|
سيناريو القدس في وثيقة جنيف
بقلم: د.
أحمد يوسف القرعي
صحيفة الأهرام
1/1/2004
في الوقت
الذي تجاهلت فيه خطة الطريق قضية القدس وفضلت عدم التطرق إلى مقترحات
محددة بشأنها تحت رعاية اللجنة الرباعية ( الولايات المتحدة
-الاتحاد الروسي - الاتحاد الأوروبي- الأمم المتحدة) فإن وثيقة
جنيف خاطرت بالدخول إلى عش الدبابير وقدمت اقتراحات تفصيلية بشأن
القدس ومختلف القضايا التي كانت تصنف بقضايا التسوية النهائية
وأبرزها قضايا حقوق اللاجئين أو حق العودة والتعويض والمياه
والحدود... الخ ويهمنا هنا طرح (سيناريو القدس في وثيقة جنيف)
وهل أخذ السيناريو في حسبانه الدروس المستفادة من المواجهة الساخنة
التي وقعت بشأن المدينة المقدسة في محادثات كامب ديفيد(2) خلال
يوليو 2000 بوساطة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون؟ وأسفرت عن
رفض فلسطيني شديد رغم الزعم بتنازلات غير مسبوقة من جانب رئيس
الوزراء الإسرائيلي باراك بشأن سقف المطالب الإسرائيلية في القدس.
نتناول أولاً
دروس كامب ديفيد(2) من خلال عرض الأفكار التي اقترحها كلينتون
والرد الفلسطيني الرافض لها ثم نعرض للإشارات السريعة التي أوردتها
خريطة الطريق بشأن القدس، وتخوف الخريطة من الانزلاق إلى تسجيل أن
القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية التي بشرت بقيامها عام 2005،
وبعد ذلك نعرض سيناريو القدس كما قدمته وثيقة جنيف بتفصيلات أكثر من
خريطة الطريق.
وبشأن
التحفظات الفلسطينية تجاه مقترحات الرئيس كلينتون بخصوص القدس سجل
المفاوض الفلسطيني في بداية يناير2001 عدة ملاحظات عليها كما
يلي:
في موضوع
القدس اقترح الرئيس كلينتون المبدأ العام بأن المناطق العربية ستكون
لفلسطين والمناطق اليهودية ستئول إلى "إسرائيل" ولكنه ناشد الطرفين
العمل على خرائط توجد الحد الأقصى من التوصل الجغرافي لكليهما، وتم
تقديم صياغتين محتملتين فيما يتعلق بسيادة وحقوق كل من الجانبين على
الحرم الشريف، والجدار الغربي، وتتكلم كل من الصياغتين حول السيادة
الفلسطينية على الحرم الشريف والسيادة الإسرائيلية على الحائط
الغربي، مع الحد من صلاحيات الجانبين بالحفر، والتنقيب تحت الحرم
أو وراء الحائط.
إن الصياغتين
الأمريكيتين حول الحرم تطرحان عدداً من الإشكاليات.
يبدو أن
المقترح الأمريكي يعترف ضمناً بالسيادة الإسرائيلية تحت الحر م حيث
يلمح أن لإسرائيل الحق بالحفر خلف الحائط (وهي ذات المنطقة التي
تقع تحت الحرم) ولكنها تتخلى طواعية عن هذا الحق كما أن مصطلح
الحائط الغربي يمتد إلى منطقة تتعدى الحائط الغربي، وتضم النفق الذي
فتحه رئيس وزراء "إسرائيل" الأسبق نتنياهو عام 1996 والذي أدى إلى
مواجهات واسعة النطاق.
إن الجانب
المتعلق بالأرض في المقترح الأمريكي حول القدس يطرح عدداً من
الإشكاليات ويتطلب مزيداً من التوضيح.
كما توضح
الخريطة فإنه وكنتيجة للسياسة الاستيطانية الإسرائيلية في القدس
الشرقية المحتلة تلك السياسة التي حازت على شجب عالمي فإن المقترح
الأمريكي بأن المناطق العربية ستكون لفلسطين والمناطق اليهودية ستئول
إلى "إسرائيل" لا يمكن توفيقه مع مبدأ الحد الأقصى من التواصل
الجغرافي للجانبين والذي طرح في ذات المقترح لأن هذه الصيغة ستؤدي في
نهاية المطاف إلى جزر فلسطينية متقطعة داخل المدينة، بينما ستتمكن
"إسرائيل" من المحافظة على تواصلها الجغرافي، وعليه فإن المقترح
الحد الأقصى من التواصل الجغرافي للجانبين سيترجم في الواقع إلى الحد
الأقصى من التواصل الجغرافي لإسرائيل.
إن استمرار
"إسرائيل" بالمطالبة بالسيادة على عدد من المواقع الدينية غير
المحددة جغرافيا في القدس، ورفضها المستمر تقديم خرائط توضح مطالبها
في القدس إنما يعززان من المخاوف الفلسطينية أن أي حل مقبول
فلسطينياً يجب أن يضمن التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية في
القدس من جهة، وبين القدس وبنية الأراضي الفلسطينية من جهة أخرى.
إن أحد
العناصر الأساسية للموقف الفلسطيني حول القدس يتعلق بمكانتها كمدينة
مفتوحة مع ضمان حرية الجميع في الوصول إليها. إن هذه المكانة
أساسية ليس فقط لضمان حرية الوصول إلى مواقع العبادة في جميع الأماكن
المقدسة لكل مؤمن بقداسة المدينة، ولكنها أيضاً في غاية الأهمية
لضمان التواصل وحرية الحركة ضمن الدولة الفلسطينية وللأسف، فإن
العرض الأمريكي لا يشير إلى هذا المبدأ.
