السياسة
الإسرائيلية تجاه مستقبل القدس
د.
عزيز حيدر
مقدمة
من
الطبيعي أن يشكل موضوع مستقبل القدس
واحداً من أهم المواضيع في المفاوضات
الإسرائيلية - الفلسطينية، إن لم يكن
أهمها. فالمدينة تشكل رمزاً هاماً
وأساسياً في الصراع السياسي - القومي
والديني بين الإسرائيليين
والفلسطينيين ويعتبرها كل طرف منهما
عاصمة للكيان السياسي. ومما يزيد من
تعقيد المسألة أهمية المدينة الدينية
ومكانتها الخاصة لدى جميع الأديان.
هذا إضافة إلى مصالح أطراف عديدة أخرى
في القدس لا يمكن تجاهلها .
أعدت
هذه الدراسة في فترة حكم حزب العمل،
قبيل الانتخابات الإسرائيلية التي
جرت في 29/5/1996. ولذلك، كان الافتراض بأن
المفاوضات حول مستقبل المدينة سوف
تجري حسب اتفاقيات المبادئ بين
إسرائيل ومنظمة التحرير. إلا أن نتائج
الانتخابات غيّرت هذا الوضع بصورة
جوهرية، حيث نجح اليمين الإسرائيلي
بقيادة حزب الليكود في تسلم زمام
الحكم. وقد كان مستقبل القدس والتخويف
من احتمال تقسيمها، إذا استمر حزب
العمل في الحكم، على رأس القضايا التي
طرحها حزب الليكود في دعايته
الانتخابية ضد حزب العمل وضد اليسار
الإسرائيلي عامة. وإلى جانب تبدل
الحزب الحاكم في اسرائيل حققت
الأحزاب الدينية نجاحاً غير مسبوق
وانضمت إلى الائتلاف الحكومي. وهذا
النجاح والتشكيلة الجديدة للائتلاف
الحكومي في اسرائيل يزيدان من تعقيد
مسألة القدس ويحولان مصيرها من موضوع
مفاوضات شاقة إلى موضوع مواجهة رئيسي
في المرحلة القادمة ولفترة زمنية
طويلة .
وبالرغم
من توقيت إجراء الدراسة والتحول
السياسي في اسرائيل بعد إنهائها إلا
أن بحثنا لا يزال ذا أهمية كبيرة
وخاصة في فهم الرؤية الإسرائيلية
لمستقبل المدينة للأسباب التالية:
أولاً، لأن جوهر الخلاف بين الطرفين
الفلسطيني والإسرائيلي لم يتغير.
وثانياً، لأن هناك إجماعاً
إسرائيلياً ويهودياً حول مصير
المدينة يتخطى الانتماءات السياسية
والأيديولوجية. وثالثاً، لأن حزب
الليكود التزم بالاتفاقيات الموقعة
بين الطرفين، والتي تطرح موضوع القدس
على طاولة المفاوضات ولم تحسمه بعد.
وقد قمنا لاحقاً بتحديث المعلومات
التي طرأت بعد الانتخابات وحتى نهاية
عام 1996 .
وتجدر
الإشارة إلى أن تسارع الأحداث في
المنطقة، وخاصة في العلاقات
الإسرائيلية - الفلسطينية، يجعل من
أية دراسة حول المواضيع المتعلقة
بالتطورات السياسية مهمة صعبة.
ولذلك، فإننا نركز في دراستنا على
المواقف العامة والخطوط العريضة
لحكومات اسرائيل والأحزاب السياسية
ولا نولي اهتماماً للأحداث المختلفة
المتعلقة بالموضوع إلا بالقدر الذي
يخدم الهدف الرئيسي وهو توضيح الرؤية
الإسرائيلية لمستقبل مدينة القدس .
الوضع
القانوني
تدعي
وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية أن
القانون الدولي يدعم موقف إسرائيل من
مسألة السيادة على القدس الشرقية. أما
القدس الغربية فإن سيادتها عليها
مفروغ منها، وليست هناك ادعاءات
فلسطينية مناقضة وليس للفلسطينيين
مطالب معينة فيها .
وتدعم
اسرائيل هذا الموقف بعدد من
التبريرات التي يمكن تخليصها على
النحو التالي:
-
إن الأردن كان قد احتل القدس الشرقية
عام 1948 عن طريق عمل عدائي، مستخدماً
القوة العسكرية. ولذلك، فليست هناك
حقوق سيادية عليها للأردن حسب
القانون الدولي .
-
إن خط الهدنة الذي اتفق عليه عام 1949
والذي قسم المدينة إلى جزئين لم يعتبر
دوداً نهائية، وإن اتفاقية الهدنة
تنص بشكل واضح على أن الاتفاق بين
إسرائيل والأردن لا يمس بحقوق
الطرفين، ولا يؤثر على ادعاءاتهما
بالنسبة للسيادة على المدينة .
-
إن ضم المدينة القدس الشرقية ومعها كل
الضفة الغربية للمملكة الأردنية عام
1950 كان إجراءً مناقضاً للقوانين
الدولية، ولذلك فإن الضم لم يكن
شرعياً .
-
إن الأردن قد خرق اتفاقية الهدنة عام
،1967 عندما أعلن الحرب على إسرائيل مما
يمنح اسرائيل الحق في إلغاء
الاتفاقية وهذا ما قامت به بالفعل .
-
إن احتلال اسرائيل للقدس الشرقية عام
1967 كان نتيجة إجراء دفاعي، ولذلك فهو
قانوني ويمنحها حق السيادة على هذا
الجزء من المدينة .
وتجدر
الإشارة إلى أن هناك وجهة نظر قانونية
ترى أن الأردن وإسرائيل حقوقاً
سيادية في القدس الشرقية، ولكن
اسرائيل أحق من الأردن في الاحتفاظ
بالمدينة والسيادة عليها .
القانون
الإسرائيلي والقدس
قامت
اسرائيل بالعمل على تغيير وضع القدس
القانوني وواقعها السياسي والسكاني
بواسطة سن القوانين ووضع ترتيبات
جديدة بغض النظر عن الموقف الدولي.
