلية من منطلقات دينية ومن تصورات توراتية، ومن الطبيعي أن يتصدى الفكر الديني لهذه المفاهيم منكراً عليها، مفنداً مزاعمها ..

وتراجع المشروع الصهيوني بسبب الإدانة الدولية لفكرة التوسع واحتلال أراضي الغير بالقوة، وفكرة أرض إسرائيل الكبرى، وهذا المنطق الصهيوني قد يكون مقبولاً في أوساط المتطرفين اليهود، ولكنه لا يصلح أن يكون حجة قانونية لتبرير الاحتلال وإقامة المستوطنات، ولا يمكن لأية دولة أن تبرر عدوانها بأساطيرها الدينية القديمة التي وضعتها لنفسها .

وقال السيد النبهان إلى أن أطراف السلام محفوف بالمخاطر، ولا بد قبل إبرام أي اتفاق للسلام من وجود إرادة السلام لدى الأطراف المدعوة للتفاوض، والعالم العربي يدعو إلى  السلام ويؤمن به، إلا لأنه لا يريده أن يكون سلام التبعية والتفريط والاستسلام، فلسنا في وضع يفرض علينا الرضوخ والتفريط، وأرضنا سوف تعود إلينا مهما طال الزمن، وشعبنا لن يرضى بأي سلام لا يوفر له حقوقه المشروعة، كاملة غير منقوصة، وأية اتفاقية للسلام لا تكون مرضية وعادلة ومنصفة سرعان من ترفضها الشعوب وتمزقها ولو بعد حين .

وأضاف قائلاً وعلينا ألا نتسرع في خطوات السلام، وألا نفتح قلوبنا إلا لمن نثق بنقاء سريرته وصفاء قلبه، وإذا أراد الشعب الإسرائيلي السلام وكان مؤمناً به ومقتنعاً بأنه الطريق الوحيد لتحقيق الأمن لشعوب المنطقة فعليه أن يرفض شعارات التوسع والاحتلال وأن يوقف الاستيطان، وان يسقط رموز التطرف والتعصب، وعندئذ سوف تكون أرض فلسطين أرض السلام والمحبة والتعايش والتسامح، وسوف تكون القدس مدينة الأديان السماوية، التي تستقبل جميع المؤمنين من أبناء إبراهيم من غير تمييز ولا تعصب .

الجلسة الثانية

عقدت الجلسة الثانية لدورة أكاديمية المملكة المغربية مساء أمس، وقد قدم جواد العناني ورقة عمل حول الاقتصاد العربي لو أخفق السلام، والسيد جورج ماضي حول تطور موقف الضامنين الدوليين لعملية السلام في الشرق الأوسط، والخبير السيد محمد تاج الحسيني حول آفاق إنقاذ عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما قدم السيد أندرو غروميكو حول دور البراجماتية في حل النزاع بالشرق الأوسط، وبعد ذلك قدم السيد خالد الناصري ورقة عمل حول (بين آفاق النجاح وفرضية الإخفاق) .

د. جواد العناني

تحدث د. جواد العناني حول الاقتصاد العربي في حال فشل عملية السلام فقال: لقد كان الفلسطينيون يعانون معاناة شديدة من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية عام 1993 .

وفي تقرير البنك الدولي الصادر عام 1993 عن أوضاع الاقتصاد الفلسطيني بين أن ذلك الاقتصاد عانى من نقص البنية التحتية والتدهور في نوعية المتاح منها، وفقدان ذلك الاقتصاد المخلخل والمشوه القدرة على خلق فرص العمل مما أجبر عشرات الألوف من الفلسطينيين على العمل داخل الاقتصاد الإسرائيلي في مهن محدودة الكفاءة .

ولذلك، فقد كان الاقتصاد بحاجة ماسة إلى (2,2) مليار دولار كمساعدة طارئة لتلافي تلك التشوهات وإعداد القاعدة الاجتماعية الاقتصادية للبناء والإعمار القومي، وقد بلغت نسبة البطالة حوالي 40% في قطاع غزة آنذاك، و25% في الضفة الغربية، وبلغ العجز في ميزان المدفوعات الفلسطيني حيال إسرائيل حوالي (800) مليون دولار سنوياً، لقد كان الاقتصاد الفلسطيني اقتصاداً رهيناً للإسرائيليين الذين سعوا لتغطية تكاليف الاحتلال من أهالي الضفة وغزة، وتحقيق فائض كان يصل إلى أكثر من (600) مليون دولار سنوياً، وقد كان يغطي معظم ذلك العجز من تحويلات الفلسطينيين العاملين في الخارج، ومن المساعدات  الأخرى من الدول العربية، وعن طريق الوفر التجاري الفلسطيني مع الأردن والذي قدر مجموعه الإجمالي بحوالي (2,2) مليار دولار خلال الفترة 1968-1992 .

