الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

 

عودة


مستقبل القدس وسبل إنقاذها من التهويد
د. إبراهيم أبو جابر


الفصل الأول

الخطوات التي انتهجتها "إسرائيل"  لتهويد القدس الشريف

التهويد خطوة خطوة(1)

أكد منظرو الحركة الصهيونية منذ منتصف القرن الماضي أن هدف الحركة الصهيونية هو احتلال القدس وجعلها عاصمة لـ(إسرائيل)(2)، وكان استيطان القدس من أهم ركائز الدعوة لدى زعماء الصهيونية الذين كانوا يرددون أمام بسطاء اليهود في العالم باستمرار أحد المزاعم اليهودية التي تقول ((إن أقدامنا كانت تقف عند أبوابك يا قدس، يا قدس التي بقيت موحدة)) (3) .

والمتتبع لمسيرة التاريخ يلحظ أن جذور عملية التهويد بدأت منذ عام 1849 حينما حصل "مونتفيوري" على فرمان سمح بموجبه لليهود بشراء الأراضي وتمكن الأخير عام 1855 نتيجة تدخل بريطانيا لدى السلطات العثمانية، من شراء قطعة أرض في القدس أقام عليها أول حي يهودي في القدس خاصة وفي فلسطين عامة .

ولذلك كانت بداية مواطئ القدم للصهاينة في فلسطين من القدس بالذات، قلب العقيدة، ليمتد بعدها كالأخطبوط في أرجاء فلسطين (4)، ومع انتهاء الحرب العربية “الإسرائيلية” عام 1948م، تمكنت القوات “الإسرائيلية” من تحقيق الحلم الصهيوني في إقامة دولة اليهود، واحتلت بذلك 84% من المساحة الكلية لمدينة القدس، حيث بقيت البلدة وحدها بأيدي العرب، وقد ترتب على ذلك فقدان أحياء عربية كاملة، وتهجير سكان القدس الفلسطينيين وإحلال المهاجرين اليهود محلهم وإقامة أحياء سكنية يهودية جديدة، وهدم القرى التابعة للمدينة .

ومنذ ذلك التاريخ بدأت عمليات تهويد القدس تسير على قدم وساق لم تتوقف لحظة واحدة، وإن شهدت عملية تهويدها مد وجزر .

وجاءت حرب حزيران عام 1967م لتمكن القوات “الإسرائيلية” من إحكام قبضتها على الجزء المتبقي من المدينة، ولتتعاظم بعدها عمليات التصفية الحضارية، وتهويد المدينة المقدسة.

ففي 7 حزيران من عام 1967م احتلت القوات الصهيونية القدس، ولدى وصول وزير الدفاع الإسرائيلي "موشيه ديان" وبرفقته عدد من زعماء اليهود إلى حائط البراق الشريف(5)، وهناك أعلن بيانه التهويدي الأول بقوله ((لقد عدنا إلى الهيكل المقدس ولن نبارحه أبداً مرة أخرى)) (6)، عندما أضاف ((اليوم يوم خيبر)) (7) .

وفي اليوم التالي (8)، حزيران 1978م، كان الحاخام شلومو غوريون حاخام جيش الدفاع الإسرائيلي آنذاك- يقف على رأس شلة من الجيش بالقرب من الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف أو حائط البراق، ويقيم شعائر الصلاة اليهودية معلناً في ختامها أن حلم الأجيال اليهودية قد تحقق، فالقدس لليهود ولن يتراجعوا عنها وهي عاصمتهم الأبدية، وهذا ما أكده ساسة دولة “إسرائيل” لاحقاً، وفعلاً جاءت الإجراءات “الإسرائيلية” في مدينة القدس (بل وفي فلسطين جميعها)، لتؤكد هذه المقولة .

وبعد أربعة أيام فقط من احتلال جميع أجزاء المدينة المقدسة بدأ الصهاينة برنامج التصفية الحضارية وتغيير التركيب الداخلي والخارجي للمدينة، وتمثل ذلك في قرارات الهدم والنسف لأملاك عربية داخل السور وخارجه والتي بدأت في 11/6/1967م، وفي أقل من أسبوع تم تنفيذ ما يلي:

هدم 135 منزلاً في حي المغاربة يسكنها 650 شخصاً.