هذا عن
الموقف الفلسطيني الرافض لأية تنازلات أساسية تمس عروبة القدس
الشرقية، أما بشأن خريطة الطريق فلم تشير إلى وضع القدس إلا في ثلاث
فقرات سريعة وردت في سياق المرحلتين الثانية والثالثة بينما تجاهلت
ديباجة خريطة الطريق والمرحلة الأولى الإشارة إلى القدس من قريب أو
بعيد.
وبشأن ما جاء
بالمرحلة الثانية بشأن القدس فقد أشارت الترتيبات التي وضعتها هذه
المرحلة لبناء المؤسسات الفلسطينية بإيجاز شديد إلى المؤسسات
الفلسطينية المغلقة في القدس الشرقية وطالبت الحكومة الإسرائيلية
بإعادة افتتاح الغرفة التجارية الفلسطينية وغيرها من المؤسسات
الفلسطينية المغلقة في القدس بناء على التزام بأن هذه المؤسسات تعمل
بشكل تام وفقاً للاتفاقيات السابقة بين الطرفين.
ولعل هذا
النص يوحي بأن خريطة الطريق لا تريد تسييس عمل تلك المؤسسات وفي
مقدمتها بيت الشرق الذي كان بمثابة وزارة للشئون الخارجية
الفلسطينية.
أما ما جاء
في سياق المرحلة الثالثة من خريطة الطريق بشأن القدس فلم يقدم
مقترحات بشأن مستقبل المدينة بل قام بترحيل القضية برمتها - كما فعلت
أوسلو(1) من قبل عام 1993- إلى مؤتمر دولي تعقده المجموعة
الرباعية بالتشاور مع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي مطلع عام 2004
للمصادقة على اتفاق يتم التوصل إليه يؤدي إلى حل دائم لقضايا الوضع
الدائم في عام 2005 بما في ذلك الحدود، والقدس واللاجئين،
والمستوطنات ثم عادت خريطة الطريق وأشارت إلى المعالم الرئيسية
لسيناريو الحل المتوقع للقدس الذي يأخذ بعين الاعتبار الاهتمامات
السياسية، والدينية للجانبين، ويصون المصالح الدينية لليهود
والمسيحيين والمسلمين على صعيد العالم ويحقق رؤيتي دولتين،
"إسرائيل"، ودولة ذات سيادة مستقلة ديمقراطية وقابلة للحياة هي
فلسطين تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن
يعني هذا أن
خريطة الطريق نهجت نهج أوسلو(1) في عملية الترحيل للقضايا الشائكة
بينما وثيقة جنيف آثرت تسجيل مقترحاتها بشأن القدس جنباً إلى جنب
مقترحاتها بشأن القضايا الشائكة الأخرى وكأنها حزمة واحدة كما يلي:
قيام دولة
فلسطينية بجوار "إسرائيل" على الأراضي الفلسطينية ما قبل الاحتلال
الإسرائيلي في عام 1967 وتتعهد "إسرائيل" بالانسحاب من الأراضي
المحتلة على مراحل في غضون 30 شهراً من تطبيق الاتفاق، ويتفق
الجانبان على بعض التعديلات بالنسبة لحدود 1967 ( الخط الأخضر).
تتبادل
الدولتان التمثيل الدبلوماسي والقنصلي الكامل بمجرد الإعلان المتبادل
والمتزامن عن اعترافهما بحق وجود الآخر.
تحتفظ
الدولتان - فلسطين - و"إسرائيل" - بعاصمتيهما في المناطق الخاضعة
لسيادتيهما من مدينة القدس، ويعني ذلك قيام العاصمة الفلسطينية في
القدس العتيقة (الشرقية) ويستثني الحي اليهودي وحائط البراق
(المبكى) من السيادة الفلسطينية.
تحتفظ قوات
الأمن الإسرائيلية بحق التمركز والحراسة في تجمع مستعمرات جوش عتصيون
في جنوبي الضفة الغربية، وفي ضواحي مدينة القدس، وتضم مستعمرات:
أرييل، وعفرات، وجبل أبو غنيم إلى الدولة الفلسطينية الوليدة.
تتنازل
"إسرائيل" عن حق السيطرة على مناطق في صحراء النقب تتاخم قطاع غزة
مقابل مناطق بالضفة الغربية تخضع حاليا للفلسطينيين، أو تمثل حقاً
لهم.
تقيم
الدولتان ممراً يربط الضفة الغربية بقطاع غزة على أن يخضع الممر
للسيادة الإسرائيلية، ويديره الفلسطينيون.
ويبدو واضحاً
أن وثيقة جنيف التي جاءت في أكثر من 50 صفحة وبتفصيلات دقيقة
للقضايا الخلافية تعد مسودة اتفاقية للوضع الدائم التي طالبت خريطة
الطريق بعقد مؤتمر دولي لوضعها عام 2004 وتحقيقها على قيام الدولة
الفلسطينية عام 2005، ويعني هذا أن وثيقة جنيف قد اختصرت مشواراً
طويلاً من المفاوضات في ظل خريطة الطريق لوضع مثل هذه المعركة، وما
يهمنا واقع ومستقبل القدس.. وهي القضية التي تحطمت عليها محادثات
كامب ديفيد(2) (يوليو2000 - يناير2001) فهل يتكرر الفشل مرة
أخرى أمام الثوابت الفلسطينية أو الخطوط الحمراء الفلسطينية بشأن
عروبة القدس الشرقية؟ ولعل الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب إعادة قراءة
لوثيقة جنيف؟!
|