الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

تأثير المقدسات الدينية على المركز القانوني لمدينة القدس

الدكتور جعفر عبد السلام
نائب رئيس جامعة الأزهر، وأستاذ القانون الدولي بكلية الشريعة والقانون

المقدمة

إن وجود مقدسات لملايين الأفراد من البشر، فرض نفسه دائماً على النظام القانوني والسياسي لهذه المدينة، تجلى ذلك في مختلف عصور التاريخ التي جعلت الصبغة الدموية تؤثر على تاريخ المدينة لحقب طويلة .

فاليهود لهم مقدساتهم الدينية، وأهمها: الهيكل، وللأسف هناك ظن منهم أنه مدفون تحت جزء من المسجد الأقصى الذي يقدسه المسلمون، ومن هنا اعترف لهم بحق الوصول إلى الهيكل وممارسة طقوسهم نحوه، مع الاعتراف بملكية المسلمين الكاملة له .

وتوجد مقدسات لمختلف الطوائف المسيحية كذلك في القدس. ولقد أدى ذلك بالعديد من الدول، وكذلك بالأمم المتحدة نفسها إلى المناداة بتدويل القدس، وجعلها تابعة لمجلس الوصاية الدولي الذي قام بوضع نظام كامل لحكم المدينة دولياً، بما يكفل تنفيذ القانون الديني للمدينة .

والواقع أن العرب والمسلمين وقفوا ضد تدويل المدينة، مستندين إلى مجموعة من الحجج في مقدمتها أن القدس مدينة عربية محتلة، والتدويل ينزع ملكيتها رغماً‌ عنهم، كذلك عرفت المدينة الاستقرار في ظل الحكم العربي والإسلامي لها، ولم تكن هناك مشاكل لها أهميتها طوال فترة السيطرة العربية على المدينة. وأخيراً فإن تجارب التدويل التي جرت في العصر الحديث لم تلق نجاحاً سواء بالنسبة لمدينة (دانزاج الحرة) أو لمدينة (تريستا) التي انتهى الحال بهما إلى الخضوع ولسيطرة دولة من الدول .

وقد ساندت إسرائيل في البداية مشروع تدويل المدينة، عندما لم تكن قد وضعت يدها عليها، ولكن بعد أن خضعت المدينة لها، سارعت بإعلانها عاصمة أبدية ودائمة لها، ورفضت أي دعاوى لتدويلها، مستندة إلى الحقوق التاريخية التي تزعم أن لها حق في المدينة. وتحت هذه الدعاوى، قامت وتقوم بنشاط دائب لإحلال الطابع الصهيوني واليهودي بالطابع العربي الإسلامي للمدينة، سواء من ناحية السكان، إذ جعلت غالبيتهم من اليهود، أو من ناحية طبيعة المباني، والمؤسسات التعليمية والثقافية والاقتصادية، وبالجملة: الطبيعة الديمغرافية الكاملة للمدينة .

بل مما يؤسف له أن إسرائيل تقوم بحفريات واسعة في المدنية، تهدد الأماكن المقدسة للديانات الأخرى وخاصة الديانة الإسلامية .

وجدير بالذكر أن كل طرف لم يستطع في نزاعه أن يتجاهل حقوق الطرف الآخر في الأماكن المقدسة، والعرب يُقرّون بحقوق اليهود في المدينة في إطار (الوضع القائم) والذات حقهم في ممارسة الشعائر، وكذلك الصهاينة لا يتجاهلون حقوق المسلمين والمسيحيين في أماكنهم المقدسة كما أوضحنا من الناحية النظرية، بل صارت أماكنها مهددة بالضياع، فضلاً عن أن المدينة ليست مدينة يهودية بل مدينة عربية إسلامية، نجد ذلك بوضوح في القسم الشرقي، الذي يسلم العالم كله أنه جزء محتل من أرض فلسطين العربية التي أخذت بالقوة في حرب 1967، وكذلك بالنسبة للقدس الغربية التي تعد بدورها من الأراضي العربية، المحتلة عام 1948.

