«القدس
أولاً».. بوابة أمل ونقطة ضوء
عبد
العال الباقوري
ألقى
«الاتحاد الأوروبي» بحجر كبير في
بركة غير راكدة ولا آسنة، بل فجر فيها
قنبلة، وأين؟ في زهرة المدائن، في
القدس، مدينة الأقصى ومسجد عمر
وكنيسة القيامة، ودرة فلسطين
العربية، وأرض أولى القبلتين وثالث
الحرمين، حيث زعموا وعملوا من أجل ما
يسمونه إعادة بناء الهيكل، وقال
شعارهم: نسيتني يميني إن نسيتك يا قدس.
ثم قرروا، وبؤس وسوء وما قرروا، إنها
عاصمتهم الموحدة وإلى الأبد! وفجأة،
تلقى كل هذا ضربة قوية، تم تسديدها
بإحكام، وفي وقت وتوقيت حساسين، جاءت
الضربة من أوروبا حاضنة الصهيونية،
وراعية دولتها، وعميلها الأول
تجارياً واقتصادياً، فقد أعاد
الاتحاد الأوروبي التذكير بوضع القدس
في إطار قرار التقسيم الغاشم الذي
اتخذ بليل في 29 نوفمبر 1947، والتذكير
هنا يفيد المفاوضين العرب، بل يعيد
إلى ذاكرتهم ما اسقطته من الحساب
والاعتبار، منذ تنادوا إلى موائد
التفاوض، فلم يذكروا من أسانيد
الشرعية الدولية سوى القرارين 242 و338،
علماً بأنهما يتعلقان أصلاً بقضية
الأرض المحتلة في 1967، وليس بقضية
فلسطين، التي تجد سندها أصلاً وشرعاً
في قرارين آخرين هما 181 و194، الأول خاص
بالتقسيم والثاني خاص بالعودة،
وفوقهما وعليهما هناك بناء كامل
متكامل من القرارات الدولية حول
فلسطين وأرضها وشعبها، وحقوقه
الثابتة والأصلية والتي لا يجوز
التنازل عنها، لا اليوم ولا غداً،
والتي بناء عليها لا توجد دولة واحدة
في العالم تعترف - حتى هذه اللحظة -
بسيادة إسرائىل على القدس الشرقية
العربية، التي جرى احتلالها في 1967 كما
لا توجد دولة واحدة - بما في ذلك
أمريكا - تعترف بالقرار الإسرائىلي
بتوحيد القدس، ولا توجد حتى هذه
اللحظة، سوى سفارتين فقط في القدس
الغربية، بينما يوجد أكثر من 80 سفارة
في تل أبيب وما يجاورها، وحتى أمريكا،
وعلى الرغم من قرار أصدره الكونجرس
بنقل السفارة إلى القدس في موعد
لايتجاوز 31 مايو 1999، لاتزال إدرتها
مترددة، بل يقال أن هناك محاولات تجري
من أجل تأجيل تنفيذ القرار، ومنع نقل
السفارة من تل أبيب إلى القدس، وتشير
مصادر إسرائىلية (!) إلى أن الرئيس بيل
كلينتون سيوقع قراراً بهذا الشأن في
أبريل القادم، وإن صح هذا، فإنه سيثير
التساؤل حول وجود رابطة بين هذا
القرار والموقف الذي اتخذه الاتحاد
الأوروبي فماذا فعل الأوروبيون
بالضبط؟.
ماذا
فعل الأوروبيون؟
في
15 فبراير الماضي، أرسلت وزارة
الخارجية الإسرائىلية رسائل إلى
رؤساء البعثات الديبلوماسية لديها،
طلبت فيها منهم: «اتخاذ جميع التدابير
المطلوبة كي لا يشجعوا هم أو أعضاء
بعثاتهم أي لقاءات في أي مكان خارج
مناطق السلطة الفلسطينية، وتدعي
الخارجية الإسرائيلية ووزيرها آرييل
شارون أن الاتفاقات الموقعة مع
السلطة الفلسطينية تحظر على أي
ديبلوماسي أو ضيف رفيع المستوى
التحدث مع فلسطيني ذي منصب رسمي، في
أية منطقة لا تخضع للسلطة الفلسطينية
الكاملة، أي المنطقة «أ». ورداً على
الرسالة الإسرائيلية، بعثت ألمانيا
بصفتها رئيسة للاتحاد الأوروبي في
دورته الحالية برسالة قالت فيها: «نؤكد
مجدداً موقفنا المعروف فيما يتعلق
بالمكانة الخاصة للقدس ككيان خاص،
وهذا الموقف يتماثل مع القانون
الدولي» واستخدام تعبير «كيان خاص»
أو «كوربوس سيباراتوم» يرجع إلى قرار
التقسيم، الذي تؤمن إسرائيل أنه قد
أهيل عليه التراب.
