|
الفصل
الثاني
تهويد
القدس
أولاً:
في عهد الدولة العثمانية
تؤكد
البحوث التاريخية أن اهتمام اليهود
بفلسطين وبيت المقدس لا يعود إلى ظهور
الحركة الصهيونية في مؤتمر بازل عام
1897، بل إنها ترجع إلى عقود سابقة من
ذلك. ففي مطلع القرن التاسع عشر، بدأت
مظاهر الضعف والوهن تسري في جسد
الدولة العثمانية، التي كانت فلسطين
إحدى الأقاليم المهمة التابعة لها.
ومع تردي وانهيار الأوضاع السياسية
والاقتصادية والعسكرية، وانصراف
السلاطين العثمانيين عن متابعة شؤون
الحكم ووقوعهم تحت تأثير مستشاريهم
الفاسدين والمرتشين، أصبحت اهتمامات
النخبة السياسية والأثرياء اليهود
واضحة من خلال استغلال الظروف
السياسية الدولية في ذلك الوقت .
إذ
أن الدول الأوروبية التي تقف
بالإجماع ضد الدولة العثمانية من حيث
المبدأ قد قويت، وأخذت تتطلع إلى
التوسع خارج حدودها، وطمعت في
السيطرة على أقاليم غنية ومواقع
استراتيجية تؤمن لها مصالح سياسية
وعسكرية واقتصادية واستراتيجية،
وكانت الدولة العثمانية أولى أهدافها
ومجالاً خصباً للتوسع الاستعماري
فيها، وظهرت دعوات متعددة لاقتسام
الأقاليم والبلاد الواسعة للدولة
العثمانية بين الدول الأوروبية.
وكانت تلك الدعوات تتم تحت شعارات،
ومبررات مختلفة، منها ما هو سياسي،
ومنها ما هو ديني، ومنها ما هو إنساني
كالإصلاح الداخلي ونشر الحرية
والعدالة والتقدم والمحافظة على
الأمن في الشرق (1) .
وشهدت
فترة الحكم المصري للقدس (1831-1840)،
تزايد الاهتمام الأوروبي ببلاد الشام
عامة وفلسطين خاصة، وكانت نقطة
التحول البارزة في هذا الاهتمام، حين
أخذت الكفة تميل لصالح الدولة
العثمانية حيث حاول محمد على باشا شق
صف التحالف الدولي المناهض لاحتلاله
بلاد الشام عن طريق استمالة بريطانيا
– القطب الرئيس في التحالف – فسمح
لها بفتح قنصلية في مدينة القدس،
لتكون بذلك أول قنصلية تفتح أبوابها
هناك. وعكست الإجراءات والأوامر
الصادرة عن محمد علي باشا وابنه
إبراهيم باشا والهيئات الإدارية
التابعة لهما في القدس المأزق الصعب
الذي أخذ يعاني منه الحكم المصري في
القدس. فبعد أن استجاب محمد علي باشا
لمطلب القنصل البريطاني بشراء بيت
للسكن متجاوزاً القواعد الشرعية،
ازدادت الضغوط يوماً بعد يوم من جانب
قناصل الدول الأوروبية لتملك
العقارات، بل تعدى بعضهم على الأراضي
أو قام بشرائها وبناء البيوت ودور
العبادة عليها دون الحصول على إذن
مسبق من السلطة المصرية، وأسوة
بغيرهم من الطوائف، لم يلتزم اليهود
بنصوص أوامر الترميم والبناء، وعندما
انسحب محمد علي باشا من بلاد الشام
خلّف للدولة العثمانية تركة ثقيلة
وضعتها أمام إشكالية سياسية
واقتصادية واجتماعية في منتهى
الصعوبة والتعقيد. فسياسة التسامح
التي انتهجتها الطوائف المسيحية
واليهودية ورعايا الدول الأجنبية لا
يمكن نقضها على المستويين الرسمي
والشعبي، لأن ذلك من شأنه أن يثير
حفيظة الدول الأوروبية التي وقفت إلى
جانب الدولة العثمانية في مواجهة
محمد علي باشا. ولهذا قامت بتعميم
مرسوم صادر عن السلطان عبد المجيد حال
الاحتلال المصري لبلاد الشام دون
نشره، ينص على المساواة بين الرعايا
في الحقوق والواجبات (2) .
ومع
انطلاقة عجلة النشاط الثقافي والديني
والاقتصادي، سارعت الدول الأوروبية
إلى تعيين قناصل لها في القدس، وهو ما
أدى إلى كثرة التدخل الأجنبي في شؤون
مدينة القدس. وعجزت الدولة العثمانية
عن وقف نشاط الإرساليات الأجنبية
والقنصليات في القدس بعد عودتها لحكم
بلاد الشام في العام 1840م. ولي هذا
فحسب، بل حصلت الدول الأوروبية (بريطانيا،
وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، وإيطاليا)
على امتيازات كثيرة، كان من أبرزها
التدخل في شؤون الدولة العثمانية
الداخلية وفرض الوصاية على الطوائف
والأقليات الدينية باعتبار أن تلك
الدول تعتبر نفسها الحامي والمدافع
عنها(3). وأصبح الكثير من المسيحيين
واليهود بمثابة مواطنين للدول
الأجنبية بعد أن فقدت الدولة
العثمانية – الإدارة والتشريع –
صلاحياتها تجاههم وأصبحت هذه الحماية
– بحد ذاتها – إحدى وسائل تلك الدول
للتدخل في الشؤون الداخلية (4). وكلما
ازدادت الدولة العثمانية ضعفاً، كان
يزداد تبعاً لذلك، تنافس الدول
الأوروبية فيما بينها على الحصول على
مكتسبات أكبر منها .
