الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

بَيْن قُدْسَيْن

 

خيري منصور

صحيفة الخليج  الإماراتية 29/9/2004

 

تهلّ بعد أيام قليلة ذكرى مفعمة بالجمر والرماد، أوشك العرب على نسيانها في حمّى صراع كوميدي من أجل البقاء على قيد الرّغيف، لا على قيد الكتاب والتاريخ، والهوية، ولعل الأيوبي يحتاج هذا الأسبوع إلى صبر "أيوب" كي لا يتقلب في قبره، فالقدس محشورة بكل جوامعها وكنائسها في زنزانة، والأقصى يتداعى تحت معاول الاسخريوطي والعراق من جنوبه حيث تحولت حقول القصب في الأهوار إلى نايات.. وليس انتهاء بشماله الذي شهد مسقط رأس الأيوبي يئن تحت جنازير الدبابات.

 

والأرجح أن العرب يتجاهلون هذه الذكرى أو يغطون وجوههم كي تمر، لأنهم يشعرون بالحرج، والهروب من الماضي إلى أمام.. هو كالهروب من الجلد بعد نزعه، كلاهما مستحيل إلا لمن أصيب في صميم وعيه وغاب.

ولو صدقت الأنباء.. وهي الآن الأصدق من كل السيوف بعكس ما قال أبوتمام، فإن سيف الأيوبي قد بيع في بغداد، أو عثر عليه في محل لبيع الزهور، مما يضيف بعداً رمزياً لواقع مرّ.

 

لقد عانى اليهود زمناً طويلاً من عقدة ما يسمى "صلاح الدين سادروم"، لكنهم الآن على وشك الشفاء منها، ما دام الحال على ما هو عليه وما دامت القدس قد أوغلت في الغياب، وانحسرت حتى مساحة الرجاء في هذه الخريطة المترامية الأرداف.. لا الأطراف.

قبل أعوام قليلة كرّست الدولة العبرية عاماً للقدس أطلقت عليه عام تهويد القدس وتأبيد احتلالها لكن تحت عناوين أقل مباشرة وفظاظة من هذا العنوان، ولم يسمع العرب بالحكاية إلا عندما أسدل الستار، وعاد المدعوون إلى ديارهم وفي حقيبة كل واحد منهم هدية من القدس، هي أصبع طفل أو ساق شيخ، أو حبة زيتون تذرف الدمع.

تهل ذكرى ذلك الفتح العظيم، والتحرير الأبهى في تاريخ المقاومة، والاستجابة الفذة للتحدي والعواصم العربية، منها ما سقط، ومنها ما هو مدرج على قائمة الغزو.. ومنها ما وضع الطين والعجين في أذنيه ومضى نحو حتفه المجاني طائعاً يعد ما تبقى له من أعوام أو أيام.

 

مليار وربع المليار مسلم، يضاف إليهم أكثر من ربع مليار عربي، هم الذين سرقت قدسهم في عزّ الظهيرة، ولو قاوم كل بضعة ملايين منهم مستوطنة واحدة.. أو دبابة واحدة لما كان الحال هو الحال.. لكن الزمن تبدل، ولم تعد الكثرة ذات معنى إلا في قوائم الإحصاء الديمغرافي، أو استيراد الحنطة وحفر القبور لمن يأزف أجلهم.

فعصرنا، الذي يعج بالمفارقات في كل المجالات، تتجلى واحدة من مفارقاته في كون الكثرة قلة، والقلة كثرة، فالأغنى صار الأفقر بفضل سفاهته، والأوسع صار الأضيق لفرط حمقه وانهماكه في معارك دونكيشوتية حطمت سيوفه على طواحين التاريخ وليس الهواء فقط!

 

ولو كان من حقنا بعد أن أزهقت كل حقوقنا أن نستخدم الخيال في هذه المناسبة، فما الذي سيقوله الأيوبي إذا نهض من قبره وأجال بصره في هذه البلاد.. وهؤلاء العباد؟.

هل سيقول ما قاله الشاعر بأنه يفتح عينيه حين يفتحها فلا يرى أحداً! أم سيلملم ما تبقى من رميمه ويعود إلى وسادته الصخرية، وذات ذكرى أندلسية كهذه، تخيل كاتب عربي صقر قريش وقد عاد إلى الحياة، فحجز في مخفر عربي حدودي، وانتهى الأمر بمقايضته بشاحنة قمح.

إن الخيال ليزدهر في مناسبات كهذه، يشتد فيها البلاء فتسيل دموع الضحك.

فما يحدث لا يقبل التصديق، وإن كنا قد صدقناه على جرعات وتأقلمنا معه، فلأن متوالية الهزائم والانكسارات شلت خيالنا أيضاً إضافة إلى إرادتنا.

في الأسبوع الذي تهل به ذكرى الأيوبي وقدسه المحررة، تنصح الدولة العبرية المسلمين بعدم الصلاة في الأقصى، وتحديداً في المصلى المرواني لأنه قد يسقط ولا يقوى على حمل المصلين.

 

إنه احتفال صهيوني نموذجي بذكرى صلاح الدين، وعلينا أن نخلع الرجل.. ونخلع القدس أيضاً كما خلع ذلك الحالم بالسلطان صاحبه، كي نرى في ما يحدث مشهداً مألوفاً، ونواصل حياتنا بقوة الغريزة وفائض العلف.

وقد تكون سايكولوجيا المهزوم، والمتلذذ بلعق دمه، عصية على فهم من لم يكابدوا مثل هذا الداء، ونحن نعرف جيداً أن من لا تؤثر في وجدانه مشاهد من الدم النيء واللحم الطازج لن تؤثر فيه مواقف رمزية من موروثه، أو من أي موروث إنساني آخر.

 

وما نخشاه بالفعل هو أن يفوز دعاة الواقعية الزواحفية بالرهان، ويصبح كل ما هو رمزي، وله صلة بالتكوين الروحي للعرب مجرد عبء يجب اطراحه جانباً، لأنه يعوق السعي نحو سلام أنكى من حرب، وقد تكون المعارك المقبلة التي بدأت رائحتها تقترب من أنوفنا رغم هذا الزكام السياسي هي معارك بيننا وبيننا، أي بين ما هو حي ونابض فينا، وبين ما تهرأ من النسيج أو تعفن من الأطراف الميتة.

 

وقد لا تنفرد ذكرى الأيوبي، وتحريره للقدس بهذه اللواعج والتداعيات المريرة، رغم أنها من أعز الذكريات وأبهى المناسبات في تاريخنا، فثمة مناسبات أخرى، تدفعنا إلى مقارنات مأساوية، وأخرى كوميدية، فليس صحيحاً القول ما أشبه اليوم بالبارحة، لأن البارحة شهدت رجالاً من سلالة مهددة بالانقراض، وعزاؤنا الباقي رغم شحة الضوء في الأفق المحتل.. هو أن هذه الأمة لم تنزع رحمها بعد، وأن التاريخ في مطالعه.. وليس في خاتمته كما يحاول مستثمرو هزائمنا إيهامنا وتضليلنا به.