ومن ثم فبإعلانها عاصمة موحدة لإسرائيل، وبإجراء التعديات المختلفة على الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة فيها، فإن إسرائيل تنتهك القانون الدولي، لذا فمع التسليم بحق العرب في المدينة، إلا أنه بالنسبة للأماكن المقدسة للديانات الأخرى، نجد خلافاً في الطريقة التي يجب أن تحمى بها .

موقف مصر من مشكلة التوفيق بين السيادة والقداسة:

وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نتفهم موقف العديد من القوى السياسية من مشكلة القدس في الوقت الحاضر. وعلى سبيل المثال نجد موقف مصر من المدينة قبل وبعد اتفاقها مع إسرائيل، والذي يتمثل في اعتبار (القدس العربية) مدينة عربية محتلة وجزء من الضفة الغربية لنهر الأردن، ومن ثم فيجب أن تكون القدس العربية تحت السيادة العربية، وأنه يحق للسكان الفلسطينيين في القدس العربية ممارسة حقوقهم الوطنية المشروعة باعتبارهم جزء من الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية .

وترى مصر كذلك أنه من الواجب تطبيق القرار رقم 242 الصادر من مجلس الأمن على هذه المدينة، وهذا يعني اعتبارها من الأماكن التي احتلتها إسرائيل في نزاع 67، فيحكمها على ذلك قانون الاحتلال الحربي بما يعنيه ذلك من ضرورة استرداد العرب لها، ويعني الموقف المصري أن هناك بمفهوم المخالفة "قدساً أخرى" غير عربية لا تخضع لهذا النظام وهي "القدس الغربية" التي لم تحتل في حرب 1967.

ومع التسليم بهذه الطبيعة العربية للمدينة، فإن الموقف المصري منها يقر بحقوق أصحاب الديانات الأخرى فيها، فيرى ضرورة كفالة حرية الوصول إلى المدينة لكافة الشعوب، وأن يتمتعوا بحرية ممارسة شعائرهم الدينية فيها، ويحق الزيارة والعبور إلى الأماكن  المقدسة دون تميز أو تفرقة .

وقد تأكد الموقف المصري حول مشكلة القدس في المكاتبات المتبادلة بينها وبين الولايات المتحدة بعد إبرام اتفاقات "كامب ديفيد"، فقد ذكرت أنه يتعين عدم تقسيم الوظائف الضرورية في المدينة، ويمكن أن يشرف عليها مجلس بلدي مشترك يتكون من عدد متساوٍ من الأعضاء العرب والإسرائيليين، وبهذه الطريقة فإنه لن يتم تقسيم المدينة، ويبدو أنه هذا الاقتراح يتصل بدوره بالقدس العربية، كمدينة ترفض مصر تقسيمها، وتعتبرها مدينة موحدة .

فلا شك أن  الاقتراح المصري في أجزائه الأولى يتصل بالقدس العربية، ويعتبرها مدينة احتلت في حرب 1967 ويرفض ضمها لإسرائيل .

ولم يقل أحد بتقسيم هذه المدينة، إنما اقتراح التوحيد والتقسيم يتصل بالمدينة ككل منذ أن أعلنت إسرائيل أنها عاصمتها الموحدة في عام 1967، ثم أكدت ذلك في عام 1980، فهل تعني مصر أن القدس كلها مدينة عربية ويجب ألا تقسم؟

إن صيغة الاقتراح تقترب من هذا الحل، خاصة أن مصر لم تستخدم أبداً مصطلح القدس الشرقية أو الغربية، وإنما استخدمت دائماً مصطلح القدس العربية، كما أن الفقرة الأخيرة من الاقتراح تتصل بجواز وضع الأماكن المقدسة لكل من الأديان الثلاثة تحت إدارة وإشراف ممثلين لهذا الدين، وصيغة المجلس البلدي المشترك تتصل بالإدارة لا بالسيادة .