1-
الوضع العام لليهود في القدس:
شأن
سائر الأقليات الدينية داخل الدولة
العثمانية، تمتع اليهود بقدر كبير من الاستقلال الذاتي والإداري
والطائفي، واتسم الموقف الرسمي منهم
بالتسامح، فخلال الحكم العثماني، لم
تتخذ أية إجراءات رسمية تستحق الذكر
تناهض اليهود كطائفة أو تميز بينهم
وبين سائر السكان. في ذات الوقت لاقي
العديد من اليهود في معظم
الدول الأوروبية ألواناً متعددة
من الاضطهاد والتنكيل والتشريد
والمذابح، فكان الحاخام باش أو
الحاخام الأكبر هو ممثل اليهود في كل
أمر أمام الحكومة، كما سمح لأفراد
الطائفة بحرية اختيار رؤسائهم
الروحيين، وفرض الضرائب، وحل
الخلافات فيما بينهم، وكانت المحكمة
اليهودية تحكم بينهم حسب الشريعة
اليهودية. ولم يحدث أدنى تدخل
بالأموال التي تجمع لمؤسساتهم
الخيرية والتعليمية، وتمتعت مدارسهم
الطائفية باستقلال ثقافي وذاتي (5) .
وبعد
خضوع فلسطين للحكم العثماني سنة 1517،
أقام اليهود في بيت المقدس علاقات
متينة بينهم وبين الجاليات اليهودية
الأخرى في الدولة العثمانية التي
ازداد عددها بشكل ملحوظ بوصول أعداد
كبيرة من يهود بعد إقصائهم وتشريدهم
عن إسبانيا والبرتغال بعد سنة 1492،
وتمكن القليل من هؤلاء من دخول فلسطين
والإقامة في الأماكن المقدسة (القدس،وطبريا،
وصفد، والخليل). كما هاجر عدد آخر من
يهود بولندا وروسيا إلى فلسطين بسبب
اضطهادهم هناك. وكان وصول المهاجرين
اليهود إلى أراضي الدولة العثمانية –
ومنها مدينة القدس – يستقبل بعدم
المبالاة وينظر إليه نظرة إنسانية،
خاصة أن هؤلاء المهاجرين كانوا يأتون
للإقامة من أجل العبادة، ويهربون من
المذابح التي يلاقونها في بلاد أخرى
ليست من العالم الإسلامي (6) .
وهكذا
ظل اليهود أقلية ضئيلة لا شأن لها في
القدس حتى عام 1522، حيث تشكلت جالية
يهودية سفاردية كان عدد ما يتراوح بين
الزيادة والنقصان تبعاً للظروف
والأحوال التي كانت تسود المدينة
خاصة والدولة العثمانية عامة. ففي عام
1777 تزايد نموها بوصول بضع مئات من
اليهود (الحسيديم) من بولونيا، مما
ساهم في تأسيس طائفة اشكنازية في
المدينة إلى جانب الطائفة السفاردية.
وقد تعززت هذه الجالية نتيجة هجرة
مئات من يهود صفد بسبب الهزات الأرضية
التي حدثت فيها خلال السنوات (1834-1837)،
حيث يشير إحصاء أجرته الإدارة
المصرية في بلاد الشام عام 1839 أن
تعداد اليهود في فلسطين بلغ آنذاك (6500)
نسمة نصفهم كان يقيم في القدس لوحدها
(7) .
وفي
عهد محمد علي باشا والي مصر الذي أعلن
انفصاله عن الحكم العثماني،
واستيلائه على مدينة القدس وبلاد
الشام في عام 1831، تحسنت أوضاع الطوائف
اليهودية في فلسطين. فقد أعفاهم من
الضرائب والمغارم التي كان الباشا
العثماني يفرضها على زعمائهم، وأصبح
لهم تمثيل في المجالس المحلية
الجديدة. كما سمح الحكم المصري لليهود
بترميم كنيسهم في بيت المقدس بشرط ألا
يزيدوا شيء على المباني القديمة وعدم
تبليط ما حول حائط البراق، وإن كان قد
سمح لهم بزيارته والصلاة فيه والبكاء
على سقوط الهيكل وخرابه دون أن يترتب
عن ذلك أي حق قانوني وفي مقابل مبلغ من
المال يدفع سنوياً لوكيل الأوقاف
نظراً لأن الرصيف
القائم أمام الحائط تعود ملكيته
للأوقاف منذ عهد صلاح الدين الأيوبي
(8). وحين ألمت المجاعة بسكان القدس،
حاول محمد علي باشا التخفيف من
وطأتها، فأمر بإرسال ألف إردب من
الأرز لتوزع على السكان دون تميز،
وعلى الرغم من هذه التسهيلات، إلا أن
محمد علي باشا كان يقظاً لمخططات
اليهود القادمين من الدول الأوروبية
ووقف موقفاً صلباً ومشرفاً حين صادق
على قرار مجلس الشورى في بيت المقدس
الذي رفض السماح لليهود بشراء
الأملاك والأراضي الزراعية وممارسة
الحراثة والفلاحة والزراعة وبيع
الأغنام والأبقار في المدينة، وإن
كان قد سمح لليهود بممارسة العمل
بالتجارة فقط. وقد نص قرار محمد علي
بأنه ((لا يسمح ببيع الأراضي في القدس
ونواحيها إلى اليهود الأجانب نظراً
لعدم وجود مسوغ شرعي لهذا العمل)) (9).