وكانت
هذه رسالة ديبلوماسية رداً على أخرى
مماثلة، وما أكثر الرسائل والبرقيات
التي يتم تبادلها يومياً بين أية دولة
والبعثات الديبلوماسية الممثلة
لديها، ويتم تبادلها لا تداولها،
ولكن إسرائيل لم تقف عند حد «رسالة
ورد غطاها» فأذاعت النبأ، وتوالت
التصريحات الغاضبة التي ترفض الموقف
الأروروبي وتدينه، وطغى هذا الموضوع
طغياناً شديداً على الحملة الدعائية
الانتخابية، بعد أن كانت تمتلئ
بالبيانات والاستطلاعات حول لبنان
والانسحاب منه وكيف ومتى؟ وتلخص الرد
الإسرائيلي فيما أعلنه آرييل شارون
وزير الخارجية، في لقائه في يوم
الثلاثاء 16 مارس الحالي، مع رؤساء
البعثات الديبلوماسية في إسرائيل،
الذي عقده في «فندق الملك داود» في
القدس! حيث أكد ما يلي:
-
وجود إجماع إسرائىلي وطني واسع على
عدم إعادة تقسيم القدس.
-
القرار 181 يعتبر ملغي وباطلاً.
وكان
شارون، في هذا اللقاء يتحدث بعصبية
شديدة وبعنجهية بغيضة، فقد أذاع «صوت
إسرائيل» رسالة في اليوم نفسه تضمنت
جملاً بصوت وزير الخارجية، الذي أثار
التساؤل حول الضجة التي آثارها
وحكومته بشأن موقف الاتحاد الأوروبي
من القدس المحتلة، وخاصة أن هذا
الموقف غير مفاجئ للإسرائيليين الذين
يعرفون أن دول الاتحاد قررت منذ 1980
اعترافها بأهمية القدس لجميع الأطراف
المعنية بالنزاع، وأعلنت أنها لن
تقبل أية مبادرات من جانب واحد، في
هذا الشأن، ولكن الأهم من ذلك هو ما
أشارت إليه صحيفة «هآرتس» في 14 مارس
الحالي من أن «أفرايم هاليفي» الرئيس
الحالي للموساد، والسفير السابق لدى
الاتحاد الأوروبي كتب تقريراً سرياً
في مارس 1988 يفيد «أن دول أوروبا لم
تتخل عن الموقف الداعي إلى تدويل
القدس، تحت إشراف دولي». ويقول «شموئيل
بركوفيتش» الباحث في معهد القدس
للدارسات أنه تلقى تأكيداً أن «هاليفي»
تحدث في تقريره عن سعي الاتحاد
الأوروبي إلى ترجمة هذه الفكرة إلى
خطوات عملية، وهنا تساءلت «هآرتس»
قائلة: بناء على رسالة ممثل الاتحاد
الأوروبي إلى وزارة الخارجية
الإسرائيلية في فبراير الماضي، هل
يعني هذا أنهم وجدوا على الأقل طريقاً
واحداً لتحقيق ذلك؟ سؤال له وجاهته،
ولكن هناك سؤالاً لا يقل أهمية عن
وجود رابطة بين هذه الخطوة الأوروبية
والقرار الفلسطيني بإعلان الدولة،
بحيث يكون هذا الموقف الأوروبي
استثماراً لفرصة وجدها بين يديه (أي
رسالة وزارة الخارجية الإسرائيلية)
وبحيث يذر الرماد في العيون
الفلسطينية، فلا يتعهد بالاعتراف
بالدولة الفلسطينية عند إعلانها؟.