ولا بد من الاهتمام بالوضع القانوني
للمدينة نظراً لأن بعض الأحزاب
والفئات في اسرائيل تستند بشكل مطلق
إلى القوانين الإسرائيلية في دعم
وجها نظرها وتستخدمها للتأثير على
مواقف الجمهور الإسرائيلي من الحلول
المطروحة. كما أن أية حكومة إسرائيلية
قد تستغل هذا الوضع وتستخدمه ذريعة في
رفض المطالب الفلسطينية في المدينة .
بعد
احتلال القدس الشرقية عام 1967 قامت
الكنيست بتعديل قانون الحكم والقضاء
ا لإسرائيلي بحيث أصبح من الممكن
تطبيق القانون وأنظمة السلطة و
الإدارة بواسطة إصدار أوامر حكومية
في جميع المناطق التي تعتبر جزءا من
"أرض اسرائيل". كما تم تعديل نظام
البلديات بحيث يمكن توسيع حدودها في
حالة إصدار أوامر بتطبيق القانون
وأنظمة السلطة والإدارة، حسب القانون
المذكور أعلاه .
استناداً
إلى هذين التعديلين أصدرت الحكومة
أمراً بتطبيق القانون الإسرائيلي في
شرقي القدس. وفي أعقاب ذلك ضمّ الجزء
الشرقي إلى منطقة نفوذ بلدية المدينة
الغربية. وفي نفس الوقت سمحت الكنيست
بتطبيق ترتيبات خاصة بشأن السكان
بواسطة تعديل قانون "أنظمة القضاء
والإدارة" عام 1970. وكذلك، فقد وضعت
السلطات الإسرائيليات ترتيباً خاصاً
بالنسبة للجنسية، فقد سمحت للسكان
الفلسطينيين بالحصول على الجنسية
الإسرائيلية إذا تقدموا بطلبات
الحصول عليها بمحض إرادتهم ولكنها لم
تفرضها عليهم.ن أما الوضع القانوني
لسكان القدس الذين لم يحصلوا على
الجنسية فهو نفس وضع من يحصلون على
تصريح بالإقامة الدائمة، ولكنهم
يحصلون، إضافة لذلك، على بعض
الامتيازات وخاصة بالنسبة للعمل في
المؤسسات الحكومية (انظر لاحقاً) .
وبالنسبة
للمناطق التي تسري عليها هذه
الترتيبات فهي تمتد من عطروت (قنلديا)
في الشمال وحتى قبر راحيل (بيت لحم) في
الجنوب، ومن عين كارم في الغرب حتى
منحدرات الطور الشرقية، باستثناء بعض
المناطق الكثيفة السكان، وبعض القرى
التي تقع ضمن هذه الحدود .
وفي
العام 1980 تم تأكيد جميع هذه الترتيبات
السابقة وجميع المواقف والقرارات
الإسرائيلية الرسمية بشأن القدس. تم
ذلك من خلال سن قانون أساسي: "القدس
عاصمة إسرائيل" وينص هذا القانون
على البنود الرئيسية التالية:
-
توحيد القدس وكونها عاصمة اسرائيل .
-
القدس هي مقر رئيس الدولة، والكنيست،
والحكومة، والمحكمة العليا .
-
ضمان حماية الأماكن المقدسة وحرية
العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة
لجميع الأديان .
-
على الحكومة الاهتمام بتطوير القدس .
وتنبع
أهمية هذا القانون من حقيقة أن أي
اتفاق سياسي حول القدس يلزم تعديله أو
استبداله بقانون على نفس المستوى، أي
بقانون أساسي آخر، كما حددت ذلك محكمة
العدل العليا في تشرين الثاني 1995.
فهذا القانون لا يشكل بنداً حول تحديد
الأكثرية لتعديله، أي أنه غير محصن،
ومن الممكن تعديله أو استبداله
بأكثرية عادية. وقد شرع اليمين
الإسرائيلي في معركة برلمانية من أجل
تحويله إلى "قانون محصن" الأمر
الذي يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء
الكنيست لتعديل أي نص فيه. أما قرار
تحصين القانون نفسه فيحتاج إلى
أكثرية عادية فقط .
وبالإضافة
إلى سن القوانين أكدت المحكمة العليا
الإسرائيلية في مناسبات عديدة على
قانونية الإجراءات الإسرائيلية في
القدس الشرقية، على اعتبار أن شقي
المدينة موحدان حسب القانون وهي
عاصمة اسرائيل.
ويجدر
بالذكر أن مجلس الأمن الدولي كان قد
اعتبر سن قانون القدس عام 1980 مناقضاً
للقانون الدولي، وأن معاهدة جنيف
الرابعة تسري على القدس. كما أن
المجلس على موقفه هذا في أعقاب
استشهاد 18 فلسطينياً في المسجد
الأقصى في أكتوبر 1990 .
السياسة
الإسرائيلية في القدس ونتائجها
بالرغم
من ضم القدس الشرقية رسمياً، وضمها
إلى حدود بلدية القدس واعتبارها
عاصمة اسرائيل، فإن السياسة العملية
في المدينة لم تكن صارمة ودقيقة. فقد
خضعت السياسة الفعلية لعدة اعتبارات
عليها بعض الغموض. وكانت أهم
الاعتبارات:
-
رفض المجتمع الدولي لضم القدس، وعدم
اعترافه بقانونية الإجراءات
الإسرائيلية .
-
الخلافات الداخلية بين فئات وتيارات
يهودية و إسرائيلية .
-
حساسية الأديان الأخرى، المسيحية
والإسلام، لوضع المدينة .
-
عدم رغبة السلطات الإسرائيلية في ضمّ
السكان الفلسطينيين ومنحهم الجنسية
الإسرائيلية .
-
محاولة عدم خلق مقاومة شديدة من جانب
السكان الفلسطينيين .