واستمرت
أحوال وأوضاع اليهود في القدس
بالتحسن بعد عودة الحكم العثماني عام
1840م حيث حصل موشيه مونتيفيوري – وهو
ثري يهودي من بريطانيا، زار فلسطين
عدة مرات وشجع الاستيطان اليهودي،
ونشر التعليم الزراعي بين اليهود في
القدس – على فرمان من السلطان عبد
المجيد في نهاية تشرين أول (أكتوبر) من
عام 1840م، يكفل حماية اليهود واعتراف
الدولة العثمانية بالحاخام السفاردي
الأكبر رئيساً للطوائف اليهودية في
الدولة، ومنحه صلاحية الموافقة على
انتخاب حاخام سفاردي أكبر ليهود
فلسطين تكون القدس مقراً له باعتباره
رئيساً لكل اليهود في فلسطين، ويمارس
صلاحيات إدارة شؤونهم الدينية
والدنيوية إضافة إلى صلاحيات واسعة
في المجالين القضائي والسياسي وتنفذ
الدولة العثمانية قراراته. وقد شكل
هذا الفرمان ما يشبه الحكم الذاتي
للجالية اليهودية في القدس وفلسطين
(10). ونتيجة لذلك، ارتفع عدد المعابد
اليهودية في القدس، فبلغت في نهاية
القرن التاسع عشر ستة كنس منها اثنان
لليهود الاشكنازيين وثلاثة لليهود
السفارديين وآخر لجماعة اليهود
القرّائين (11) .
وأدى
تدفق الأعداد الكبيرة لليهود ومعظمهم
من فقراء روسيا القيصرية وبولندا عام
1881م بسبب الاضطهاد الذي تعرض له
اليهود هناك، وما ترتب عليه من ارتفاع
تعداد الجالية اليهودية في القدس إلى
(28) ألفاً في عام 1895، إلى سوء الأحوال
المعيشية، فالتمس يهود القدس من
الأغنياء اليهود في أوروبا المساعدات
المالية حيث كان البارون روتشليد
أكثرهم سخاءً في تقديم الأموال وفي
الإنفاق على تأسيس المستوطنات
الزراعية (12). وتحولت هذه التبرعات إلى
نوع من الفريضة التي أطلق عليها اسم
حلوكاه – أي التقسيم – وباتت 85% من
الطائفة اليهودية في القدس تعيش على
هذه التبرعات، ويعود ذلك إلى كون معظم
أفرادها قدموا إلى القدس بهدف العيش
بالقرب من الأماكن المقدسة ودراسة
التوراة والتلمود تسريعاً لمجيء
المسيح المنتظر حسب اعتقادهم، ولم
يكن هؤلاء يقومون بأي عمل منتج. وقد
أثرت هذه الأوضاع على العلاقات بين
الطائفتين الإشكنازية والسفاردية
حيث شكل كل منهما تنظيمات بحسب
البلدان التي قدموا منها، وذلك لكي
يستأثر كل تنظيم بمفرده بالتبرعات
التي تصل من بلدة الأصلي(13) .
2-
الدور الأوروبي في تشجيع
الهجرة اليهودية:
كانت
بريطانيا من أوائل الدول الأوروبية
التي اهتمت باليهود حيث نشأت فيها عدة
جمعيات دينية في الربع الأول من القرن
التاسع عشر تهدف إلى مساعدة اليهود في
الهجرة والاستيطان في فلسطين وبيت
المقدس، أشهرها جمعية التوراة (عام
1802) وجمعية فلسطين (عام 1805) وجمعية
لندن للتبشير بالمسيحية بين اليهود
(1825). وآمنت هذه الجمعيات بأن اليهود
جماعة دينية يمكن تنصيرها وتوطينها
في فلسطين لخدمة المصالح التجارية
البريطانية. وناشدت الصهيونية غير
اليهودية بإنشاء مستوطنات يهودية في
فلسطين تمهيداً لإقامة كومنولث يهودي
تحت الحماية البريطانية (14) .
ولحقت
فرنسا بالمشاريع البريطانية حين أعدت
خطة في عام 1798 لإقامة كومنولث يهودي
في فلسطين في مقابل تقديم اليهود
قرضاً للحكومة الفرنسية التي كانت
تعاني من أزمة مالية خانقة. ووفقاً
للخطة الفرنسية، أصدر نابليون
بونابرت فور وصوله الإسكندرية في
تموز/ يوليو 1798 نداءً حث فيه جميع
اليهود في آسيا وأفريقيا على
الالتفاف حول رايته "لإعادتهم"
إلى القدس وإعادة بناء هيكلهم من جديد
في مقابل مساعدتهم له في غزو فلسطين
عبر إشعال الفتن والفوضى في المناطق
التي يرتادها الجيش الفرنسي. وكرر
نابليون النداء مرة أخرى أثناء حصاره
لعكا في نيسان/ أبريل 1799 باعتبارهم
"ورثة فلسطين الشرعيين" (15).
ويتفق المؤرخون اليهود أن نداء
نابليون قد حفز الزعماء والمفكرين
اليهود فيما بعد على التفكير في مشروع
تأسيس دولة لهم في فلسطين بحماية إحدى
الدول الأوروبية الكبرى(16) .
ويمكن
اعتبار العام 1838 بداية الاهتمام
الأوروبي الرسمي باليهود في فلسطين
حيث أقامت بريطانيا قنصلية لها في
القدس لرعاية مصالحها في فلسطين، ومن
ضمنها "تقديم الحماية إلى اليهود
عامة"، وهو ما أصبح عملاً رئيساً
للقنصلية لفترة طويلة. وقبل مرور عقد
من الزمن على هذا التاريخ، كانت كل
الدول الأوروبية الهامة (ألمانيا 1842)
وفرنسا (1843) والنمسا (1849)، وإسبانيا
(1854) وروسيا (1861) مضافاً إليها
الولايات المتحدة الأمريكية (1857) قد
أنشأت قنصليتها في القدس .