وعن الاقتصاد الإسرائيلي قال د. العناني:

كان يعاني من كلفة الانتفاضة وإبقاء الجيش في حالة استعداد واستنفار مستمرين داخل الأرض الفلسطينية المحتلة، وعلى الحدود اللبنانية بشكل خاص، وكذلك فإن قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على جذب الاستثمار الخارجي كانت ضعيفة لا تتجاوز 5-10% من مجموع التكوين الرأسمالي السنوي في إسرائيل. وبافتراض أن رأس المال اليهودي كبير في العالم فإن تدني نسبة المساهمات في الاقتصاد الإسرائيلي عكست حالة من عدم الثقة في قدرة ذلك الاقتصاد على أن يكون اقتصاداً وسيطاً في المنطقة، وكذلك فقد ساهمت المقاطعة العربية بأنواعها التطبيقية الثلاثة (الأول والثاني والثالث) في إحجام كثير من الدول والشركات العالمية ومتعددة الجنسية عن التعامل الاستثماري المباشر مع إسرائيل، ومع أن الدراسة الموثقة التي قام بها د. فؤاد بسيسو عام 1971 عن أثر المقاطعة العربية عن الاقتصاد الإسرائيلي قد كشفت الكثير من المثالب والفجوات في تطبيق المقاطعة، إلا أن استمرارها كان يشكل وخزة مؤلمة في خاصرة الاقتصاد الإسرائيلي، ولهذا كان الدبلوماسيون الأمريكيون ووفود الترويكا ينادون باستمرار بضرورة رفع أحكام المقاطعة الثانوية والثالثة عن إسرائيل بحجة أن هذه المقاطعة كانت تميز ضد الشركات المتعاونة مع إسرائيل، وهو أمر ترفضه قوانين الولايات المتحدة وأوروبا، وأن هذين النوعين كانا يعاقبان الدول والشركات الغربية والدولية أكثر مما يعاقبان إسرائيل نفسها، وإضافة إلى ذلك كله، فإن إسرائيل كانت تسعى لفتح علاقات أوسع مع كثير من الدول الإسلامية والدول النفطية، وبعض الدول ذات الارتباط الواسع بالمصالح العربية والإسلامية، ولكن انعدام السلام خفض تلك الإمكانات .

الاقتصاد الأردني

وحول الاقتصاد الأردني يقول د. العناني:

كان يعاني منذ عام 1988 بشكل سافر حين انخفضت عملته بسبب تدهور وضع مدفوعاته الخارجية إلى درجة أفقده موجوداته من العملات الأجنبية باستثناء 75% من الذهب الاحتياطي، وهكذا فقد الدينار الأردني سنده وظهره، وهبطت قيمته بنسبة 50% مما سبب ارتفاعاً في الأسعار داخل الأردن بنسبة 25% عام 1989 وهي أعلى نسبة في القرن العشرين، وهبوطاً في معدل دخل الفرد الأردني من (2200) دولار في السنة إلى حوالي (1000) دولار فقط، وأفاق الأردن على مديونية خارجية كبيرة بلغت عام 1989 (8,3) مليار دولار، أو ما يساوي حوالي (2200) دولار من الديون لكل مواطن، كبير أو صغير، ذكر أم أنثى، عامل أو عاطل عن العمل، وجاءت حرب الخليج الثانية، واحتلال العراق للكويت، فأدت إلى عزل الأردن اقتصادياً، وحرمانه من معظم السوق العراقية، ومن أسواقه التقليدية في الخليج، ومن تراجع المساعدات، وانحباس الملاحة نسبياً للعقبة، وغضب الدول الغربية التي دخلت التحالف ضد العراق، وقدرت خسائر الأردن من كل ذلك بحوالي (10) مليار دولار بين خسائر مباشرة وفرص ضائعة، ولذلك جاء السلام فرصة ليعيد الأردن تدوير نفسه في الاقتصاد الإقليمي والدولي، ويخرج من عزلته السياسية والاقتصادية .