ويمكن
تصنيف السياسات الإسرائيلية في القدس
إلى أربعة مجالات رئيسية على النحو
التالي:
1-
السياسة السكانية: ضمان أغلبية
يهودية
هناك
علاقة واضحة بين حجم السكان اليهود في
القدس وبين الإدعاء بأنها عاصمة
اسرائيل. فهبوط نسبة اليهود إلى حد
معين يجعل من الصعب الإدعاء بأن
المدينة هي عاصمة الدولة .
وفي
سبيل ضمان أكثرية يهودية في القدس
قامت السلطات الإسرائيلية، بعد
الاحتلال عام ،1967 برسم حدود جديدة
للمدينة. أخرجت الخارطة الجديدة من
حدود البلدية عدداً من التجمعات
السكانية الفلسطينية، واستخدمت
أساليب مختلفة لدفع باقي السكان، في
المناطق الواقعة داخل المدينة،
للانتقال إلى هذه التجمعات ومنحتهم
نفس حقوق سكان المدينة. وفي نفس الوقت
تم ضمّ وإدخال مناطق أخرى غير مأهولة
بالسكان لبناء مستوطنات جديدة. أما في
العام 1992 فقد تم توسيع حدود المدينة
من جهتها الغربية بهدف رفع نسبة
السكان اليهود .
أدت
هذه السياسة إلى رفع نسبة السكان
اليهود في القدس الصغرى (أي بدون
التجمعات السكانية الفلسطينية
الكثيفة بالسكان) إلى 72% بينما يشكلون
حوالي 50% من سكان القدس الكبرى (التي
تضم م
ناطق
أبو ديس والعيزرية وضاحية البريد
والرام وبيرنبالا وبيت حنينا القديمة)
.
2-
الوضع المدني للسكان الفلسطينيين
منح
سكان القدس الفلسطينيين الذين لم
يحصلوا على الجنسية الإسرائيلية
وضعاً خاصاً. وقد ضمن لهم هذا الوضع
مكانة المقيمين الدائمين حاملين
الهوية الإسرائيلية وعدداً من الحقوق
المدينة وأهمها:
-
حقوق الترشيح والتصويت للبلدية .
-
حقوق اجتماعية مثل مخصصات التأمين
الوطني والتأمين الصحي .
-
حق العمل في المؤسسات الإسرائيلية .
-
حق التنقل في البلاد .
ومن
جهة أخرى، فإن هذا الوضع أخضعهم
للقوانين والأنظمة الإسرائيلية مثل
تطبيق القضاء الإسرائيلي ونظام
الضرائب . . الخ، إلا أنه من الناحية
الفعلية لم تطبق عليهم جميع القوانين
بحذافيرها، وتم إعفاء السكان
الفلسطينيين في القدس من توفير الشرط
الأساسي للحصول على بعض الحقوق وهو
الجنسية الإسرائيلية. وقد تكون أبرز
مثل على ذلك السماح للمقدسيين بالعمل
في المؤسسات الرسمية كموظفي دولة في
عدد من المجالات مثل جهاز التعليم،
ومكاتب العمل، ووزارة الداخلية،
والشرطة وغيرها .
3-
الخدمات والاقتصاد
وكما
أسلفنا، فقد فرضت اسرائيل القوانين
والأنظمة العامة والبلدية على السكان
الفلسطينيين في القدس، ولكنها تسامحت
في تطبيقها. فقد عملت على توفير
المتطلبات الأساسية لجميع الفئات، مع
أن عدم تطبيق القوانين والأنظمة
أعفاها من تقديم جزء كبير من الخدمات،
واتبعت سياسة محددة تتضمن أساليب
عديدة لضمان الهدوء في المدينة، حتى
على حساب تحقيق بعض المصالح للأكثرية
اليهودية، وتبرز هذه السياسة في
المجالات التالية:
-
الحقوق الدينية: سمحت السلطات
الإسرائيلية للطوائف غير اليهودية
بإدارة شؤون الأماكن المقدسة التابعة
لها، ولكن بدون التنازل عن السيادة
الرسمية عليها. وقد طبقت ترتيبات خاصة
متفق عليها بالنسبة للإشراف والحراسة
وأعمال الترميم والصيانة في هذه
الأماكن، وكذلك وضعت ترتيبات للرقابة
على مضمون خطب الجمعة في المساجد .
وتنازلات
السلطات في موضوع تعيين القضاة في
المحاكم الشرعية، ولم تطبق القوانين
المدنية الإسرائيلية الخاصة
بالأحوال الشخصية، ولكنها في الوقت
نفسه لم تعترف بعقود الزواج في هذه
المحاكم إلا بعد مصادقة المحكمة
الشرعية في يافا عليها .
وفي
مجال العلاقات بين الطوائف تجنبت
السلطات الاحتكاك والتوتر مع
المسلمين بواسطة منع المتدينين
اليهود من الصلاة من باحة المسجد
الأقصى والذي يعتقد اليهود أنه أقيم
على "جبل الهيكل" أو بناء الهيكل
في نفس المكان .
-
الاقتصاد: لم تطبق القوانين
الإسرائيلية الخاصة بالنشاط
الاقتصادي في عدد من المجالات:
1-
السماح لأصحاب المصالح بالاستمرار
بالعمل حسب الترخيص الأردني والتنازل
عن تطبيق المواصفات والمعايير
الإسرائيلية .
2-
السماح باستخدام العملة الأردنية في
السوق بالرغم من وضوح القانون الذي
يمنع ذلك، بالإضافة إلى السماح
للصرافين بممارسة عملهم .
3-
فرض الضرائب الإسرائيلية بشكل تدريجي
وفي البداية حسب المعايير الأردنية .
4-
عدم تطبيق قوانين العمل خاصة تلك
المتعلقة بتشغيل صغار السن والحد
الأدنى من الأجور .
5-
منح الامتيازات لشركات النقل للعمل
في نطاق القدس الشرقية .
6-
منح حرية التنظيم المهني والمشاركة
مع سكان الضفة الغربية وقطاع غزة في
النقابات المهنية .