ومما
يؤكد المخاطر التي ترتبت على الدور
الأوروبي الجديد ما كتبته صحيفة
تايمز اللندنية يوم 17 أغسطس 1840 تحت
عنوان (سوريا وبعث اليهود) حيث جاء
فيها ((إن اقتراح توطين اليهود في بلاد
أجدادهم تحت حماية الدول الخمس لم يعد
بعد الآن محل جدل بل أصبح موضع دراسة
جادة))(17).
وتسبب
القناصل الأجانب في إحراج السلطات
العثمانية المحلية في القدس
لمداخلاتهم واتصالاتهم بطوائف
السكان وإثارة الفتن والأحقاد في
صفوفها، وبث الدسائس بين الحكم
والطوائف. وكان نشاط بريطانيا
ملحوظاً في هذا المجال حتى أن القنصل
البريطاني اقترح على الحكومة
العثمانية الموافقة على أن يقوم
اليهود بتقديم مظالمهم إلى السلطات
بواسطة القنصلية إلا أن طلبه قد قوبل
بالرفض. تمكنت القنصلية بعد ذلك من
إيجاد رعايا لبريطانيا في القدس من
خلال الاستجابة بسهولة إلى طلبات
الحماية التي كان يتقدم بها بعض
اليهود من حين لآخر. ولم تقتصر
القنصلية البريطانية على وضع اليهود
المقيمين في القدس تحت الحماية
البريطانية بناء على تعليمات رئيس
الوزراء بالمرستون بحجة ضمان سلامتهم
وصيانة ممتلكاتهم وأموالهم، بل تعداه
إلى منح اليهود الروس والنمساويين
ممن نزعت جنسيتهم بعد وصولهم للقدس
الحماية البريطانية حيث نظمت
القنصلية سجلات خاصة في 1849 ومنحت
شهادات الحماية بدون مقابل لليهود.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1849، أسس
القنصل البريطاني في القدس جمعية
القدس الأدبية برئاسته للبحث والتحري
عن الآثار في الأراضي المقدسة
بحدودها التوراتية. وتحولت هذه
الجمعية عام 1865 إلى صندوق استكشاف
فلسطين، وحصلت في عام 1869 على فرمان
بواسطة السفارة البريطانية في
استنبول للتنقيب عن هيكل سليمان في
منطقة الحرم الشريف بعد التعهد بعدم
إلحاق أضرار بالمسجد الأقصى وقبة
الصخرة من جراء الحفريات. وقام
العاملون في الصندوق بدور كبير في
توجيه أنظار اليهود إلى فلسطين عن
طريق تزويدهم بالمعلومات الجغرافية
والتاريخية والسياسية التي كانوا
يحتاجونها. وحين فشل اللورد
بالمرستون في إغراء السلطان العثماني
بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين
وبيت المقدس واستيطانها مقابل
الاستفادة من نفوذ وقوة وثراء
اليهود، لجأ بالمرستون إلى ممارسة
ضغوط شديدة على الدولة العثمانية
مستغلاً الأزمة التي وقعت بين سلطان
الدولة العثمانية وبين محمد علي والي
مصر، ولكنه فشل مرة أخرى في ثني
السلطان عبد المجيد عن رفضه السماح
لليهود بشراء الأراضي والاستيطان غير
المحدود في فلسطين (18) .
وتنافست
القنصلية الفرنسية في القدس مع
القنصليات الأجنبية الأخرى من تخطي
القيود العثمانية على الهجرة
اليهودية لتوسيع دائرة الحماية
الفرنسية على اليهود المهاجرين إلى
فلسطين لموازنة مراكز النفوذ الأخرى.
ونشط القنصل الفرنسي في اتصالاته مع
السلطات المحلية، وكان أثره واضح في
تثبيت اليهود وحصولهم على امتيازات
خاصة بهم. وفي عهد الإمبراطور نابليون
الثالث، قام جان هدني دونان بنشاطات
واسعة في فرنسا وخارجها لكسب التأييد
لليهود والضغط على الباب العالي
للسماح بإنشاء مستوطنات تجارية يكون
سكانها من اليهود الفرنسيين. وكان من
أهم إنجازات دونان إنشاء (جمعية
استعمار فلسطين) في باريس. وفي عام 1860م،
دعا السكرتير الخاص لنابليون الثالث
إلى تثبيت الوجود الفرنسي في الشرق
العربي بإعادة بناء الدولة اليهودية
في فلسطين (19) .
وهكذا
تصرفت القنصلية الألمانية، فمنحت
الحماية الألمانية لليهود دون
الاهتمام بالتدقيق في صحة الوثائق
والمستندات التي يحملونها، وحتى وإن
كانوا من غير الألمان. فقد حبذ بسمارك
الاستيطان اليهودي في فلسطين
والمناطق المجاورة لخط سكة حديد
بغداد – برلين بمساعدة ألمانيا حتى
يضمن ازدهار المصالح الألمانية في
تلك المناطق (20) .
أسفر
نشاط وتطور النفوذ الأوروبي في القدس
واهتمام قناصلهم وإرسالياتهم بحقوق
اليهود في الإمبراطورية العثمانية
إلى تغيير لا يستهان به في أوضاع
الطائفة اليهودية. ويتمثل هذا
التغيير في المقام الأول بأن كل زيادة
في النفوذ الأوروبي رافقها ارتفاع
لعدد السكان اليهود في القدس بحيث بلغ
مع منتصف الخمسينات من القرن الثامن
عشر نحو (5000) نسمة – أي ما يقارب نصف
عدد اليهود في فلسطين آنذاك – كان
منهم نحو (300) نسمة تحت الحماية
النمساوية لكون النمسا تتمتع بأفضلية
بين الدول الأوروبية الأخرى في
علاقاتها مع الدولة العثمانية، و(1000)
نسمة تحت حماية بريطانيا و(1000) نسمة
تحت حماية ألمانيا وروسيا وهولندا
والولايات المتحدة. وارتفع عدد
اليهود بفضل نشاط القنصليات وفروعها
إلى (13920) نسمة في عام 1876م. وهذه
الزيادة السكانية، لا يمكن نسبتها
إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية أو غير
ذلك من العوامل العامة التي أفادت
البلاد ككل، بل إلى الخدمات القيمة
التي قدمها القناصل الأوروبيون في
القدس ومساعدتهم لليهود على تعميق
جذورهم بالمدينة من خلال منعهم
السلطات العثمانية أحياناً حتى من
تطبيق القوانين المعمول بها عليهم.