وعلى ذلك فنحن نفهم الموقف المصري على أنه يعني: أن القدس بكاملها مدينة عربية محتلة يجب ردها للعرب، مع الاعتراف بحقوق الطوائف الدينية الأخرى فيها وتمثيلها عن طريقين:

الأول: إشراف ممثليها على أماكنها المقدسة، الثاني: إقامة مجلس بلدي مشترك من اليهود والعرب للإشراف على إدارة الوظائف الضرورية في المدينة (1)، أما موقف القوى الدولية من هذه المشكلة ونظرتها إلى ضرورة التوفيق بين الاعتبارات الدينية واعتبارات السيادة على المدينة فيمكن أن نحدده على النحو الآتي:

أولاً: القوى العربية والإسلامية:

نستطيع أن نستخلص موقف هذه القوى من العديد من البيانات والقرارات الصادرة عن الجامعة العربية ومن المؤتمر الإسلامي، بمختلف هيئاته، وإن كنا سنعتمد على القرارات الصادرة في السنوات الأخيرة لأن هذه المواقف تختلف عن المواقف التي اتخذت في فترات سابقة، ويبدو بالنسبة للعرب أكثر تساهلاً من تلك التي صدرت من المؤتمر الإسلامي، والتي يغلب عليها الطابع العاطفي، ونستطيع أن نحدد رأي هذه القوى في أنها تعتبر أن "القدس مدينة عربية إسلامية محتلة" .

لذلك نجد نصاً في إعلان مؤتمر القمة العربي الثاني عشر، والذي عقد في فاس عام 1981 وسبتمبر عام 1982 بضرورة انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 بما في ذلك مدينة القدس، وإزالة المستعمرات التي أقامتها في هذه الأراضي بعد عام 1967، ثم وضع الضفة والقطاع تحت إشراف الأمم المتحدة لفترة قصيرة يقام بعدها دولة فلسطينية عاصمتها القدس .

ولم يمهل المؤتمر التوصية بضرورة "ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان بالأماكن المقدسة"، ومع وضع ضمانات للسلم من قبل مجلس الأمن لضمان تنفيذها .

أما بالنسبة للمؤتمر الإسلامي فقد ناقش قضية القدس في عدة دورات له، نذكر منها القرارات التي اتخذت من قبل المؤتمر الإسلامي العاشر الذي عقد في مايو 1979 بمدينة فاس والمؤتمر الثاني عشر لوزراء الخارجية المعقود في بغداد في يونيو 1981، والذي اتخذ قراره رقم 2/12 بشأن مدينة القدس .

وكذلك القرارات التي صدرت عن الدورة الثالثة لمؤتمر القمة الإسلامي، والتي خصصها لفلسطين والقدس، وقد أوضحت توصيات هذه المسألة بجلاء حيث ورد بها: تمسك المؤتمر الكامل بعروبة مدينة القدس وتحريرها وعودتها للسيادة لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية (2) .

وإن كان المؤتمر الإسلامي لم يشر إلى القدس العربية أو القدس التي احتلت في نزاع 1967، مما نفهم أن المؤتمر لا يفصل بين القدس الشرقية والقدس الغربية، ويعتبرهما مدينة واحدة عربية إسلامية، وهنا يبدو أكثر تشدداً من الموقف العربي الذي تم التعبير عنه في مؤتمر فاس عام 1982. والواقع أن موقف المؤتمر يظهر تشدداً أكثر في العديد من المسائل الأخرى، فهو لا يشير إلى ضمانات دولية للوصول إلى الأماكن المقدسة لكل الأديان في المدينة كما يفعل مؤتمر القمة العربي، وبالإضافة إلى ذلك يرى ضرورة إتباع أساليب مشتركة بين كافة القوى الإسلامية لتحرير القدس حتى لو اقتضى الأمر اللجوء إلى القوة العسكرية، وإن كان من الواضح أن هذا الحل لم يتم بلورته حتى الآن، لذا فإن المؤتمر أوصى لجنة القدس التابعة للمؤتمر الإسلامي باتخاذ تدابير لتأكيد الطابع الإسلامي للمدينة كإعلان التآخي بينها وبين مختلف العواصم الإسلامية (3)، والقيام بالمقاطعة الاقتصادية والسياسية والثقافية للكيان الإسرائيلي، واتخاذ إجراءات سريعة لتسجيل مدينة القدس لدى منظمة اليونسكو كمدينة تاريخية لا يجوز المساس بها (4) .