-
التعليم: لم تفرض السلطات
الإسرائيلية تطبيق منهاج التعليم
الإسرائيلي في المدارس الحكومية، ولم
تطبق فعلياً قانون التعليم الإلزامي،
فقد استمر التعليم حسب المناهج
الأردنية ومنح شهادات التوجيهي
الأردنية .
-
الخدمات الأخرى: يعتبر تنازل السلطات
الإسرائيلية في قضية تزويد سكان
القدس الشرقية بالكهرباء والمياه من
أكثر السياسات بروزاً حتى الآن.
فالقدس الشرقية هي الاستثناء الوحيد
من احتكار شركة الكهرباء الإسرائيلية
لهذا النوع من الطاقة. وحتى العام 1994
تمتعت شركة كهرباء القدس أيضاً
بامتياز تزويد الطاقة الكهربائية
للمناطق بالسكان اليهود والمستوطنات.
وأما بالنسبة للمياه فما زالت
المناطق الشمالية من القدس العربية
تتزود بها من مصلحة المياه في رام
الله .
سمحت
السلطات لعدد كبير من المنظمات
الدولية والفلسطينية بممارسة
نشاطاتها في تقديم أنواع مختلف من
الخدمات لسكان القدس الشرقية، ومن
جهة أخرى قامت بتقليص خدمات الدولة في
مجالات البناء والتطوير ومعظم أنواع
الخدمات العامة .
-
السكان: لقد شجعت السلطات السكن
المنفصل، وفي حالات عديدة منعت
اليهود من السكان في قلب التجمعات
السكانية الفلسطينية، بهدف منع
الاحتكاك والمحافظة على الهدوء. أما
الاستثناء ا لبارز في هذه السياسة فهو
الحي اليهودي في البلدة القديمة .
4-
توحيد المدنيتين
امتنعت
السلطات الإسرائيلية عن أي إجراء
يمكن أن يشير حتى بطريقة رمزية إلى
عدم وحدة المدينة. وأهم الأمثلة على
ذلك رفض إقامة جدران فاصلة لعزل
الأحياء اليهودية عن الأحياء العربية
لمنع الاحتكاك أو الاعتداءات بين
سكانها. كذلك رفض الاقتراح بإقامة
مجلس بلدي في الجزء الشرقي من المدينة
كمقابل لبلدية المدينة الغربية وعلى
نفس المستوى من المسؤولية والصلاحيات
.
أدت
هذه السياسة إلى استمرار واقع الفصل
بين القطاعين الإسرائيلي والفلسطيني
في القدس. فبنية الاقتصاد مختلفة، وهي
أشبه بالبنية الاقتصادية للضفة
الغربية، والفجوة في مستوى الحياة
والفرص كبرت مع الزمن، وكذلك، فإن
منظومة الخدمات الفلسطينية منفصلة
ومختلفة في مستواها في معظم المجالات
.
يشير
هذا الفصل إلى أنه من الناحية العملية
هناك قطاع سكاني فلسطيني منفصل عن
القطاع اليهودي، ويمكن ملاحظة
التطابق بين الفصل الشرعي والجغرافي
مما يدل على وجود مدينتين منفصلتين .
وقد
نتج هذا الفصل الفعلي بين المدينتين
بالرغم من السياسة الإسرائيلية
المعلنة التي كانت وما زالت تهدف إلى
تحقيق هدف معاكس هو إثبات واقع توحيد
المدينتين في مدينة واحدة. ولكن من
جهة أخرى تجب الإشارة إلى أن
الاستراتيجية الفلسطينية ساهمت بشكل
كبير في تثبيت واقع الفصل وتمييز
القدس العربية. فقد امتنع
الفلسطينيون، حاملو الجنسية
الإسرائيلية، عن المشاركة في
انتخابات الكنيست. في عام 1992 تراوحت
المشاركة ما بين 0،5% و4% في المناطق
المختلفة. أما في انتخابات البلدية
فقد كانت نسبة المشاركة منذ الاحتلال
وحتى الانتخابات الأخيرة عام 1993 على
النحو التالي: عام 1969: 21-22%، عام 1973:7%،
عام 1978: 14-15%، عام 1985: 18%، عام 1989: 4%، وفي
عام 1993 : 7% .
وقد
أسهمت هذه الاستراتيجية في تمكين
الفلسطينيين من المحافظة على مسافة
ما من الحكم الإسرائيلي، وهي تشير إلى
استمرار الفصل القطاعي والجغرافي
وإلى عدم دمج المدينتين فعلياً. وقد
نبه هذا الواقع السلطات الإسرائيلية
إلى ضرورة إحداث تحولات في سياستها،
يمكن أن تؤدي إلى دعم ادعائها بتوحيد
المدينة الآن وفي المستقبل. ويتضح ذلك
من سياسة تشجيع الحصول على الجنسية
الإسرائيلية وتكثيف بعض أنواع
الخدمات للسكان الفلسطينيين كما سنرى
لاحقاً .
سياسة
حكومة العمل تجاه القدس (1992-1995)
قد
تكون معرفة سياسة حكومة العمل في
القدس والإجراءات التي اتخذتها في
الفترة 1992-1995 ذات دلالة هامة حول
موقفها من الحل النهائي، لا سيما وأن
هذه الحكومة هي التي وقعت على
اتفاقيات السلام وهي المفضلة من جانب
الفلسطينيين لإجراء المفاوضات معها .
إن
أحد العناصر الأساسية في
الاستراتيجية الإسرائيلية التي
تعكسها حكومة العمل هو تأجيل البحث
والتفاوض حول القدس ووضعها في آخر
جدول أعمال المفاوضات بعد التوصل إلى
السلام مع الأردن وسوريا ولبنان
والفلسطينيين .
تهدف
هذه الاستراتيجية إلى تحقيق ثلاثة
أهداف :
-
تعميق السيطرة الإسرائيلية في
المدينة، خلال هذه الفترة، وتجني
الدعم السياسي اللازم لتحقيق الحل
الذي يرضيها .