وكان نشاط القناصل ملموساً، بشكل خاص
في مساعدة اليهود على شراء الأراضي في
القدس والاستيطان فيها (21). وتبرز
وثائق وزارة الخارجية الفرنسية، أثر
القنصليات الأجنبية في القدس حين
تشير إلى أن عدد اليهود في القدس عام
1904م قد وصل إلى حوالي أربعين ألف
توزعوا على النحو التالي: (10) آلاف
مسجلين في القنصليات الأجنبية، و(15)
ألف في سجلات الدولة العثمانية، و(15)
ألف آخرين صنفوا بدون جنسية، أي يمكن
اعتبارهم يتمتعون أيضاً بالحماية
الأجنبية (22) .
3-
مشاريع الاستيطان الفردية:
كان
تزايد اليهود في القدس يتم بشكل فردي
وغير منظم حتى أواخر القرن الثامن
عشر، كما أنه لم يرتق إلى أكثر من
مستوى أسر دفعتها العاطفة الدينية
إلى الهجرة كونها تؤمن بأن قيام
الدولة اليهودية يرتبط بظهور المسيح
المنتظر الذي سيعيد بناء الهيكل (23).
ومع بداية القرن التاسع عشر، بدأ مركز
اليهود في القدس وفلسطين خاصة
والدولة العثمانية عامة يظهر بشكل
واضح من خلال الأفكار التي أخذ يطرحها
المسؤولون الأوروبيون عن المصالح
المشتركة، والتي أثارت اهتمام أثرياء
اليهود ومفكريهم. فظهرت حركات دينية
وجمعيات مختلفة تدعو إلى الانتقال من
(حب صهيون) إلى الهجرة إلى (أرض
إسرائيل) واحتلال القدس وجعلها عاصمة
للدولة اليهودية(24)، وكان لأوضاع
الجاليات اليهودية الاجتماعية
والاقتصادية المتدهورة علاقة مباشرة
في دعم الجهود السابقة، حيث اتخذ
منظرو الفكرة الصهيونية من العطف على
فقراء ومد يد العون والإحسان لهم
دافعاً إلى دعوة زعماء الطوائف
اليهودية في أوروبا الشرقية بممارسة
الضغط على الفقراء وحملهم على
الهجرة، إلى جانب دعوة الأغنياء إلى
استخدام نفوذهم لدى الحكومات
الأوروبية للضغط على الحكومة
العثمانية للسماح لليهود بالهجرة
والاستيطان في فلسطين (25) .
ولاقت
هذه الدعوات قبولاً لدى نخبة من
الأثرياء اليهود الذين خشوا من أثر
هجرة اليهود الفقراء الوافدين من شرق
أوروبا على الحقوق والامتيازات التي
يتمتعون بها في مجتمعات أوروبا
الغربية. وتمثلت استجابتهم في إنشاء
جمعيات للاستيطان مهمتها الأساسية
جمع الأموال اللازمة لشراء الأراضي
وتمويل بناء المستوطنات وتنظيم عملية
الهجرة. ومن هؤلاء، برز الحاخام يهود
القلعي، الذي أسس جمعية للاستيطان في
القدس، وتسفي هيرش كاليشر، وهو مفكر
نشيط حيث ساهم في تأسيس جمعية استيطان
في فرانكفورت وأخرى في برلين إلى جانب
التأثير على مجموعة من أغنياء اليهود
لشراء قطع أراضي أقيمت عليها مدارس
زراعية (26) .
ولكن
الجهود والمساعي التي بذلت لم تخرج في
تلك المرحلة عن سيطرة مشاريع
الاستيطان الفردية غير المنظمة التي
استهدفت تحسين وضع الطائفة اليهودية،
وكان في نتيجتها أن تزايد عدد اليهود
وبدءوا في مرحلة لاحقة في إقامة
الأحياء الجديدة خارج أسوار البلدة
القديمة. وبرز في هذا الإطار، جهود من
عائلة روتشليد وجمعية الأليانس
الفرنسية والثري اليهودي في العالم
يؤمئذ وأكثرهم نفوذاً وحضوة لدى
الحكومة البريطانية. وانسجاماً مع
شدة اهتمامه بشؤون فلسطين، أسس
مونتفيوري أول مدرسة يهودية في القدس
عام 1935، ثم زار فلسطين لأول مرة بعد
ذلك بعامين (27) .
لم
يتكتم مونتفيوري على مشاريعه الكبرى
طويلاً، ففي عام 1836، وبإيعاز منه، قدم
وكيل الطائفة الاسكناجية في القدس
عرضاً إلى مجلس شورى القدس استهدف
تجاوز تسامح الحكم المصري بترميم
الكنيس، وانسجاما مع هذا العرض، طرح
مونتفيوري مشروعه الاستيطاني للمرة
الأولى على محمد علي باشا عام 1837م، ثم
ما لبث أن زاره مرة أخرى في العام
التالي طالباً استئجار "خمسون
فداناً ومائتي قرية لخمسين عاماً
بإيجار معين يسدد على أقساط سنوية".
وكان مونتفييينوي أن يستقدم جاليات
يهودية من أوروبا وأمريكا وجنوب
أفريقيا لاستثمار تلك الأراضي
والاستيطان فيها(28) .
