|
قضية
القدس في مفاوضات الوضع النهائي
خطر إكمال تهجير المقدسيين العرب من
بيت المقدس
أ.د
احمد صدقي الدجاني
مفكر عربي فلسطيني
ما
الحقته الغزوة الصهيونية وتلحقه
بإنسان القدس وزرعه قد بلغ حداً يفوق
الوصف، فهناك 1220 شجرة تم قطعها في
القدس منذ إبرام اتفاق أوسلو، ويكشف
تقرير صادر عن معهد الأبحاث
التطبيقية الفلسطينية في 10/1998، أن هذا
العدد من أصل 37506 من الأشجار التي تم
قلعها من الضفة الغربية في السنوات
الخمس الماضية. وأن الأراضي المصادرة
في القدس بلغت 234،73 دونماً من أصل 943،177
دونماً في الضفة، تعادل 3% من مساحتها.
وقد
يستغرب من لم يخبر الاحتلال العسكري
الإسرائيلي هذه الأرقام، ولكنه سوف
يفهمها حين يراجع القرارات والأوامر
العسكرية الإسرائيلية الخاصة بالأرض
والعمارة والإنسان والشجرة، وهي
مجموعة ومنشورة، وكذلك حين يستحضرها
ما أذاعته وكالات الأنباء بسرقة تربة
الأرض التي قامت جرافاته بجرفها،
وتتابع مركزا بحثية عديدة ما يقوم به
الاحتلال الإسرائيلي للقدس من
انتهاكات لحقوق الإنسان العربي
الفلسطيني الفلسطيني مسلماً كان أو
نصرانياً فيها: ومنها مراكزاً بتسليم
(مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق
الانسان في الأراضي المحتلة)،
وهموكيد (مركز الدفاع عن حقوق الفرد)
الإسرائيليان.
وتتضمن
هذه الانتهاكات الاعتقال الإداري
وصوراً من التعذيب في السجون
الإسرائيلية الذي يعتبره القانون
الإسرائيلي مشروعاً، وقد نشرت "مورين
ميهان" في مقالها "شرعية التعذيب
في إسرائيل يجري نقاشها" في مجلة
تقرير واشنطن (7/8/1998) صورتين لممثل
إسرائيلي يمثل كيفية تعذيب الشاباك (جهاز
الشرطة الإسرائيلي) للمعتقلين من
أبناء القدس وفلسطين، يجلس المعتقل
في واحدة منها القرقصاء ويداه
مربوطتان إلى خلف ظهره مع قدميه وكيس
يغطي رأسه، وفي الأخرى وهو في الحال
نفسه ملقى على جنبه، وتتضمن قائمة
التعذيب الإسرائيلية أربعة وعشرين
صنفاً بدنياً وخمسة وعشرين صنفاً
نفسياً ضمنتهم أحد فصول كتابي «لا
للحل العنصري في فلسطين» نقلاً عن
تقارير مراكز حقوق الانسان ومركز غزة
للصحة النفسية بخاصة .
هذا
الحديث عما يتعرض له الإنسان المقدسي
والفلسطيني بعامة ثقيل على النفس،
ولكن لا مفر منه ونحن نتتبع نذر
القطيعة في القدس، ويمكن إيجازه بأن
سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنزل
عقوبات بأهل القدس وفلسطين تتضمن فرض
حصار شبه دائم عليهم، ويستهدف هذا
الحصار القدس بخاصة التي يجري
إغلاقها في فترات متقاربة .
وقد
عرض هشام الخطيب - وهو مقدسي ووزير
أردني سابق ومستشار بحثي- في بحث قدمه
في ندوة "تكلفة النزاعات البشرية"
في منتدى الفكر العربي (10/1998)
التأثيرات المؤذية غير الملموسة لهذه
العقوبات مادياً ونفسياً وبخاصة في
جيل الشباب، وهي تتضمن في جانبها
المادي نقصاً غير مسبوق في المياه
شرحته "مورين ميهان" في مقالها
في تقرير واشنطن (10-11/1998)، كماتتضمن في
جانبها النفسي جيشاناً نفسياً عند
الشباب المقدسي .
ليس
خافياً أن جميع هذه الانتهاكات
الصهيونية التي يقوم بها الاحتلال
الإسرائيلي تجاه أهل المقدسي من
العرب المسلمين والنصارى تقع في إطار
سعيه الدائب لطردهم من مدينتهم
المقدسة، وقد استطاع فعلاً أن يهجّر -
مستعيناً بسياسات دول غربية - جلّ أهل
القدس من النصارى العرب الفلسطينيين
فأصبح عددهم اليوم لا يصل إلى تسعة
آلاف، بينما كان المفروض وفقاً للنمو
السكاني أن يكون في القدس الشرقية
حوالي مائة وأربعون ألفاً .