-
عدم تقديم أية تنازلات قبل الاتفاق
على الحدود الخارجية بحيث لا تكون
التنازلات التي يمكن أن تقدمها في
القدس جزءاً من الاتفاق حول الحدود .
-
تعتقد اسرائيل بأن التوقيع على
اتفاقيات سلام يعمق الثقة بينها وبين
الدول العربية والسلطة الفلسطينية،
ويكسبها تسامح العالم فيها يتعلق
بعمليات التطوير الجارية في المدينة .
اتبعت
حكومة العمل الأساليب التقليدية
المعروفة وتبنت أساليب جديدة لتحقيق
الأهداف المذكورة أعلاه، وذلك بتأثير
الأوضاع الجديدة التي نتجت عن
الاتفاقيات مع الفلسطينيين في محاولة
للالتفاف على هذه الاتفاقيات
والاستفادة منها:
أ-
استمرت الحكومة في سياستها
الاستيطانية والسكانية للسيطرة على
أكبر مساحة ممكنة ورفع نسبة السكان
اليهود في المدينة غرباً لتضم
مستوطنة "مفسيرت تسيون". ثم بدأت
تعمل بخطى حثيثة لملء الفراغ
الجغرافي بين أجزاء المدينة واستيطان
المناطق التي كانت حتى الآن معرفة
بأنها "مناطق خضراء". وأبرز
الأمثلة على ذلك:
أ-
توسيع مستوطنة/ مدينة جفعات زئيف
جنوباً على حساب أراضي قرية بيت إكسا
بهدف ربطها بمنطقة مستوطنة/ مدينة
راموت .
ب-
مباشرة العمل في إقامة مستوطنة "هار
شموئيل" شمال مستوطنة رموت وهي تقع
على أراضي قرية النبي صموئيل بين رموت
وجبعات زئيف .
ج-
ربط كتلة أدوميم في الشرق وكتلة غوش
عتسيون في الجنوب بالمدينة بواسطة
توسيع منطقة حيلو .
د-
الإسراع في استيطان هضبة شعفاط، وهي
مخصصة لليهود المتدينين (ريخس شعفاط) .
هـ-
اتخاذ القرار بالاستيطان في جبل أبو
غنيم، جنوب شرق المدينة .
2-
استمرار نفس السياسة السكانية الخاصة
بالفلسطينيين عن طريق خفض عددهم إلى
أدنى درجة ولكن، في نفس الوقت، تشجيع
الحصول على الجنسية الإسرائيلية
للذين لا يمكن التخلص منهم. ورغم
اختلاف المعطيات حول عدد الذين حصلوا
على الجنسية الإسرائيلية بالفعل، إلا
أن أدنى التقييمات تشير إلى تقديم
آلاف الطلبات، وحصول آلاف
الفلسطينيين الآخرين على الجنسية..
ومن الممكن اعتبار نسبة المشاركة
المنخفضة في انتخابات المجلس
الفلسطيني مؤشراً على هذا التوجه .
3-
محاولة تحسين أوضاع السكان
الفلسطينيين وربط مصالحهم بالسلطة
الإسرائيلية عن طريق توسيع الخدمات.
ونلاحظ هذه المحاولة في توسيع
الخدمات الصحية، بحيث انتشرت
مستوصفات صناديق التأمين الصحي في
معظم مناطق القدس. كما يمكن ملاحظة أن
ا لقدس الشرقية قد شملت في تطبيق
التعديل في قانون التأمين الوطني
الذي أقرته الحكومة بهدف تحقيق
المساواة بين العرب واليهود في
مخصصات التأمين حتى العام 1997. كما أن
الإضافة التي أقرت للمخصصات كتعويض
عن التضخم المالي شملت أيضاً مدينة
القدس. وهذا مؤشر على التحول في
السياسة الإسرائيلية مقارنة
بالفترات السابقة .
تهدف
هذه السياسة بشكل واضح إلى ربط مصالح
سكان القدس الفلسطينيين باستمرار
السيطرة الإسرائيلية، وكذلك مواجهة
المطالبة الفلسطينية بالحصول على
صلاحيات ومسؤوليات في المدينة بحقيقة
أن السكان الفلسطينيين يحملون
الجنسية الإسرائيلية .
القدس
في برامج الأحزاب الإسرائيلية
يعتبر
الإجماع حول موضوع القدس من الأمور
الواضحة في برامج الأحزاب
الإسرائيلية وفي التصريحات المتكررة
للقيادات السياسية في جميع التيارات
والاتجاهات. وتبرز بشكل خاص ظاهرة
غياب البنود التي تحدد الموقف من
القدس في برامج أحزاب المتدينين
والأحزاب اليمينية المتطرفة. وتشير
هذه الظاهرة إلى اعتبار مواقف هذه
الأحزاب بديهية، ولا تحتاج إلى إشارة
خاصة، أو أن الموقف من القدس مدرج
ضمناً في بند عام حول "أرض اسرائيل"
التي لا يمكن أن تكون موضوعاً
للمفاوضات .
أما
الحزبان الكبيران فيتفقان في موقفهما
المبدئي على كون القدس مدينة واحدة لا
يمكن تجزئتها، وأنها عاصمة لإسرائيل
للأبد، كما سنبين بالتفصيل فيما يلي:
برنامج
حزب العمل:
ينص
البند الخاص من مبادئ حزب العمل التي
أقرها المؤتمر الخاص قبيل انتخابات
الكنيست عام 1992 على ما يلي:
"القدس
ومحيطها ليسا قضية سياسية أو أمنية،
ولكنها روح الشعب اليهودي، القدس
عاصمة اسرائيل وستبقى مدينة موحدة
تحت السيادة الإسرائيلية مع ضمان
حرية العبادة لجميع الأديان، ومنح
مكانة خاصة للأماكن المقدسة لدى
المسلمين والمسيحيين".