وأشار د. العناني إلى أن الأردن كان يطبق سياسة التصحيح الاقتصادي المؤلمة والداعية إلى تقليل حجم قطاعه العام الكبير والذي يساهم بحوالي 30% من الإنفاق العام و 40% من مجموع فرص العمل في الاقتصاد الكلي، وكذلك دعا البرنامج إلى تقليص العجز في الموازنة، وزيادة القدرة التنافسية الخارجية للصادرات الأردنية، وإلغاء الدعم للسلع، والسماح لنظام أسعار السوق الحرة .

نصيب الأردن من السلام

وقال إن استفادة الأردن من عملية السلام كانت تكمن في الدرجة الأساسية في الفرصة التي تهيأت له لاحتواء الأسباب الطارئة والمؤثرة على  اقتصاده بسبب حرب الخليج الثانية، وقد جاءت ردة فعل الاقتصاد العالمي أسرع بكثير من ردة فعل الاقتصاديات العربية على إعادة العلاقة مع الأردن إلى الوضع الذي كانت عليه مساء يوم 1/8/1990. والسبب في التردد العربي يعود لثلاثة أمور: الأول هو أن فرص العمل في دول الخليج العربي تضاءلت عموماً، وبالذات للأردنيين والفلسطينيين لأن هؤلاء كانوا يشغلون وظائف يمكن ملؤها من خريجي دول الخليج نفسها. والثانية أن زمن المساعدات قد ولي، وكان قد ولى أصلاً مع نهاية 1989. والثالثة أن الصادرات الأردنية التي غابت عن دول الخليج لعدد من السنوات وجدت بدائل مجزية في أماكن أخرى. وهذا لا يعني بالطبع أن فرصاً جديدة للتعامل مع دول الخليج في مجال الاستثمار والتجارة بعيدة المنال، ولكن الفرص القديمة يصعب إعادتها، ولذلك، كان الناظر للأمور المستقبلية عام 1991 لا يرى فرصة كبيرة سانحة للأردن في عملية السلام كما هو الحال في فلسطين وإسرائيل .

وبعد ذلك تناول د. العناني الحديث عن الاقتصاد الخليجي فقال:

أما بالنسبة لدول الخليج العربي فإن الفوائد الاقتصادية التي يمكن أن تتحقق للاقتصاد الخليجي كما تتراءى للناظر إليها عام 1991 فتتمثل في أن السلام نفسه رصيد ضروري لتصدير النفط، وضمان بيعه بأسعار معقولة، ورغم أن حرب 1973 قد كانت المساهم الأساسي في زلزال النفط ورفع أسعاره لمدة من الزمان، إلا أن الهدوء الذي تلا تلك الفترة، والتوسع في الإعمار والبناء، ودعم العمل العربي الخليجي المشترك، وبناء مجلس التعاون الخليجي، والحفاظ على قوة الأوبك هي التي أعطت النفط مكانته المميزة من حيث شروط التبادل التجاري لصالح الدول المصدرة للمواد الخام. ولم تبدأ تلك الأمر في التخلخل إلا بعد الثورة الإيرانية وحرب الخليج الأولى، وما أدت إليه في نهاية المطاف من تخصيص مبالغ أكبر لشراء السلاح والسلع التكنولوجية المتطورة المكلفة، وتوزيع الموارد بعيداً عن مشروعات التنمية، ومن ثم إضعاف القوة التساومية لدول الأوبك حيال الدول المستوردة للنفط، وهبوط سعر النفط عام 1986 عندما انخفض إلى أدنى سعر قدره (7) دولارات للبرميل الواحد، وبحلول عام 1989 تغيرت الصورة تماماً لتتكامل حلقات الحرب والإبقاء على التسلح والجهد العسكري باهظ الكلفة بحرب الخليج الأخيرة. ولذلك صار من مصلحة دول الخليج الصميمة عزل المشكلات المعلقة في المنطقة بعيداً عن حقوق النفط والغاز .

وأضاف أن زيادة المخرجات التعليمية في دول الخليج كحل مشكلة الاعتماد على العمالة المستوردة بسبب انحصار القوى العاملة في وظائف تعيش على النفط أو مصارفه .