أمور
خلف الكواليس
من
المؤكد أن وراء الكواليس اليوم تختفي
أمور كثيرة حول التسوية المعطلة
والمؤجلة وآفاقها، واحتمالاتها،
ومضامينها، وخطواتها، بل ورجالها،
وأن الترابط بين الأحداث والوقائع
أكبر مما يبدو لنا على مسرح السياسة
الممتد من القدس إلى واشنطن، عبر
عشرات بل مئات العواصم والمراكز التي
تؤثر في إصدار القرارات الدولية
وصياغتها، ولكن ما وراء الكواليس قد
لا يغير ولا يبدل كثيراً من الرؤية
الصائبة والمدققة بعمق فيما يجري في
الساحات المختلفة، وحتى لو نحينا
مؤقتاً البحث عن العلاقات المتبادلة،
علاقات التأثير والتأثر والتشابك
والترابط والتي تصل أحياناً إلى وحدة
الأضداد بدلاً من تصارعها، نجد أن
الموقف الأوروبي بشأن القدس والعودة
إلى قرار التقسيم، قد أشار مجدداً إلى
الخطأ الذي ارتكبه المفاوض العربي
عامة والفلسطيني خاصة، سواء في مدريد
أو في أوسلو. ففي جميع الجلسات التي
عقدت، وفي جميع الاتفاقات التي أبرمت
هناك تجاهل تام لقرارات الأمم
المتحدة بشأن قضية فلسطين، باستثناء
القرارين 242 و383، مع أنهما لا يتعلقان
بجوهر القضية، ولا بصلب الصراع
وأصله، ومع أنهما أسوأ قرارين في هذا
الشأن، ولم يتجل هذا السوء كما تجل
بشأن القدس، التي قيل في أوسلو أنها
من قضايا الوضع النهائي، وكفى، مع أن
الجانب الإسرائىلي لم يكف يوماً
واحداً عن الحديث عن كونها عاصمته
الأبدية، وأنه لا يمكن تقسيمها مرة
أخرى، وكانت البراعة الديبلوماسية
تفرض على العرب والفلسطينيين التمسك
بأن هذه القضية لا تحل إلا بما ورد في
قرار التقسيم، تقسيم فلسطين، الذي نص
على تدويلها، وكان خطأ يرقى إلى حد
الخطيئة ديبلوماسياً أن ترك وضع
القدس معلقاً، أو بمعني أصح مقلوباً،
دون معالم وسمات وحدود وخطوط، وخاصة
أن إسرائيل لم تكف عن وضع المخططات
لتوسيع القدس، وتهويدها جغرافياً
وسكانياً، مع محاولات دؤوبة لطرد
سكانها العرب منها، ويوجد إجماع
إسرائيلي على ذلك.
أكثر
من هذا، أن تمسك إسرائيل بما تسميه
وحدة القدس، وإصرارها على بقائها
كاملة في يدها، بحيث بدت قضيتها أعقد
قضايا المفاوضات، كان يفترض على
المفاوض العربي والفلسطيني أن يطرح «القدس
أولاً» بدلاً من تأجيلها، ولكن
المفاوض العربي والفلسطيني انساق
وراء المنهج التفاوضي الذي وضع أسسه
هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي
الأسبق، منهج البدء بالقضايا السهلة،
وتأجيل القضايا الشائكة، وهذا منهج
إن صح في أية عملية تفاوضية فإنه لا
يصح بالنسبة للتفاوض مع الصهاينة حول
أرض فلسطينية، وبالذات حول القدس،
التي كادت تصبح بالتفاوض الخاطئ أضيع
من الأيتام على موائد اللئام.
وضع
الحصان أمام العربة!!
على
أية حال، هل يعيد الموقف الأوروبي
بشأن القدس وكونها «كياناً منفصلاً»
وضع الحصان أمام العربة؟ إن ذلك يتوقف
على الجانب العربي، الذي يستطيع أن
يطور هذا الموقف ويعمقه ويستند إليه
لانتزاع القدس من غاصبيها، ومن اليوم
فصاعداً، يجب أن تحتل القدس مكانها
الصحيح في رأس جدول المفاوضات
العربي، فلا يتم تأجيلها ولا السكوت
عليها، بل يجب تعميق الموقف العربي
أكثر وأكثر، بحيث يتم التأكيد في جميع
المحافل وعلى كافة المستويات أن
القدس هي عاصمة الدولة الفلسطينية،
وأن يتم الإعلان عن ذلك بكل وسيلة
شرعية ومشروعة. وهنا تأتي أهمية تنشيط
«بيت الشرق » وتدشينه عملياً،
ورسمياً إن أمكن، مقراً لحكومة
فلسطينية، أو على الأقل لوزارة شؤون
القدس، وقد آن الأوان لأن تصبح القدس،
المدينة والسكان والمقدسات
والعاصمة، معركة يومية، ومعركة كل
يوم، وخاصة أن الموقف الأوروبي جعل
فريقاً من الإسرائىليين يعترف أن
القدس اليوم أكثر تقسيماً مما كانت
عليه في عام 1967، ويحدث هذا على الرغم
من كل الجهود التي بذلها الصهاينة
والإسرائىليين لتهويد المدينة، وعلى
الرغم من قراراتهم ومخططاتهم
ومستوطناتهم ومستوطنيهم الذين
تمولهم قوى عديدة، ومع ذلك عجزت
وعجزوا عن تهويد زهرة المدائن، التي
لا تزال تشع من بواباتها أضواء الأمل،
في ليل الهزيمة العربية، فمن ىأخد
منها قبساً يهتدي به كي يهتدي إليها؟. |