وعلى
الرغم من الرفض الشديد الذي قوبل به
عرض مونتفيوري، إلا أن اليهود
استمروا في سياستهم دون تراخ. ففي أوج
الأزمة بين محمد علي باشا والدولة
العثمانية، وقبل نحو نصف عام من
انسحاب القوات المصرية من القدس،
حاولت الطوائف اليهودية استغلال هذه
المرحلة الحرجة وابتزاز اعتراف رسمي
يبيح لهم إجراء تعميرات في الزقاق
المحاذي لحائط البراق بحارة المغاربة.
وعن طريق القنصل البريطاني، استطاع
اليهود انتزاع الاعتراف الصريح
وحصلوا على رخص بذلك. ولكن تشدد متولي
الوقف ومجلس شورى القدس حمل على ما
يبدو محمد علي باشا على تصدير أوامره
إلى ابنه بمنع تبليط الزقاق (29) .
الفشل
لم يكن من نصيب مجمل النشاطات
اليهودية، ففي زيارة مونتفيوري
الرابعة لفلسطين عام 1849، نجح في
الحصول على فرمان من السلطان عبد
المجيد سمح بموجبه لليهود شراء
الأراضي في مدينتي يافا والقدس. ويعود
الفضل في هذا النجاح إلى الدور الذي
لعبه اللورد بالمرستون – رئيس
الوزراء البريطاني – بالضغط على
السلطان مستغلاً وقوف بريطانيا إلى
جانب الدولة العثمانية في حرب القرم
ضد روسيا (30). وبمساعدة من السفير
البريطاني، اشترى مونتفيوري أراضي
بين يافا والقدس أقام عليها أقدم
المستوطنات اليهودية في فلسطين. كما
تمكن من الحصول على فرمان آخر عام 1855،
سمح له بموجبه بشراء مساحة من الأراضي
خارج سور البلدة القديمة تقع إلى
الغرب من بوابة يافا وبالقرب من باب
الخليل خصصت لإقامة مستشفى عليها.
ولكن مونتفيوري عدل خططه بعد ذلك بناء
على نصيحة وجهاء اليهود في القدس
الذين اقترحوا إقامة مساكن شعبية
بدلاً من المستشفى نظراً لازدحام
الحي الذي يسكنه اليهود داخل السور.
وحين حاولت السلطات العثمانية عام 1859
إيقاف أعمال بناء المساكن لأنها
تخالف تعليمات الفرمان، تدخل القنصل
البريطاني ثم السفير في استنبول،
وانتهى الأمر بالسماح باستمرار
البناء. وبهذا العمل، يكون مونتفيوري
قد وضع أساس أول حي سكني يهودي في
القدس، أصبح نواة للحي اليهودي من
المدينة وعرف فيما بعد باسم (حي
مونتفيوري). كما جاءت مواجهة بوابة
يافا، وأنشأت ثمانية أحياء سكنية من
الناحية نفسها عام 1893 بمساعدة صندوق
مالي يدعى (مزكيرت موشيه – ذكرى موشيه)
أسس تخليداً لذكرى مونتفيوري (31) .
أما
من جهة الرواد الأوائل من يهود
ألمانيا الذين سعوا عام 1860 إلى الهجرة
إلى القدس وفلسطين، فقد تزعمهم رجل
يدعى هوفمان قام بتأسيس جمعية دينية
عرفت باسم (جمعية محبي القدس)،
واختصاراً باسم (تامبل). وقام هوفمان
بطلب ترخيص لتأسيس مستوطنة يهودية
ألمانية في الأراضي المقدسة، وحصل
على الإذن من السلطان العثماني عام 1868
مستفيداً من نظام الامتيازات
الأجنبية. وفي عام 1869، بدأت قوافل
المهاجرين الألمان تطأ أرض فلسطين
حيث استقرت في البداية بمنطقة حيفا ثم
انتقلت إلى القدس ويافا بعد أن ابتاع
هوفمان أراضي لإسكان المهاجرين (32) .
وفي
نفس السياق، دعا الثري اليهودي لورنس
أوليفانت الحكومة البريطانية
والدولة العثمانية عام 1897 إلى دعم
مشروعه بإسكان المهاجرين اليهود في
ضواحي القدس للمساهمة في إعمارها،
وفي المقابل، تستفيد الدولة
العثمانية من الثروات والخبرات
اليهودية، وتحظى بتأييد اليهود
الإعلامي في مختلف بلدان العالم.
ولذلك، طلب السماح لجماعة من اليهود
العثمانيين لإنشاء شركة عثمانية
خالصة تقوم بإعمار لواء القدس وتطوير
الصناعة والتجارة والزراعة فيه. ولكن
أوليفانت أخفق في الحصول على موافقة
السلطان عبد الحميد على مشروعه (33) .
وإلى
جانب الفردية السابقة، قامت جمعيات
يهودية مثل الاتحاد الإسرائيلي
العالمي (الأليانس) الذي تأسس عام 1860
في باريس لحماية اليهود وتحسين
أحوالهم في فلسطين والعمل على زيادة
عددهم فيها بكل وسيلة ممكنة، بدور مهم
حيث حصلت على التمويل اللازم لنشاطها
من آل روتشيلد والبارون موريس دي هيرش.
وتكللت مساعي الأليانس بالنجاح حين
حصل النائب اليهودي في البرلمان
الفرنسي أدولف كريميه على فرمان من
السلطان عبد العزيز عام 1868 باستئجار
(2600) دونم بالقرب من يافا لمدة 99 عاماً.
فأقامت الأليانس عليها أول مدرسة
زراعية لتدريب المهاجرين اليهود.