وأضاف د. العناني أنه من هنا فإن العائد إلى عام 1991، والناظر لمدة خمس سنوات للأمام يرى أن كثيراً من الدول العربية قد حققت إنجازاً اقتصادياً ملحوظاً، خاصة تلك التي كانت تعاني قبل ذلك مثل الأردن ومصر وسورية، وهنالك دول أخرى أنجزت بعض الشيء ولكن غياب السلام والاستقرار ما يزال يحول دون الوصول إلى ما يمكنها أن تصل إليه.أما الاقتصاد الفلسطيني، فإنه لم يستطع ان يحصل على الإنجاز السياسي الجغرافي المطلوب، فصارت عملية السلام المترددة نقمة على اقتصاده أكثر منها فائدة خاصة منذ شهر شباط 1996. إن الصورة مختلطة ولذلك يثور السؤال الكبير والصعب لو لم تكن هناك عملية سلام في الأصل، فهل كانت اقتصاديات الدولة ستتحسن بالقدر الذي أنجزته؟ والجواب على كل سؤال سيكون مرتبطاً بعاملين أساسيين، الأول: نوع التنظيم الداخلي والإدارة الاقتصادية للبلد المعني والثانية. توفر البدائل الأخرى التي لو ركز عليها البلد المعني لاستطاع تحقيق نفس الفوائد بدون عملية سلام .

وأكد د. العناني أن المستفيد الأكبر من العملية السلمية كان إسرائيل، والتي استطاعت سياحتها والاستثمارات الأجنبية الجديدة وانفتاح أسواق التصدير ونشاط حركة الهجرة والعمران إليها أن تخلق نمواً اقتصادياً بلغ حجمه السنوي المطلق خلال الأعوام 1993- 1995 مجموع حجم الاقتصاديين الفلسطيني والأردني، وكذلك، فإن حجم الاقتصاد الإسرائيلي في نهاية عام 1995 كان يساوي اقتصاديات سورية ولبنان والأردن وفلسطين ومصر معاً.

إذا أخفقت عملية السلام

من جانبه آخر، أجاب د. العناني عن موضوع الدورة إذا أخفقت عملية السلام في الشرق الأوسط حيث قال:

إن نتائج الإخفاق في عملية السلام لا يمكن أن تكون متماثلة مع عدم بدء العملية أصلاً، بمعنى أن هنالك فرقاً بين ألا تبدأ عملية السلام من الأساس وبين أن تبدأها وتحيي الآمال بنجاحها ثم تسقط. إنها ليست غزلاً تنقضه (بينيلوبي) ثم تعيد حياكته إلى أن يجيء زوجها "يوليسيز" من أسفاره في بلاد السايكلوبس خلف بحر إيجه المليء بالمخاطر والمفاجآت. إن دخول الحمام ليس كالخروج منه، كما يقول المثل الشائع صدقاً. وعدم التماثل بين النتائج المقارنة في دخول عملية السلام من عدمه أصلاً هي حقيقة يجب ألا تغيب عن بال الباحث الذي يؤمن أن السياسة هي (فن الممكن) وليست (فن المستحيل). ومن هنا فإن فرضية التماثل التي يعشقها الاقتصاديون سوف تطوى في التحليل هنا، ليحل مكانها الافتراض بأن عملية السلام قد قامت، وسارت خطوات، وغيرت مواقع، وخلقت مراكز جديدة يصعب نقضها وإعادة غزلها، ولذلك، فإن تحليل النتائج التي قد تترتب عن إخفاق عملية السلام في الشرق الأوسط سينصب على تحليل المستقبل .