أما
بالنسبة للسياسة العملية نحو السكان
الفلسطينيين فقد نص برنامج الحزب
الانتخابي على:
"يستمر
التسامح وضبط النفس في كونها مبدأ
أساسياً في السياسة التي توجه
الحكومة والبلدية. وترى الحكومة في
مبدأ توفير خدمات متساوية، مع الأخذ
بعين الاعتبار الاحتياجات الخاصة
لفئات السكان المختلفة والمتنوعة،
غاية مهمة ومركزية لترسيخ وحدة القدس
وترى الحكومة نفسها ملتزمة وواجب
عليها، حسب القانون، أن تحترم الحقوق
والدينية لجميع فئات السكان في
المدينة، بدون تمييز حسب الانتماء
الديني أو القومي، والاهتمام بحاجات
جميع السكان .
برنامج
حزب الليكود:
لا
يختلف موقف حزب الليكود الرسمي، من
مدينة القدس، عن برنامج حزب العمل.
وهو ينص باختصار شديد على أن "القدس
هي عاصمة اسرائيل الأبدية، وأنها
مدينة لا يمكن تجزئتها، وهي تضمن لكل
الأديان حرية الوصول إلى الأماكن
المقدسة" .
لقد
انعكست مواقف الحزبين من القدس في
سياستهما المتبعة منذ عام ،1967 وبشكل
خاص في توظيف الأموال للاستيطان في
المدينة حتى بعد التوقيع على اتفاقية
إعلان المبادئ في 13 أيلول 1993. وهذه
السياسة مدعومة بإجماع شعبي إسرائيلي
يشجع ويدعم النشاط الاستيطاني في
الضواحي الجديدة حول القدس وحتى
التجمعات السكانية اليهودية البعيدة
مثل "غوش عتسيون"، والتي ينظر
إليها الإسرائيليون على أنها تجمعات
سكانية عادية ولا تدخل في تعريف
المستوطنات. وبالرغم من هذا الإجماع
الشعبي، فإن جميع الحكومات
الإسرائيلية لم تبادر للاستيطان في
المناطق العربية كثيفة السكان وفي
القدس القديمة، باستثناء الاستيطان
في الحي اليهودي .
القدس
ومعركة انتخابات الكنيست 1996
منذ
لحظة الإعلان عن تقديم موعد
الانتخابات للكنيست الرابعة عشرة
سارع حزب الليكود إلى وضع قضية القدس
على رأس جدول الأعمال للنقاش الشعبي
بهدف حزب العمل في الزاوية. فقد ادعى
الليكود أن العمل ينوي التفريط
بالسيادة الإسرائيلية على شرقي
القدس، وبادر إلى تقديم مشروع
للكنيست لتحويل "قانون أساسي"
القدس عاصمة إسرائيل" إلى قانون
"محصن". وقد أشرنا في مكان آخر
إلى أن تحصين القانون يعني عدم
إمكانية تعديله أو إلغائه إلا
بأكثرية ثلثي الأعضاء. هكذا حاول
الليكود أن يطرح موضوع مستقبل القدس
بصفته موضوع الانتخابات الرئيسي. فقد
أعلن مرشح الليكود لرئاسة الحكومة
بيبي نتنياهو" إن الانتخابات سوف
تكون عبارة عن استفتاء شعبي حول
مستقبل القدس". كما صرح رئيس
البلدية الليكودي، أهود أولمرت، في
ندوة عن مستقبل المدينة قائلاً :"حتى
لو بقيت القدس حجر العثرة الأخير في
طريق السلام فإنه لن يقدم تنازلات
فيها". وكان أولمرت قد كرر في
مناسبات عديدة ادعاءه أن حزب العمل قد
سلم الفلسطينيين سراً اقتراحات حول
تقسيم المدينة
إثر
هذا التركيز على قضية القدس من جانب
الليكود اضطر حزب العمل إلى الدخول في
النقاش حول مستقبل المدينة في لحظة
محرجة لأن الحكومة لم تنجح حتى تلك
اللحظة في بلورة موقف واضح يتوافق مع
اتفاقية إعلان المبادئ من جهة ويضمن
نجاح حزب العمل في الانتخابات من جهة
أخرى، لكن الهجوم المبكر والاتهام
بالتفريط بالقدس جر الحكومة وقيادة
العمل إلى إعلان مواقف صريحة. فقد
أصدر رئيس الحكومة السابق، شمعون
بيريس، تصريحاً يؤكد على وحدة القدس
ورفض تقسيمها، كما أعلن يوسي بيلين،
المحسوب على حمائم حزب العمل "لن
تقسم القدس إلى الأبد وستبقى تحت
السيادة الإسرائيلية المطلقة، ستكون
عاصمة إسرائيل"، وقد ألمح بيلين
إلى إمكانية التفاوض مع ا لفلسطينيين
للاتفاق حول تقاسم بعض الصلاحيات في
مجالات بلدية معينة على نمط إدارات
الأحياء. ثم عاد بيلين وأكد على هذا
الموقف بعد أسبوع في التلفزيون
الإسرائيلي موضحاً أنه يقصد منح
الفلسطينيين صلاحيات أقل من مستوى
بلدية وضرب مثلاً على ذلك الصلاحيات
الممنوعة في الأماكن المقدسة .
أما
تسالي ريشيف، زعيم حركة "السلام
الآن" والمرشح في قائمة حزب للعمل
في انتخابات الكنيست، فقد أضاف
تفاصيل توضح نوايا حزب العمل
المتعلقة بالمفاوضات حول مستقبل
القدس. فقد صرح في ندوة حول الموضوع أن
تقسيم القدس سياسياً غير ممكن وأن
التداخل الجغرافي المعقد بين
الجانبين لا يسمح بالفصل بين
الإسرائيليين والفلسطينيين، وأوضح
ريشيف أن كل حل لمسألة القدس يبدأ من
الفرضية أن المدينة ستبقى موحدة
وعاصمة إسرائيل، ولكنه استدرك قائلاً
"هذه نقطة بداية النقاش وليست
نهايته". ويفهم من تلميحه أن حزب
العمل سيكون مستعداً لإبداء مرونة
معينة خلال المفاوضات. وقد أتبع هذا
التلميح بتوضيح نوع التنازل الذي
ستقدمه إسرائيل، وهو منح الفلسطينيين
حق إقامة "مركز فلسطيني" في
مناطق القدس الكبرى، أي خارج حدود
البلدية. أما بالنسبة للأماكن
المقدسة فقد أكد أنه لن تمنح لأي طرف
سيادة عليها وإنما سيتم تحييدها.