ونتيجة لذلك، قامت مجموعة من يهود
القدس عام 1978م بشراء (3375) دونماً في
أراضي قرية ملبس، وفي العام التالي،
وضع يهود القدس أيديهم بالطريقة
نفسها على منطقة مجاورة بلغت عشرة ألف
دونم حيث أقاموا على هاتين القطعتين
مستوطنة بتاح تكفا (34). وشكلت هذه
المستوطنة التي عدت من أكبر
المستوطنات في فلسطين المحتلة محطة
للمهاجرين الجدد في طريقهم إلى القدس
نظراً للعقبات التي وصفها السلطان
عبد الحميد الثاني فيما بعد في وجه
الهجرة اليهودية المنظمة .
4-
بداية مشاريع الاستيطان
المنظم:
يعتبر
الفرمان الذي حصل عليه مونتفيوري
وأقامت الحي الذي يحمل اسمه على أول
ارض يمتلكها اليهود في القدس منذ نحو
ألفين عام هو الخطوة الأولى من مخططات
الحركة الصهيونية لمحاصرة مدينة
القدس وتحقيق أكثرية سكانية فيها. إذ
لم تمض سوى فترة قصيرة من الزمن حتى
أخذ البناء يمتد وينتشر على امتداد
الطرق المؤدية إلى بوابات المدينة
الغربية والشمالية والجنوبية. فمن
بوابة يافا إلى بوابة دمشق (باب
الخليل وباب العمود)، أقيمت أحياء
يهودية على أراضي استطاعت المؤسسات
اليهودية أولاً ثم الحركة الصهيونية
فيما بعد شراءها، بالتحايل على
القانون الذي يمنع بيعها لليهود،
وبمساعدة القنصل البريطاني (35) .
وجاء
قانون تملك الأجانب الذي أصدرته
الدولة العثمانية عام 1867، نتيجة
للضغوط الخارجية التي حتمتها تدخل
الدولة الأوروبية وتنافسها فيما
بينها على ممارسة النشاط القنصلي
والديني والثقافي ومطالبات سفرائها
بالسماح لرعاياهم بتملك الأراضي
والعقارات، ليفتح الباب على مصراعيه
لرعايا الدول الأجنبية والحركة
الصهيونية لشراء الأراضي. وتضمن
القانون كذلك، اعترافاً رسمياً بما
جرى شراؤه بطريقة غير شرعية طوال
الفترة التي سبقت إعلانه (36) .
وكان
لهذا التحول في الإجراءات من جانب
الحكومة العثمانية دور كبير في
التأثير على بنية الملكية في المدينة
المقدسة، وشكل أحد المنافذ التي ولجت
منها الحركة الصهيونية للقيام
بمشاريع استيطانية ضخمة قبل أن يتسنى
لها بناء مستوطنات بشكل منفرد في
الأراضي الأميرية الصالحة للزراعة
خارج أسوار المدينة، فقد أخذ
المهاجرون اليهود ممن يحملون جنسية
الدول الأوروبية وينضوون تحت حمايتها
بتشييد الأحياء وشراء الأراضي لأغراض
البناء دون الحاجة لأخذ الموافقات.
وكانت الأموال تتدفق إلى القدس من
الخارج على هيئة تبرعات للجمعيات
والأثرياء دون أن يواجهها أي عوائق أو
عراقيل، لدفع أثمان الأراضي وبناء
المستوطنات وتعزيزها بالمدارس
الدينية والمشافي والجامعات لصهر
الثقافات وإحياء اللغة العبرية (37) .
وترك
هذا النشاط بصمات واضحة المعالم على
أراضي الدولة العثمانية بما فيها
القدس والمناطق التابعة لها، إذ أخذت
المشاريع الاستيطانية المنظمة تغزو
الأراضي القائمة في الزاوية الشمالية
الغربية للمدينة الممتدة من باب
العمود شرقاً إلى باب الخليل غرباً
(38). ففي عام 1868، انطلقت عجلة
الاستيطان حين بادرت سبع عائلات
يهودية في المدينة إلى إقامة ضاحية
"نحلات شيفع" على الطريق بين
بوابة يافا ومدينة يافا بالقرب من
ساحة صهيون حالياً، التي تحولت مع
بداية القرن العشرين إلى مركز القسم
الغربي من المدينة، ثم أقيم حي "محانيه
يسرائيل" على بعد أقل من كيلومتر من
بوابة يافا. وتم ما بين سنتي 1875 – 1878
تأسيس عدد من الأحياء اليهودية
الأخرى منها "مناه شعاريم" و"إيفن
يسرائيل" على طريق يافا، قريباً من
فندق الملك داود حالياً، و"مشكانوت
شعنانيم" بالقرب من هذا الحي، و"بيت
دافيد" إلى الشمال من طريق يافا
مقابل "نحلات شيفع" .
وفي
سنة 1882 أقيم حي "أوهل موشيه" إلى
الجنوب الغربي من شارع أغريباس، وفي
هذه الأثناء أخذ البناء ينتشر أيضاً
ما بين بوابة يافا "مئاه شعاريم"
على مسافة غير بعيدة من بوابة دمشق.
ومع نهاية القرن التاسع عشر أقيمت
أحياء أخرى على امتداد الطرق المؤدية
إلى بوابات المدينة، فوصل البناء في
منطقة طريق يافا إلى "محانيه يهودا"،
وفي الجهة الشمالية الشرقية إلى
منطقة مئاه شعاريم، أما باتجاه الشرق
فقد أقيمت أحياء عربية ثم مسيحية
أجنبية، وعند نشوب الحرب العالمية
الأولى وصلت حدود البناء إلى مدخل "روميما"
غرباً وحي بوخارين والشيخ جراح
شمالاً، بينما كان البناء أقل في
الجهتين الشرقية والجنوبية لأسباب
طوبوغرافية في الأساس (39) .