ثانياً: الولايات المتحدة الأمريكية:

إن موقف الولايات المتحدة من القدس يختلف ربما عن موقف أية دولة أخرى في العالم، لما هو معروف من انحيازها الشديد إلى جانب إسرائيل، وإن كان لها موقف من مشكلة القدس يختلف عن موقفها من القضية ككل، وسنعتمد في شرح هذا الموقف على ثلاث وثائق:

  • الأولى: هي البيان الذي ألقاه ممثلها لدى الأمم المتحدة "آرثر جولدبرج" في يوليو 1967 أمام الجمعية العامة .

  • الثانية: بيان ممثلها لدى المنظمة – كذلك – والذي ألقاه في يوليو عام 1969 أمام مجلس الأمن .

  • والثالثة: ما سمي بخطة "ريغان" لحل المشكلة الفلسطينية، والتي نشرت في عام 1983 (5) .

والنقطة الأولى في الموقف الأمريكي تتصل بأهمية القدس وقدسيتها من رعايا ديانات ثلاث، لذا يعتبرها واحدة من أقدس المدن في العالم، وبالنسبة لتأثير هذه القداسة على مركزها القانوني الدولي فإن الولايات المتحدة ترى أن القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 منطقة محتلة تخضع لقانون الاحتلال الحربي، ولا يجوز لإسرائيل أن تدخل فيها أية متغيرات – لا تقتضيها الحاجات العاجلة للاحتلال، لذا فإن التغيرات التي أدخلتها إسرائيل على المدينة باطلة، ولا تمثل حكماً مسبقاً على الوضع النهائي والدائم للمدينة في رأي الولايات المتحدة، كما اهتمت الولايات المتحدة دائماً ببقاء المدينة موحدة، مع الإشراف اليهودي العربي المشترك على الأماكن المقدسة.

أما عن السيادة على المدينة وتقرير مستقبلها النهائي، فهو أمر لا يمكن البت فيه من وجهة النظر الأمريكية إلا على ضوء الحل الذي سيتقرر لمشكلة الشرق الأوسط ككل، وعن طريق المفاوضات المباشرة بين العرب وإسرائيل، وفي المحاولة الدائمة لوضع حل دائم ومستمر للسلام في الشرق الأوسط، أما خطة "ريغان" فقد أضافت إلى هذا الموقف مسألتين:

الأولى: تتصل بالقدس وهي أن المدينة يجب أن تظل دون تقسيم، وأن مركزها النهائي ينبغي تقريره عن طريق المفاوضات .

والثانية: تتصل بمشكلة الشرق الأوسط ككل، وهي: أن حل المشكلة يجب أن يتم في إطار مفاوضات مباشرة موضوعها مبادلة الأرض بالسلم على أساس القرار 242 (6) .

وهكذا يختلف الموقف الأمريكي عن مختلف القوى الدولية في أمر أساسي، وهو أنه لا يحدد صاحب الحق النهائي في المدينة ومن له السيادة عليها، ويترك للمفاوضات أن تحدد ذلك. وإن اتفق مع معظم القوى العالمية في أن القدس الشرقية مدينة محتلة .

كذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية في عهد "ريغان" امتنعت عن التصويت على قراري مجلس الأمن رقمي 476، 478 الصادرين عام 1980، واللذين اعتبرا القانون الأساسي الصادر بضم القدس، قراراً باطلاً وطالبت إسرائيل بإلغائه .

ويمكن القول بأن فكرة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس قد اكتسبت تأييداً من إدارة ريغان، فقد وقع على اتفاقية بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل بشأن شراء أراض في القدس على الرغم من التمسك باعتبار القدس من بين الأراضي المحتلة .

ويعد ذلك بداية تطور جديد في الموقف الأمريكي تلاه بعد ذلك التأكيد على فكرة العاصمة الموحدة لإسرائيل، حيث أصدر الكونغرس الأمريكي لائحة تهنئة لإسرائيل في مايو 1992 بمرور خمسة عشر عاماً على توحيد القدس، وجاء بها: أنه من الواجب أن تظل المدينة موحدة مع حماية حقوق جميع الأديان، وكان ذلك في عهد الرئيس "بوش" .