وقال د. العناني أنه من الواضح أن معظم أرجاء الوطن العربي أو الشرق الأوسط تعاني الآن مستقبلاً من مشاكل اقتصادية حادة، ويتوقع لها أن تزداد حدة وتفاقماً في المستقبل إذا بقيت الأوضاع على ما هي عليه، أو بقي الوضع العربي على حاله حيال ما يجري من تطورات دولية. ومن أبرز هذه المشاكل البطالة، الفقر، تدني الإنتاجية، الهدر في الموارد، العجز التجاري باستثناء دول النفط، وعدم الاستغلال للطاقة الإنتاجية المتاحة. ولا تشذ دول عن هذه الظروف، ونرى في نفس الوقت زيادة في هروب رأس المال العربي إلى الخارج واندماجه أكثر وأكثر في الاقتصاد الدولي الموجه جزء منه للوطن العربي. وإذا بقيت الأوضاع على حالها من التردي السياسي وعدم التنسيق،فإن كل دولة عربية ستجد نفسها مع نهاية هذا القرن في وضع تصحيحي خطير، وحتى التغيير في حكومة المملكة العربية السعودية الأخير برز على أساس أن هذه حكومة اقتصادية لاستباق المشاكل المتوقعة والظاهرة في عجز الموازنة، وتراجع الإنتاجية، وتقليل الهدر والدعم غير المبررين. وذلك، فإن استمرار الأوضاع على حالها بالنسبة للوطن العربي لن تجلب معها ما يحلم به الرومانسيون، وعلينا أن نستثمر فرصة السلام المتاحة، وندخل في منظمة إقليمية تقبل باستكمال الجانب المتمم للسلام، وهو التعاون من أجل أن نتجاوز الأزمات، ونستفيد من الفرصة السانحة، وسوف نرى بعد فترة أن متطلبات التنسيق والتعاون الاقتصادي تقتضي تنسيق الأنظمة، والمصطلحات، والسياسات الاقتصادية والتجارية، واللجوء إلى مزيد من الانفتاح، وبالطبع فإن احترام شروط العضوية في المؤسسات الدولية مثل WTO. WIPO ستنطبق على الجميع في نفس الوقت.

وأنهى د. العناني قوله بأن السلام ليس مجرد توقيع أوراق، بل هو نقطة اقتران مع ماض كان مكلفاً بفكرة المنغلق على ذاته، وحسه العالي في تقدير ذاته، واختلاط الأوليات في ذهن مفكريه وصناع القرار لديه. لقد آن الأوان أن يكون السلام والانفتاح والديمقراطية والحوار مفاتيح الانطلاق نحو لغة تمكن كل قطر من منطقة الشرق الأوسط من التصالح مع نفسه ومع جيرانه، وإذا خلقت الفرصة للتناغم الأفقي داخل  الإقليم ذاته، فإن قدرته التساومية لتحقيق وضع تفاوضي رأسي مع النظام العالمي الجديد ستتطور وتتحسن لصالحه. أما إذا سقط السلام، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل خمسين عاماً من المبالغة المفرطة في تشتيت القوى الذهنية والمبدعة، فإن النظام العالمي الجديد سيتعاون مع أقطار ضعيفة مشتتة، ويخترق أسواقها غصباً عنها، بدون أن يعطيها المردود، وبدلاً من أن يزحف الإقليم الشرق أوسطي على صحراء جنوب أفريقيا لينشلها، فقد تزحف إليه وتزيده تصحراً وفقراً .

محمد تاج الدين الحسيني:

كما قدم الخبير محمد تاج الدين الحسيني ورقة عمل حول (آفاق إنقاذ عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين) فقال: لقد أثمرت اللقاءات التي جرت بين العرب وإسرائيل منذ مدريد 1991 اتفاقية إسرائيلية فلسطينية ومعاهدة سلام مع الأردن ومؤتمرات اقتصادية مهمة في الدار البيضاء وعمان والقاهرة، كما أن عدة بلدان عربية اتجهت نحو التطبيع التدريجي مع إسرائيل.

وكان يظهر واضحاً ان عملية التسوية ستركز على قراري مجلس الأمن 242 و 338 وعلى مبدأ مبادلة الأرض مقابل السلام .

وأضاف الحسيني أنه مع عودة اليمين إلى الحكم في إسرائيل مع منتصف سنة 1996 اعتمد المفاوض الإسرائيلي موقفاً يتبنى مبدأ السلام مقابل الأمن كبديل لمبدأ الأرض مقابل السلام مركزاً على وضع العرب أمام الأمر الواقع من خلال برنامجه التنفيذي القائم على تكثيف الاستيطان وتهويد القدس وقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينية وتطويقها .