وهو
متربص اليوم بحوالي المائتي ألف
الصامدين من المقدسيين المسلمين
والنصارى، يسعى بدأب لترحيلهم وفق
خطة جديدة تقوم على الترحيل السري لهم
بإلغاء إقامتهم في ا لقدس الشرقية،
وقد كشف مركزا بتسليم وهموكيد
الإسرائيليان هذه الخطة في تقريرهما
المنشور بتاريخ 7/4/1997، الذي نشرت
ملخصه مجلة الدراسات الفلسطينية (صيف
1997).
ويتداعى
إلى خاطر كاتب هذا الحديث ما قالته له
زميلة ابنته المقدسيةحين زارتهما
قادمة من القدس عن تعليق موظفة
الجوازات الإسرائيلية في مطار اللد
المحتلة، حين أبرزت الشابة
الفلسطينية العربية الهوية
الإسرائيلية التي تحملها اضطراراً «أنت
لست مواطنة في أورشليم وإنما مقيمة
مؤقتاً» كان ذلك قبل عامين إثر تولي
حكومة نتنياهو الإسرائيلية الحكم .
بقي
أن نشير إلى أن هذا التهويد
الإسرائيلي للقدس الذي ينتهك القانون
الدولي وقرارات الأمم المتحدة
والشرعية الدولية، يتم باسم القانون
الإسرائيلي الذي سنّه مستعمر مستوطن
عنصري صهيوني .
ولا
يتسع مجال هذا الحديث لشرح قراءة هذا
القانون وعنصريته، وهو ما فصلته بحوث
كثيرة منها: كتاب "قانون المحتل"
لجوناثان كثاب، وكتاب كوينجلي "فلسطين
وإسرائيل تحدٍ للعدالة". .
وما
كان لهذه الانتهاكات أن تمضي بلا عقاب
دولي لولا أن قوى هيمنة غربية في
الولايات المتحدة الأمريكية بخاصة
حمتها من هذا العقاب الدولي في ا لأمم
المتحدة، وزودتها بالدعم اللازم لفرض
الأمر الواقع على القدس والمقدسيين
والفلسطينيين العرب والمؤمنين
بعامة، ولكنه فرض إلى حين، لأنه غير
قابل للاستمرار شأن الظلم بعامة، كما
هي عبرة التاريخ .
في
ختام هذا الحديث عن نذر القطيعةفي
القدس، يتداعى إلى الخاطر ما قاله لي
أحد رجالها الصامدين المهندس إبراهيم
الدقاق في مطلع هذا العام 1998 حين
التقينا في فريق عمل في عمّان لبحث
أوضاعها بدعوة من مركز دراسات الوحدة
العربية «الاحتلال الإسرائيلي ماض في
استكمال خطة تهويد القدس في حلقات
ثلاث الأولى - عزل مدينة القدس عن
محيطها، وعزل المقدسيين العرب عن
مؤسساتهم المدنية والوطنية
والإدارية وعن أي نشاط يحافظ على
ترابطهم.
الثانية
- تشريع عمليات الطرد وتنفيذها بمختلف
الوسائل، والثالثة - متابعة
المستوطنين المستعمرين اليهود
وإحلالهم محل المقدسيين العرب مسلمين
ونصارى» .
ثم
نردف قائلين بلسان المقدسيين: «نحن
أهل القدس عازمون على ا لصمود، وطنّا
أنفسنا على الصبر مع متابعة مقاومة
الاحتلال بأقصى ما نستطيع إلى أن
ينبلج الفجر، فنحن ندرك أن الأيام
دول، ونحن مؤمنون بالله» .
كل
قطيعة حدثت في تاريخ بني آدم - دينية
كانت أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية
أو حضارية بعامة- نجمت عن فكر ينفى "الآخر"
ويجعل أصحابه يشرعون "الظلم"
فيصبح "عدلهم" جوراً ولا يقبلون
للآخر ما يقبلونه لأنفسهم، ولا يحبون
له ما يحبونه لأنفسهم، وهو معيار
العدل الذي نزل به الوحي الإلهي على
كل الأنبياء والرسل، وقالت به
الفلسفة الإنسانية وحكماؤها، ويتحول
هذا الفكر إلى عقيدة صماء تعمى أبصار
معتنقيها وبصائرهم، فيحدث الصراع
ويحتدم إلى أن ينهزم العدوان
والطغيان .
علينا
في ضوء هذه الحقيقة التاريخية، ونحن
نتعمق دراسة نذر القطيعة في القدس، أن
نتعرض على هذا الفكر الذي يسبب النذر
كي نعمل على نبذه .
القدس،
العدد العاشر، اكتوبر 1999م |