قرار الكونغرس بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس:

أصدر الكونغرس الأمريكي في 13 أكتوبر عام 1995 قراراً يقضي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وقد أسسه على الاعتبارات التالية:

أن لكل دولة ذات سيادة – وطبقاً للقانون الدولي والأعراف الدولية – أن تحدد عاصمتها .

أنه، ومنذ عام 1950 كانت مدينة القدس ولا تزال عاصمة دولة إسرائيل، فيها: مقر الرئيس الإسرائيلي والبرلمان والمحكمة العليا والعديد من الوزارات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية .

أن المدينة كانت مقسمة منذ عام 1948 حتى 1967، ولم تكن الإدارة تسمح للمواطنين الإسرائيليين من كل المعتقدات بالدخول إلى الأماكن المقدسة فيها .

أنه تم إعادة توحيد المدينة عام 1967 أثناء حرب الأيام الستة، وأصبحت منذ هذا التاريخ مدينة موحدة تديرها إسرائيل، وتكفل الحقوق الكاملة لكل أتباع الديانات بدخول الأماكن المقدسة داخل المدينة، وأنه مضى على ذلك 28 عاماً .

أنه قد تم التأكيد على ضرورة بقاء القدس مدينة غير مقسمة في عامي (1990-1992) من قرار الكونجرس .

كما استندت الولايات المتحدة إلى تبرير آخر، إذ جاء بالقرار أن الولايات المتحدة تقيم بسفارتها في العاصمة الفعلية لكل دولة، فيما عدا دولة إسرائيل، مع أنها الصديق الاستراتيجي والديمقراطي لها في المنطقة، كما أن الولايات المتحدة قد أجرت العديد من اللقاءات والأعمال الأخرى في مدينة القدس على أساس الاعتراف الواقعي لمركزها كعاصمة لإسرائيل .

هذه هي أهم أسباب القرار، وواضح أن الكونغرس يحاول أن يؤسس قراره على أسباب قانونية تعتمد في جملتها على الأمر الواقع الناتج من سيطرة إسرائيل على القدس كاملة وتوحيدها منذ عام 1967، ووجود مؤسسات الحكم لتلك الدولة فيها من ناحية، ومع احترام إسرائيل حق مختلف إتباع الأديان في الوصول إلى مقدساتهم من ناحية ثانية، وعلى الاعتراف الفعلي أو الواقعي بمركز المدينة كعاصمة لإسرائيل من قبل السلطات الرسمية لإسرائيل.

وهذه الأسباب باطلة قانونياً وتخالف القانون الدولي:

لأنه إذا كان من حق الدولة اختيار عاصمتها: فإن هذه العاصمة لا بد أن تكون مملوكة لها، وكافة المواقف الرسمية للولايات المتحدة ولكل الدول وللأمم المتحدة تؤكد على أن القدس الشرقية مدينة محتلة، ومن ثم لا تنتقل سيادة المحتل عليها لأي سبب، وهذا أمر مسلمٌ به قانوناً .

ومن ناحية ثانية إن الاستيلاء بالقوة على الأراضي ممنوع قانوناً ولا يثير أي أثر، وهذا أمر مسلمٌ به كذلك في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، والقدس مدين عربية وبقيت تحت السيادة العربية أكثر من ألف عام، وسلبت من العرب بعد هزيمة 1967 بالقوة العسكرية، وبالتالي لا يمكن التسليم بشرعية الوجود الإسرائيلي عليها .

كذلك فإن قانون المدينة كما شرحناه، وضعه المسلمون، وإسرائيل هي التي تعتدي عليه كما تبين، ولم يمنع المسلمون دخول اليهود إلى المدينة، بل هم الذين سمحوا لهم بدخولها بعد أن كانت محرمة عليهم لفترات طويلة .

لقد طالبت الأمم المتحدة إسرائيل مراراً بإلغاء ضم القدس ووصفت الضم بعدم الشرعية، وبالتالي فإن موقف الكونغرس الأمريكي غير قانوني وينبغي عدم التسليم به .