هدم مسجدين في حي المغاربة .

هدم مصنع بلاستيك قرب حي الأرمن، كان يعمل فيها مائتا عامل وعاملة.

هدم ما يزيد على مائتي منزل ومخزن في مناطق مختلفة .

وكان من نتيجة عمليات الهدم والنسف، تشريد أكثر من 7500 شخص ما بين مشرد ونازح.

وبدأ توحيد المدينة المادي خلال ثلاثة أسابيع من الاستيلاء على المدينة القديمة فمدت شبكة الباصات البلدية خطوطها، ووحدت شبكات المياه والمجاري والمرافق الصحيحة والخدمات ورفعت أسماء الشوارع واللافتات بثلاث لغات (9)، وبعد أسابيع من احتلال المدينة، تلقت الهيئة الإسلامية بالقدس من جماعة من الماسونيين من أمريكا وأكثرهم من اليهود كتاباً يطلبون فيه من الهيئة السماح لهم بإعادة بناء الهيكل على أرض الحرم القدسي الشريف نظير 100 مليون دولار أمريكي (10).

وأعلنت الحكومة “الإسرائيلية” أن العملة “الإسرائيلية” هي العملة المقبولة في المدينة المقدسة، وفي يوم الثلاثاء 27/6/1967م أقرت الكنيست ضم القدس العربية إلى القدس الغربية، وفي اليوم التالي نفذ وزير الداخلية قرار الكنيست بتوسيع حدود بلدية القطاع اليهودي من القدس ليشمل القدس القديمة وضواحيها التي تقع ما بين المطار وقرية قلنديا شمالاً وحدود الهدنة غرباً، وقرى صور باهر وبيت صفافا جنوباً، وقرى الطور والعيسوية وعناتا والرام شرقاً، وفي يوم الخميس 29/6/1967م أبلغت الشرطة العسكرية روحي الخطيب أمين القدس (رئيس البلدية) وأعضاء المجلس البلدي أن البلدية والمجلس قد حلا، والحق موظفها وعمالها ببلدية القدس المحتلة منذ عام 1948م، وفي هذا اليوم رفعت جميع الحواجز التي كانت تفصل بين قطاعي القدس، وبدأ سكان القطاعين ينتقلون من جانب إلى آخر دون حاجة إلى تصاريح رسمية (11) .

كذلك أصدرت الحكومة “الإسرائيلية” ما يسمى (أمر القانون والنظام رقم 1 لسنة 1967) وأخضعت بموجبه منطقة تنظيم القدس للقوانين والنظم الإدارية “الإسرائيلية” .

ومن ذلك كله يتضح لنا أن السلطات “الإسرائيلية” عملت على تهويد القدس منذ أن حطت أقدامهم على أرضها فهم يرون أن القدس هي العاصمة العقائدية والفكرية والحضارية لهم، وفيها يحلمون بإعادة بناء الهيكل، واستعادة كل الأرضيات الحضارية والتاريخية لهم، ويستدلون لذلك أنه جاء في بعض الرسوم “الإسرائيلية” القديمة التي تعود إلى القرن السادس عشر، تخطيط للعالم، يصور أورشليم في الوسط، وقارات العالم المعروفة في ذلك الوقت حولها.

ويتضح مما سبق أن حرب حزيران عام 1967م، قد تمخضت عنها في الأسابيع الأولى تغيرات جذرية على أوضاع السكان العرب في المدينة المقدسة، ففي الوقت الذي توقف فيه النمو العمراني بسبب الأحوال الاقتصادية الصعبة والسيئة التي أعقبت الاحتلال والإجراءات “الإسرائيلية” المتمثلة في مصادرة الأراضي التابعة للمواطنين العرب، ومنع إصدار رخص جديدة للبناء، فقد اختل الوضع السكاني للمدينة نتيجة لعزل القدس عن المناطق العربية المجاورة، وعزل سكان الأراضي المحتلة ككل- عن الأعداد الكبيرة من السكان التي كانت تقطن خارج هذه المناطق بحثاً عن الرزق، وبالرغم من عمليات شمل العائلات التي شرع بها فيما بعد إلا أن عدة آلاف من السكان العرب وقسم كبير منهم من القدس لم تتمكن حتى الآن من الإقامة في المدينة، كذلك فإن عمليات الإرهاب والضغط النفسي التي رافقت الاحتلال الصهيونية أسهمت في تخفيض عدد السكان منذ الأيام الأولى من الاحتلال .