واستناداً
إلى سجلات محكمة القدس الشرعية،
وخارطة المهندس النمساوي شيك الذي
شارك في تنظيم الأحياء والمستوطنات
اليهودية، فإن المستوطنات التي غزت
شمال غرب المدينة وصلت إلى (36) مستوطنة
حتى عام 1918. وكانت المستوطنات تعرف
الواحدة منها (القومبانية) كما هو
مبين في الجدول التالي:
جدول
رقم (1)
القومبانيات
اليهودية في مدينة القدس (1858 – 1918)
|
الاسم
المعرب
|
الاسم
العبري
|
الرقم
|
|
ملك
السبعة
|
نحلة
شبع
|
1
|
|
صخرة
يعقوب
|
ابن
إسرائيل
|
2
|
|
الـ
(100) بوابة
|
ميا
شأنيم
|
3
|
|
بيت
نيزن باك (؟)
|
بيت
تيزن باك
|
4
|
|
حجر
الزاوية
|
شعرفنا
|
5
|
|
بيت
يعقوب
|
بيت
إسرائيل (يعقوب)
|
6
|
|
خيام
سليمان
|
أوهل
شلومو
|
7
|
|
ملك
صهيون
|
نحلة
صهيون
|
8
|
|
بوابات
موسى
|
شعري
موشيه
|
9
|
|
معسكر
يهودا
|
منحنيه
يهودا
|
10
|
|
عودة
الأخوة
|
شبات
أخيم
|
11
|
|
مساكن
إسرائيل (يعقوب)
|
مشكنوت
إسرائيل
|
12
|
|
ذكر
موسى
|
مزكرة
موشيه
|
13
|
|
مآزرة
إسرائيل
|
عزرات
إسرائيل
|
14
|
|
بوابات
أورشليم (القدس)
|
شعري
يرشولايم
|
15
|
|
خيمة
موسى
|
أوهل
موشيه
|
16
|
|
قومبانية
بدون اسم
|
بدون
اسم
|
17
|
|
تجمع
إسرائيل
|
كنيست
إسرائيل
|
18
|
|
ذكرى
طوبيا
|
زخرون
طوبيا
|
19
|
|
بوابة
العدل
|
شعري
صيدق
|
20
|
|
بيت
يعقوب
|
بيت
يعقوب
|
21
|
|
قومبانية
يهود اليمن
|
يهود
اليمن
|
22
|
|
بيت
يوسف
|
بيت
يوسف
|
23
|
|
قومبانية
بدون اسم
|
بدون
اسم
|
24
|
|
سليمان
الصديق
|
شمعون
الصادق
|
25
|
|
قومبانية
يهود بخاري
|
بيت
بخاري (البخارية)
|
26
|
|
يمين
موسى (موسى مونتفيوري)
|
يمين
موشيه
|
27
|
|
بيت
ناتان
|
بيت
ناتان
|
28
|
|
بيت
يهوذا
|
بيت
يهوذا
|
29
|
|
مساكن
السلام
|
شكوت
شلوم
|
30
|
|
ملك
سليمان
|
نحلات
شمعون
|
31
|
|
ملك
شوعا
|
نحلة
شوعا
|
32
|
|
(؟)
|
التنك
|
33
|
|
قوة
إسرائيل
|
أون
إسرائيل
|
34
|
|
البشارة
|
ميشروم
|
35
|
|
المذكر
|
متكاريت
|
36
|
استمر
النشاط الاستيطاني في الأحياء
الجديدة (القومبانيات) دون تراخ، وظل
اليهود يقومون بمشاريع عمرانية بين
البيوت القديمة وعلى جوانبها إلى أن
اشتعلت الحرب العالمية الأولى،
فتجمدت المشاريع. ولهذا بدت الناحية
الشمالية والشمالية الغربية من سور
القدس من الصور الجوية التي التقطها
الطيران الألماني ما بين 1917 و 1918 قد
غصت بغابة من المباني، وباعتماد
التقديرات عدد بيوت أحياء
القومبانيات الـ(36) والمتراوحة ما بين
(300-400) بين عام 1899، لعدد أفراد الأسرة
اليهودية (5) أشخاص، فإن أعداد
المستوطنين المقيمين في القدس عام 1913
تتراوح بين (460000) و(620000) مستوطن (40) .
ولم
يقتصر دور القومبانيات على إيواء
جموع المستوطنين وحسب، بل اتخذت
أوكاراً لأعضاء الحركة الصهيونية
وشركاتها وجمعياتها وبنوكها
ووكلائها للانطلاق لشراء الأراضي في
الأرياف وديار العربان وبناء
المستوطنات فيها. فبدأت فعاليات
النشاط الاستيطاني في المواقع
الريفية بعد نحو عشر سنوات على
انطلاقته في مدينة القدس. إذ أخذت
الحركة الصهيونية بشراء الأراضي
وبناء المستوطنات، والعمل بأقصى جهد
مستطاع لتوفير جميع الظروف المادية
والمعنوية للحفاظ على بقائها
واستمرارية نموها.
وقد
ترتب على تلك الفعاليات بناء (13)
مستوطنة في أرياف متصرفية القدس، كان
من بينها واحدة في ريف مدينة القدس هي
(هارطوف)، وتعني الجبل الجميل، وأنشأت
على يد مجموعة من يهود بلغاريا 1895 على
المنحدرات الغربية لجبال القدس
المعروفة بمنطقة العرقوب كونها تطل
على الممر الإستراتيجي الذي يصل
السهل الساحلي بالقدس المتمثل بمجرى
وادي الصرار، وتمر به سكة حديد يافا –
القدس، وتقع في أراضي تصل مساحتها إلى
(5060) دونماً (41) .
|