كما أنه ليس قراراً تنفيذياً، وهذه مسألة تتصل بالدستور الأمريكي، ولا بد من إقرار الرئيس الأمريكي له، وواضح أن الرئيس الأمريكي قد اعترض عليه وبيّن الآثار العظيمة التي يمكن أن تترتب عليه، ويجب على العرب أن يبذلوا جهدهم لعدم تنفيذه بكافة الوسائل، ولو بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ووقف المفاوضات الخاصة بتطبيع العلاقات معها .

ثالثاً: الاتحاد السوفييتي / (سابقا) :

سند الاتحاد السوفييتي (سابقاً) الحق العربي في القضية الفلسطينية دائماً، ولكن موقفه من القدس لم يكن واضحاً دائماً، لذا فإننا سنستخلص هذا الموقف من الوثائق الحديثة في هذا الموضوع .

رأى الاتحاد السوفيتي (سابقا) أن القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 ينبغي أن تعود إلى العرب، وأن تصبح جزءاً لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية على أن تكفل لأتباع الديانات الثلاث: حرية زيارة الأماكن المقدسة في جميع أنحاء مدينة القدس، مع وجود ضمانات للأمن ولتطوير الدولة الفلسطينية يعضها مجلس الأمن (7) .

وهكذا أقر بحق تقرير المصير للفلسطينيين وإقامة الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة عام 1967 وإبرام اتفاقيات من خلال مؤتمر دولي تشارك فيه كافة الأطراف بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين وتحت إشراف الأمم المتحدة .

رابعاً: موقف الأمم المتحدة من المشكلة:

إن القرارات الأولى التي صدرت من المنظمة بداية من قرار التقسيم (8) واقتراحات "برنادووت" وقرارات الجمعية العامة في عامي 1948(9)، 1949(10)، أيدت تدويل القدس، وجعلها تحت إشراف مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة، وذلك لكفالة حرية العقيدة لكافة الأديان .

ولم تنفذ هذه القرارات، رغم أن مجلس الوصاية كان قد أعد بالفعل "المبادئ الأساسية لنظام الحكم الدولي للقدس" والذي يضمن حماية الأماكن المقدسة وحماية الحقوق والحريات العامة لجميع من يقطنون المدينة (11) .

والذي حدث أن إسرائيل بعد حرب 1948 وضعت يدها على القدس الغربية، بينما وضعت الأردن يدها على القدس الشرقية ضمن قرار بضم الضفة الغربية لنهر الأردن إليها .

وبعد حرب 1967 وضعت إسرائيل يدها على القدس الشرقية، وحولت أنظار العالم من مشكلة السيادة عليها والإدارة الدولية لها، إلى أداة قرار الضم والتهويد، ولم يعد أحد مهتما بالنظام الدولي للمدينة بعد ذلك أبداً، وعليه يمكن القول بأن الأمم المتحدة تعتبر القدس العربية الشرقية مدينة محتلة منذ عام 1967، وأن حلها يجب أن يتم في إطار حل القضية الفلسطينية، أي: منح الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإنشاء دولته المستقلة على الضفة الغربية وقطاع غزة على أن تكون القدس الشرقية عاصمة لها، ويظل احترام المقدسات الدينية لكل الأديان واجباً على الدولة الجديدة .