إن التوجهات الرئيسية لحزب الليكود وحلفائه انعكست سلبياً على عملية السلام من خلال التعقيد والتشدد الذي أصبح يطبع السلوك التفاوضي للجانب الإسرائيلي، إنه سلوك يغرق وسائل الإعلام في قضايا أولية لتصبح وكأنها جوهر النزاع، فهو يتشدد مثلاً في مسألة الخليل في محاولة لإقناع حلفائه وكذلك الرأي العام الدولي بأن ما سيقدمه على مائدة المفاوضات هو تنازلات جوهرية تخدم قضية السلام، وهذا الموقف بالذات ليس إلا مدخلاً منهجياً لاستراتيجيته في المستقبل حيث ستسهم المفاوضات المواضيع الرئيسية بما فيها ما يعادل 90% من أراضي الضفة الغربية .

وأشار إلى أن نتيجة ذلك كانت: ترسيخ مزيد من التناقض بين مواقف الطرفين سواء بالنسبة لقضية المستوطنات التي جعلت منها الحكومة الإسرائيلية الجديدة محوراً مركزياً لسياستها في المنطقة أو بالنسبة لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم إذ يتشبث الإسرائيليون الآن بمبدأ توطينهم في البلدان العربية التي يوجدون بها منكرين على حكومة حزب العمل السابقة كل تعهداتها بخصوص التفاوض حول حق اللاجئين في العودة .

من جهة أخرى فإن إسرائيل أصبحت تعتبر الحكم الذاتي  غاية في حد ذاته بينما يعتبره الفلسطينيون مجرد مرحلة مؤقتة تنتهي لزوماً بإقامة الدولة الفلسطينية .

وحول القدس يقول السيد الحسيني:

بالنسبة للقدس فوضعها على جدول أعمال المرحلة النهائية كان يعني من وجهة النظر الإسرائيلية أنها مسألة مختلف عليها، وأن قرار الضم قد أصبح لاغياً ما دامت وضعيتها لن تحسم إلا من خلال المفاوضات، إلا أن اليمين الحاكم في إسرائيل يتنكر الآن لتلك التعهدات ويعتبر أن قضية القدس غير قابلة للتفاوض .

واستفسر بعد ذلك الحسيني حول وسائل تحريك عملية السلام في ظل هذا الواقع المطبوع بالتناقض والغموض، حيث أجاب على ذلك من خلال وضع استراتيجية فلسطينية عربية إسلامية متكاملة قد ركز على تطوير ديناميكية المفاوضات وذلك عن طريق ترجيح توازن القوى الإقليمي والدولي لصالح الحق العربي مع صياغة نظرية متكاملة للتفاوض وكسب ولاء الرأي العام الدولي لها مع تنقيتها من كل مظاهر التمييع .

وإعادة هيكلة التضامن العربي والإسلامي بما في ذلك العودة إلى دورية مؤتمرات القمة العربية والتفكير بطريقة أفضل في تطوير سلاح المقاطعة العربية كوسيلة احتياط عند فشل المفاوضات وتحفيز دول منظمة المؤتمر الإسلامي على دعم الدور الذي تقوم به لجنة القدس ومن خلال الوعي بأهمية وخطورة الدور الأمريكي ومن ثم بذل الجهود للتأثير على عملية اتخاذ القرار في الولايات المتحدة عن طريق دعم نفوذ الأمريكيين العرب بوصفهم جماعة ضاغطة واكتساح ساحة إعلامية شاسعة في النظام الإعلامي الأمريكي واستخدام ورقة المصالح المتبادلة في العلاقة بين بلدان المجموعتين العربية والإسلامية والولايات المتحدة .

واستقطاب كل من روسيا واليابان وخاصة الاتحاد الأوروبي قصد القيام بدور مواز للدور الأمريكي، هذا إلى جانب ربط التعاون الاقتصادي على المستوى الشرق أوسطي بديناميكية التسوية وإقناع إسرائيل بأن اقتصاد السلام لا يمكن أن يتحقق وينمو إلا في ظل تسوية عادلة للنزاع .

وأشار في النهاية إلى أن هذه الوسائل ليست ابتداعاً لمقترحات جديدة من أجل التسوية بقدر ما هي محاولة لتذكير المفاوض العربي بأن هناك خللاً خطيراً في استعمال إمكانياته الذاتية وحسن توظيفها .

خالد الناصري

وتحدث السيد خالد الناصري أستاذ كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء عن آفاق النجاح وفرضية الإخفاق والمسلسل التائه لعملية السلام .