 

البرنامج التهويدي

ويمكن تقسيم البرنامج التهويدي إلى أربعة مراحل (12) :

المرحلة الأولى، بدأ عقب الاحتلال مباشرة.

المرحلة الثانية، بدأت عام 1968م واستمرت حتى أواخر السبعينات .

المرحلة الثالثة، بدأت أوائل الثمانينات حيث أقرت الكنيست في 30 يوليو قانوناً بالأكثرية عرف باسم قانون أساس القدس عاصمة “إسرائيل” تحت رقم 5841، ويدعو القانون إلى اتخاذ الإجراءات التي من شأنها تنفيذ نصوص هذا القانون .

المرحلة الرابعة: بدأت هذه  المرحلة عام 1987م ولا تزال مستمرة وقد دشن هذه المرحلة (أرئيل شارون) وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق .

وبخصوص إجراءات تهويد القدس بعد عام1967م يمكن إيجازها بما يلي:

1:2- تغيير معالم وهوامش مدينة القدس:

منذ اللحظة الأولى لاحتلال القدس عملت السلطات “الإسرائيلية” على تغيير التركيب الداخلي لمدينة القدس العربية مع التركيز على المدينة القديمة وتغيير هوامش المدينة، ووضع خطة متكاملة عام 1972م تحت اسم (خطة التنمية الخاصة)، لإعادة تخطيطها بهدف تغيير العوامل الطوبغرافية والديمغرافية والمعمارية والتاريخية والاقتصادية والجغرافية، وجعلها موضع إسقاطات تخطيطية مستقبلية حتى سنة 2000 لتغيير معالم مدينة القدس وهوامشها تماماً، وتخطيط أماكن الحفريات الأثرية الراهنة والمستقبلية بدعوة التاريخ المزيف  لليهود(13) .

وفي الحقيقة بدأ التغيير في الأسبوع الأول من احتلال القدس كما أشرنا وقد أدت الإجراءات الفورية التي قامت بها الحكومة “الإسرائيلية” إبان احتلال القرى إلى مصادرة واقتطاع نحو 20% من مساحة البلدة القديمة وأدى إلى طرد أكثر من 7500 مواطن خارج أسوار المدينة، ومصادرة 630 عقاراً، وهدم 135 عقاراً، وتعيين الحدود الجائرة إلى جعل عدة آلاف من المواطنين الفلسطينيين خارج حدود البلدية، واختل بذلك الميزان الديمغرافي، وأصبح 1:3 لصالح اليهود ضمن حدود البلدية .

وباختبار التخطيط قصير المدى والتخطيط بعيد المدى الذي وضعه الصهاينة، يمكن إيجاز أهداف الإجراءات الصهيونية بالنقاط التالية:

تركيز أغلبية سكانية يهودية في القدس، بحيث تكون العامل الحاسم في أي اتفاق مستقبلي حول المدينة .

خلق حقائق سكانية تمنع تقسيم المدينة مجدداً .

ج) محاصرة القدس العربية بما فيها البلدة القديمة استراتيجياً، وذلك بتوطين السكان اليهود بكثافة عالية تلغي عملياً أي أهمية لاحتمال إعادة تقسيم المدينة، أو تسليم القسم الشرقي منها لسلطة أخرى .

د) عزل القدس العربية عن المراكز العمرانية الحضارية والريفية الأخرى في الضفة الغربية، من خلال تواجد تجمعات سكانية يهودية ضخمة .

هـ) دفع المواطنين الفلسطينيين إلى إقامة المساكن خارج الحدود البلدية .