ولا خلاف بين الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن حول هذا الحل، وينبغي أن تقوم إسرائيل ووفقاً للعديد من القرارات التي اتخذت من الجهازين الرئيسين للأمم المتحدة –بإلغاء جميع التدابير التي صار اتخاذها في المدينة قبل عام 1967 وبعده لتغيير مركز القدس، وعلى ذلك فيجب أن يتضمن إلغاء التدابير، تلك التي "اتخذت عقب غزو الجزء الغربي من القدس أثناء العمليات الحربية الكثيفة في عامي 1947، 1948، كذلك ما اتخذ منها عقب الجزء الشرقي من المدينة عام 1967 والذي يجري حتى الآن" .
هكذا نجد أن إجماعاً من مختلف القوى والمنظمات الدولية على أن القدس الشرقية مدينة محتلة، السيادة عليها عربية فلسطينية وفقاً لآراء معظم القوى الدولية بما فيها الأمم المتحدة، وإن كانت الولايات المتحدة، تشذ عن ذلك بعدم تحديدها صاحب السيادة على القدس المحتلة، وتركه للمفاوضات التي ستتم بالنسبة لحل القضية الفلسطينية بشكل عام. والإجماع ينعقد كذلك على ضرورة احترام النظام الديني للمدينة المقدسة وعدم العبث به. وبالنسبة للقدس الغربية فقد استولت عليها إسرائيل عام 1948، ولم تكن في قرار التقسيم لها، وإنما مدينة مدولة،وإذا لم يتم التدويل فإنها تعود إلى الأصل الذي كانت عليه، أي تعد عربية محتلة مثل كافة الأجزاء التي استولت عليها إسرائيل عام 1948 (12) .

حقيقة لم يتقرر ذلك بوضوح في قرارات الأمم المتحدة، ولكنه يستفاد من إبطالها للإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير طابع المدينة قبل عام 1967 وبعد 1967، إذ أنه قبل 1967 لم يكن بيد إسرائيل سوى القدس الغربية، وإن كان صعوبة تصور تخلي إسرائيل عن القدس الغربية في إطار حل سلمي، قد جعل بعض القوى العربية تتجاهل الحديث عن تحرير القدس الغربية، وتكتفي باعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المفروض أن تقام على الضفة والقطاع .

اتفاقات السلام العربية الإسرائيلية وتأثيرها على مركز القدس:

قامت الولايات المتحدة بتنفيذ سياسة اتفقت فيها مع إسرائيل، قوامها: التمكين لها من التواجد في المنطقة لفرض سلام بأي شكل مع الدول العربية المحيطة بها، لكي تتعاون معها على الحفاظ على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، على أن تكون هي أداة التقدم العلمي والتكنولوجي والقائد الرئيسي لدول المنطقة، ولا بأس من إدخال الدولة العربية في عمليات اقتصادية كتجربة تستعين بعمالتها ومواردها الأولية والطاقة المتوافرة فيها، وتفتح الأسواق لمنتجاتها في أسواقها وفي الأسواق الأفريقية عن طريقها بدلاً من الحروب والمتاعب التي جرتها على المنطقة لسنوات طويلة .

وتم عقد اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية في مارس عام 1979 بعد مفاوضات شاقة بدأت بعد حرب أكتوبر 1973، ومرت بكامب ديفيد عام 1978 كما عقدت مجموعة اتفاقيات لفض الاشتباك مع سوريا، واتفاق آخر مع لبنان، وكذلك مع الأردن، ولعل أهم هذه الاتفاقات هو اتفاق غزة – أريحا الذي وُقّع بين إسرائيل والفلسطينيين في الولايات المتحدة بعد مفاوضات شاقة في أوسلو عام 1993 .

وقد نص في هذا الاتفاق على استمرار التفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين لتغطية المسائل المعُلقّة وأولها: القدس واللاجئين، المستوطنات والانتخابات، وغير ذلك، مما يعني أن قضية القدس متصلة إلى مرحلة لاحقة من التفاوض، وهذا يعني من وجهة نظر القانون الدولي: هناك تعهداً من إسرائيل ينتج أثراً مانعاً نحوها بأن تقوم بأي إجراء منفرد منذ لحظة توقيع الاتفاق .

ويترتب على ذلك من وجهة نظره، بطلان كافة القرارات التي تتخذ بمصادرة الأراضي أو إحداث أي تغيير في الطبيعة الجغرافية والديمغرافية للقدس .

ويجب التنبيه بوضوح إلى الفصل بين السيادة والقانون الديني للمدينة، حيث تحاول إسرائيل والولايات المتحدة التركيز على إعطاء وضع خاص للأردن بالنسبة للإشراف على المقدسات الإسلامية، وهذا لا يمكن أن يجعلنا نغفل عن وضع السيادة على مدينة القدس الشرقية، فهي مدينة عربية محتلة ويجب أن تكون عاصمة فلسطين التي ستنشأ إن شاء الله على الأراضي الفلسطينية الباقية، وهي الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة .

 

 

المراجع

  1. راجع الاقتراح المصري في التقرير الذي نشرته وزارة الخارجية المصرية عام 1980 – مسلسل رقم 86 بعنوان مصر والمسألة الفلسطينية (45-1980) ص 46 وما بعدها، وقد استند هذا التقرير إلى خطاب الرئيس السادات في الكنيست الإسرائيلي عام 1977م، والخطاب الذي وجهه الرئيس الأمريكي  كارتر بعد إبرام اتفاقية كامب ديفيد. كما ذكر التقرير أن مصر في محادثات الحكم الذاتي بينهما وبين إسرائيل، اقترحت القدس مقراً لسلطة الحكم الذاتي .
    ويظهر خطاب الرئيس السادات في الكنيست الإسرائيلي معضداً العلاقة بين القداسة والسيادة، لمدينة القدس إذ جاء به: لقد حضرت إلى القدس باعتبارها مدينة السلام، لقد كانت وسوف تظل على الدوام التجسيد الحي التعايش بين المؤمنين بالديانات الثلاث، وليس من المقبول أن يفكر أحد في مدينة القدس في إطار الضم أو التوسع، بل يجب أن تكون مدينة حرة مفتوحة لجميع المؤمنين، إن دور العبادة الإسلامية والمسيحية ليست مجرد أماكن لأداء الفرائض والشعائر، بل إنها تقوم شاهد صدق على وجودنا الذي لم ينقطع عن هذا المكان سياسياً وروحياً، وهنا فإنه يجب ألا يخطئ أحد تقدير الأهمية والإجلال اللذين نكنهما لمدينة القدس .

  2. اعتبر المؤتمر تحرير مدينة القدس ورجوعها إلى السيادة العربية، والمحافظة على طابعها السابق مسؤولية إسلامية جماعية لا يجوز لأي طرف أن يتخذ في  غيبة الإجماع الإسلامي أي موقف أو تدبير أو ممارسة بخصوص هذه المدينة المقدسة .

  3.  قرار المؤتمر في دورة بغداد في يونيو عام 1981م ونصه: أن المؤتمر يقرر إجراء التآخي مع مدينة القدس عاصمة فلسطين وجميع عواصم الدول الأعضاء رمزاً للتضامن الإسلامي مع السكان العرب الفلسطينيين في مدينة القدس الشريف، وتكريماً لهم على صمودهم وثباتهم ومقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي البغيض .

  4. يجب أن نسجل أيضاً: موقف مجموعة هامة من دول الرفض العربي التي لم توافق على قمة فاس، وتعتبر القدس كلها إسلامية وفي مقدمتها: ليبيا والجزائر واليمن الجنوبية وسوريا .

  5. وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على قرار تدويل القدس، وعينت الجمعية العامة الأمريكي "هارولد إيفانز" أول حاكم للمدينة .

  6. راجع الوثيقة رقم 460 – 86 الصادرة عن الأمم المتحدة في عام 1986 بعنوان: (نهج لنيل الشعب الفلسطيني عملياً حقوقه غير القابلة للتصرف) ص 21 .

  7. راجع الوثيقة المقدمة من الاتحاد السوفيتي سابقاً إلى السكرتير العام للأمم المتحدة رقم  5/166855 – 1638/ 39A.

  8. القرار رقم 181 والصادر في نوفمبر عام 1948 .

  9. القرار رقم 194 والصادر في ديسمبر عام 1948 .

  10. القرار رقم 303 والصادر في ديسمبر عام 1949 .

  11. راجع الدراسة التي أعدها كل من : "وليم ماليسون"، و"سالي ماليسون" بعنوان (تحليل لقرارات الأمم المتحدة الرئيسية المتعلقة بقضية فلسطين من وجهة نظر القانون الدولي) أعدت بناء على طلب اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، الأمم المتحدة، نيويورك، 1979 .

  12. الدكتور مفيد شهاب، دارسة حول القانون الدولي وقضية القدس، منشور في كتاب دفاع عن عروبة القدس أصدرته منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية عام 1995 ص 60 .