وأعلن ريشيف خلال الندوة أنه حسب
معلوماته فقد وافق الفلسطينيون على
مبدأ بقاء القدس مدينة موحدة وعاصمة
إسرائيل، وعلى إقامة كيان فلسطيني
بجانب القدس، وأنهم قد وافقوا على
تجزئة عناصر السيادة .
وبشكل
عام، يلاحظ أن حزب العمل حاول أن يمنع
تحول موضوع القدس إلى موضوع رئيسي في
معركة الانتخابات، وبدل ذلك فضل أن
يطرح موضوع السلام بشكل عام بصفته
الموضوع الرئيسي بل والوحيد. وقد فعل
ذلك بسبب حساسية الموضوع بالنسبة
للفئات المتدينة في المجتمع
الإسرائيلي التي يحتاج إلى دعمها
لكسب الانتخابات، ولأن أكثرية
الجمهور الإسرائيلي تدعم التوصل إلى
حل سلمي مع الفلسطينيين، مع تعدد
وجهات النظر حول تفاصيل السلام .
وبالرغم
من محاولات العمل، واليسار
الإسرائيلي عامة، التهرب من موضوع
القدس خلال المعركة الانتخابية إلا
أن اليمين وعلى رأسه الليكود استطاع
أن يفرضه على الساحة بصفته موضوعاً
رئيسياً. وكان ذلك سبباً في اضطرار
مرشح العمل لرئاسة الوزراء أن يبادر
بنفسه إلى طرح الموضوع في المواجهة
التلفزيونية بينه وبين مرشح الليكود .
حكومة
الليكود ومستقبل القدس
أصبح
واضحاً أن الحكومة الحالية برئاسة
بنيامين نتنياهو التزمت بتنفيذ
الاتفاقيات بين الحكومة السابقة
والفلسطينيين . كما أن موقف الحكومة
من مستقبل القدس لا يختلف عن برنامج
حزب الليكود الانتخابي. ففي برنامج
الحكومة الذي عرضه رئيسها يوم 10
حزيران 1996 برز الموقف المتشدد وغير
القابل للتفاوض:"إن الحكومة تتعهد
ألا تقسم القدس وأن تجهض أية محاولة
للمس بوحدة القدس ومنع أي إجراء لا
يتوافق مع السيادة الإسرائيلية
الوحيدة في القدس" .
من
الناحية العملية نلاحظ أن الحكومة
الحالية تتبع نفس التكتيك الذي
اتبعته الحكومات السابقة والمتمثل في
تأجل المفاوضات حول القدس أطول مدة
ممكنة، وفي نفس الوقت خلق الحقائق في
الواقع، وترسيخ الصبغة الإسرائيلية
في المدينة جغرافياً وديمغرافياً.
وقد أعدت بلدية المدينة خطة للتطوير
تبلغ تكاليفها حوالي 600 مليون شيكل
جديد تخصص منها 10% لتطوير البنية
التحتية وجهاز الخدمات للسكان العرب
في الجزء الشرقي من المدينة. وتعتبر
هذه الخطة مجرد واحدة من الخطوات التي
ستنفذها اسرائيل لضمان سيادتها في
جزئي المدينة. فقد استمرت عملية
البناء في مختلف ضواحي المدينة وكذلك
شق الطرق الالتفافية والطرق التي تصل
بين أجزائها المختلفة. وأما خطة
البناء في جبل أبو غنيم فهي إجراء
إضافي لتكريس السياسة الإسرائيلية
وبناء الحزام السكاني حول القدس
لفصلها عن الضفة الغربية .
ومن
جهة أخرى، لا يمكن تجاهل حقيقة أن
حكومة نتنياهو لم تنفذ وعودها
للناخبين بإغلاق المؤسسات
الفلسطينيين ووضع حد للنشاط
الفلسطيني في القدس. فبالرغم من
مداهمة بعض المؤسسات وإغلاق أخرى إلا
أن الإجراءات الإسرائيلية لم تطل
المؤسسات الهامة والبارزة ولم توقف
نشاط شخصيات معينة من جانب السلطة
الفلسطينية. ففي شمال المدينة تعمل
مؤسسات ومكاتب رسمية تابعة للسلطة.
وفي داخل المدينة تنشط ثلاث شخصيات
نشاطها جزءاً من عمل السلطة
الفلسطينية (فيصل الحسيني في بيت
الشرق، ووزير الأوقاف الفلسطيني حسن
طهبوب، والمفتي عكرمة صبري). وكذلك،
هناك تواجد لمعظم الوزارات
الفلسطيني، بشكل مباشر أو غير مباشر،
إضافة إلى نشاط جهاز الأمن الوقائي
الفلسطيني. ومن المهم التذكير بأن
حكومة نتنياهو لم تنفذ وعدها بتحويل
قانون القدس إلى قانون محصن .
آفاق
المستقبل
مهما
كانت الخلافات بين الأحزاب
الإسرائيلية حول مسألة مستقبل القدس
فإنها تتفق مبدئياً على أن القدس
ستبقى موحدة وعاصمة اسرائيل. لكن
الخلافات يمكن أن تمس التفاصيل
والتكتيك الذي يتبعه كل طرف لتحقيق
نفس الهدف .
كانت
الحكومات السابقة ترى إمكانية التدرج
في الحل من الأسهل إلى الأصعب. أما
القضايا الصعبة فيمكن حلها تدريجياً
بحيث تبدأ بمشاركة الفلسطينيين
التدريجية في التخطيط والميزانيات
وترسيم حدود المنطقة العربية. وأما في
الحل النهائي فيتم الفصل بين أبعاد
السيادة المختلفة في المدينة. وكان
هذا يعني منح السكان الفلسطينيين
فرصة للارتباط بالكيان السياسي
الفلسطيني والتمييز بين هذا الارتباط
وبين الإقامة البلدية - المكانية .