وأشار في معرض حديثه إلى أن المنطقة عرفت أربعة حروب أعوام 1948، 1956، 1967، 1973 وعرفت مسلسلات سلام باءت كلها بالفشل مضيفاً بأن المنطقة بعد ذلك عرفت مسلسلاً فعلياً للسلام الأول من نوعه، لأنه أفضى إلى تمكين الشعب الفلسطيني من بسط سيادة أولية عن طريق منظمة التحرير الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي، وكان ذلك مؤشراً على بزوغ مناخ جيوسياسي جديد في الشرق الأوسط.

وقال إنه يحدد إطار الحكم الذاتي الذي يسري مفعوله في المرحلة الأولى على قطاع غزة والضفة الغربية (منطقة أريحا) علماً أن ديباجة الاتفاق تؤكد الاعتراف المتبادل بين الطرفين ورغبتهما في التعايش السلمي وإقامة سلام عادل شامل ودائم .

وأما مضمون الاتفاق فكان ينص على مجموعة من الإجراءات التأسيسية تسمح للسلطة الفلسطينية ببسط نفوذها تدريجيا في نطاق معين .

وكان الإعمال الفعلي الأول لإعلان المبادئ هو التوقيع في القاهرة على اتفاق أمني بتاريخ 9 فبراير 1994 موضوعه يهم بالأساس مسألة فقط العبور مع مناطق الحكم الذاتي، وتلاه اتفاق آخر وقع أيضاً بالقاهرة في 4 مايو 1994 عرف باسم (غزة – أريحا أولاً) كان موضوعه بالأساس يهم مسألة انتشار الجيش الإسرائيلي ودخول الشرطة الفلسطينية .

وتطرق إلى إطار السلام الأردني الإسرائيلي ومعاهدة السلام مبيناً بأن معاهدة السلام الأردنية قد تمحورت على عدة نقاط يمكن اختصارها في خمسة مواضيع جوهرية تهم مسألة الحدود بين البلدين، واقتسام مياه نهر الأردن واليرموك، ومسألة اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، ومسألة القدس الشريف وقضايا الأمن والتطبيع .

واستعرض الناصري في ورقته فرضيات الإخفاق والفشل في عملية السلام ومعالجة آفاق النجاح كتصور وارد لكنه غير مؤكد مشيراً إلى أننا وفي نهاية عام 1996 لا نرى فرضية أقوى من فرضية إخفاق مسلسل السلام المدشن سنة 1991 بسبب تعدد مظاهر التقهقر الملازمة لتصرفات الطرف الإسرائيلي .

ولا نرى بداً من الوقوف أولاً عند أسباب هذا الفشل المحتمل، قبل التطرق إلى العواقب التي قد تنجم عنه قائلاً أنه يمكن الجزم بأن فرضية الفشل لا ترجع للطرف العربي الفلسطيني بقدر ما يكون مردها الطرف الإسرائيلي نفسه وتساهل المنتظم الدولي بصفة عامة مع التهور الإسرائيلي .

لماذا استبعاد الطرف العربي الفلسطيني من المسؤولين عن الإخفاق المحتمل؟ لأن النزاع ينخرط فيه طرفان أساسيان هما إسرائيل من جهة والطرف العربي المتعدد الواجهات، من جهة أخرى، علماً أن الطرف الأول يتصف بصفات المعتدي والمتعنت والرافض للحلول الموضوعية والمعتمد على قوة الأمر. بينما الطرف الثاني يتصف بصفات المعتدى عليه (احتلال أراضيه، عدم القدرة على فرض قرارات الشرعية الدولية، الاستعداد لقبول الحلول السلمية التوافقية) لهذه الأسباب يبدو الطرف العربي طرفاً مسالماً، غير منازع في حق دولة إسرائيل في العيش داخل حدود آمنة ومعترف بها دولياً، قابلاً للاستمرار في عملية سلام جدية وتدريجية تصان فيها حقوقه الأساسية، وهذا الطرف بطبيعة الحال لا مصلحة له في إفشال المسلسل على الإطلاق .

وأشار في معرض حديثه إلى أسباب الفشل المحتمل بالنسبة لداخل إسرائيل مشيراً بأن الأسباب ما هو ذو طابع أيديولوجي وأسباب ذات طابع سياسي وأن الأسباب ذات الطابع السياسي تتعلق بالأسباب الراجعة للعوامل الإسرائيلية المحضة وتركيبة إسرائيل في الاعتقاد بأن أمنها معلق في جوهره بارتباطها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية .

الدستور 12/12/1996