أما
آفاق الحل في المستقبل من وجهة نظر
حكومة الليكود فيمكن فهمها من دراسة
دوري غولد عام 1995. ففي هذه الدراسة
يبين غولد أن الحل الجغرافي والحل
البلدي لا يمكن أن يكونا مقبولين على
الإسرائيليين. فهو يرى أن الأول، أي
تقسيم المدينة إلى مناطق جغرافية حسب
هوية السكان يمكن أن يحدث انقسامات
وهزات عنيفة في إسرائيل وهو مرفوض من
يهود العالم. أما الحل البلدي، الذي
كان يؤيده رئيس البلدية السابق تيدي
كوليك، فيثير تخوف الإسرائيليين من
أن يتحول إلى حل جغرافي ويؤدي إلى
اختلال التوازن السكاني القائم ومن
ثم السيادة المنفصلة .
إن
صعوبة إيجاد حل مرض لجميع الأطراف
تنبع، حسب وجهة نظر غولد، من اعتبار
اسرائيل أن قضية القدس هي قضية أمنية
في أساسها، فهذا الاعتبار يلزم
اسرائيل بإقامة منطقة أمنية حول
المدينة عن طريق استيطان منطقة القدس
الكبرى وربطها بكتل استيطانية في
الشمال في الشمال والجنوب والشرق.
وهذه المنطقة تضمن عزل الجزء العربي
في القدس عن الضفة الغربية .
وعلى
هذا الأساس، فإن الحل الوحيد الذي
يمكن أن يكون مقبولاً، حسب غولد، هو
الحل الديني، وهو يعني بقاء القدس تحت
السيادة الإسرائيلية وبضمان المصالح
الدينية لجميع الأديان والطوائف ولا
سيما في إدارة شؤون الأماكن المقدسة.
وتفضل اسرائيل أن يكون الأردن الشريك
الأول في إدارة هذه الأماكن، إضافة
إلى أطراف عربية وإسلامية توافق على
هذا الحل .
وليس
هناك شك بأن وجهة نظر غولد هذه تمثل
وجهة نظر معظم حكومات اسرائيل لا سيما
الحكومة الحالية. ولكن من جهة أخرى
يجب تجاهل حقيقة أساسية وهي أن هذه
الحكومة، وكل حكومة أخرى، تقع تحت
ضغوط خارجية وأخرى داخلية في
معالجتها لمستقبل القدس. بعض هذه
الضغوط موجهة لإبداء نوع من المرونة
في موضوع القدس وأخرى معاكسة تسير في
اتجاه عدم التنازل في أي مجال يمكن أن
يفسر بأنه تنازل، ولو بسيط، عن
السيادة .
وإلى
جانب كون الحكومة الإسرائيلية
الحالية حكومة يمينية متشددة في
موقفها من قضية القدس فإن محاولة
إبداء أي مرونة من جانب رئيس الحكومة،
في سبيل استمرار العملية السلمية
التي التزم بمواصلتها وإرضاء
للولايات المتحدة وبعض الأنظمة
العربية، تلقى معارضة شديدة من
الأحزاب المشاركة في الائتلاف
الحكومي، وخصوصاً الأحزاب المتدينة.
ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن حزب
العمل أيضاً يشمل جناحاً متشدداً في
هذه القضية بالذات وهو يدعم المواقف
الرافضة لأي نوع من التنازلات ويمارس
الضغط من أجل استمرار عملية استيطان
المدينة وتسريع البناء لفرض الأمر
الواقع .
الخاتمة
توضح
دراستنا أن موضوع القدس هو أحد
العناصر الهامة في الإجماع القومي
الإسرائيلي. فقضية توحيد المدينة
وبقائها عاصمة الدولة ليست موضوع
نقاش بين التيارات السياسية المختلفة.
وقد تبين لنا أن أكثر التيارات
اعتدالاً يمكن أن يوافق على إعطاء
صلاحيات إدارية معينة للفلسطينيين
فقط في حدود بلدية القدس الكبرى، أي
في المناطق العربية كثيفة السكان
الواقعة خارج حدود بلدية القدس
الصغرى .
لقد
كان تأجيل المفاوضات حول وضع القدس
النهائي في صالح الجانب الإسرائيلي
في كل الظروف والحالات. فقد استطاعت
اسرائيل حتى توقيع الاتفاقيات فرض
واقع سكاني وجغرافي يعرقل أي اتفاق
حول تقاسم المدينة، وبعد ذلك تضاعفت
جهود حكومة حزب العمل لترسيخ هذا
الواقع بوسائل عديدة حتى بثمن زيادة
عدد السكان الفلسطينيين الذين يحملون
الجنسية الإسرائيلية .
بعد
فوز حزب الليكود والنجاح الكبير الذي
حققته الأحزاب الدينية في الانتخابات
الإسرائيلية، في نهاية أيار ،1996 أصبح
التنازل الإسرائيلي في مدينة القدس
أصعب مما كان عليه في السابق. ومع ذلك،
فإننا نعتقد أن مستقبل مدينة القدس لا
يتعلق فقط بالموافق الإسرائيلية
وإنما بتوازن القوى على المستوى
الدولي وعلى مستوى الشرق الأوسط،
وأهم من كل ذلك بالمواقف الفلسطينية
وبوجود أوراق بأيدي الفلسطينيين يمكن
أن تتحول إلى وسائل ضغط على الطرف
الإسرائيلي. كما أن واقع المدينة
ومستقبلها يرتبطان في النهاية
بالاستراتيجية التي اتبعها
الفلسطينيون، منذ عام ،1967 ومدى
نجاحها في تثبيت واقع مناقض للواقع
الذي عمل الإسرائيليون على خلقه
وتثبيته . |