ولتحقيق هذه الأهداف شرعت السلطات الصهيونية بعملية مزدوجة ارتكزت على السيطرة الإجرائية على أراضي المواطنين الفلسطينيين واستهدفت إقامة تجمعات استيطانية ضخمة مستفيدة من الوضع الطوبغرافي للأراضي المحيطة بالمدينة وكذلك منع العرب من بناء المساكن وذلك بتضييق الرقعة التي يسمح بالبناء فوقها، وتعقيد إجراءات الحصول على الرخص للبناء بل ومنعها في غالب الأحيان (14) .

2:2 تهويد المرافق والخدمات العامة:

وذلك بإلغاء الإدارات العربية ونقل قسم منها إلى خارج مدينة القدس وربط شبكتي المياه والهاتف بالقدس الغربية منذ عام 1948م، وإلحاق الدوائر العربية بالدوائر “الإسرائيلية” مثل، عمال وموظفي بلدية القدس العربية، وسن تشريع يفرض على أصحاب المهن العرب الالتحاق بالمؤسسات “الإسرائيلية” ليسمح لهم بمزاولة عملهم .

وصاحب هذا الإجراء الاستيلاء على مستشفى المقاصد الخيرية الإسلامية وتحويله إلى وزارة للشرطة، ثم وضع اليد على مستشفى الحكومة الجديدة لتخصيصه كمكاتب للشرطة، وتخصيص القصر العدلي ليكون مقراً لدائرة المخابرات (15) .

3:2 تركيز المؤسسات الصهيونية في القدس المحتلة:

وضمن هذا الإطار قامت السلطات “الإسرائيلية” بتركيز المؤسسات السياسية والإدارية الصهيونية في مدينة القدس العربية، وذلك بنقل عدد من الوزارات والدوائر الرسمية “الإسرائيلية” إلى القدس العربية، ومنها محكمة العدل العليا، وزارة العدل، مقر رئاسة الشرطة، مكاتب الهستدروت، وزارة الإسكان، مكاتب المؤتمر الصهيوني، مقر رئاسة الوزراء، كما طلبت الحكومة “الإسرائيلية” من الدول الأجنبية نقل سفاراتها إلى القدس المحتلة، وقد نفذت بعض الدول الإمبريالية هذا المطلب .

4:2 طمس الهوية والثقافة الوطنية وتهويد التعليم:

وتمثل ذلك بإلغاء مناهج التعليم العربية في المدارس الحكومية بمراحلها الثلاث، وتطبيق منهاج التعليم الإسرائيلي، والاستيلاء على متحف الآثار الفلسطيني وحظر تداول الآلاف من الكتب الثقافية والعلمية العربية الإسلامية ومراقبة النشر والصحافة مراقبة صارمة، وإطلاق الأسماء اليهودية على الشوارع والساحات في القدس العربية (16).

وضمن هذا الإطار قامت السلطات “الإسرائيلية” في 25/7/1967م بإجراء حصار عام لسكان القدس، سجلت خلاله جميع الموجودين فيها من مواطنين وأجبرتهم خلال ثلاثة أشهر على الحصول على بطاقة هوية إسرائيلية، واعتبرت غير الموجودين منهم أثناء الإحصاء غائبين ومنعتهم من حق الرجوع والسكن في المدينة، ويقدر هؤلاء مع عائلاتهم بما لا يقل عن مائة ألف عربي (17)، وقد قضت عملية التهويد والاحتلال والإحصاء بإلغاء حقهم الدولي في الانتساب للقدس، بينما منح هذا الحق لكل يهودي في العالم .

ومن الجدير ذكره أنه كان في القدس أثناء الاحتلال ثلاثون مدرسة للذكور والإناث و14 مدرسة طائفية وأهلية يدرس فيها حوالي خمسة عشر ألف طالب وطالبة .

فتحت المدارس الحكومية بالقوة والتحق بها المعلمين والمعلمات وامتنع كثيرون، ولقد تحول عدد كبير من طلاب المدارس الحكومية إلى المدارس الأهلية التي لا تجبر على تطبيق المنهج (الإسرائيلي) وهنا أصدرت سلطات الاحتلال قانون الإشراف على المدارس لسنة 1967م، الذي استهدف الإشراف الكامل على جميع المدارس الطائفية والأهلية ويفرض عليها الحصول على تراخيص إسرائيلية تجيز لها الاستمرار بالعمل في التعليم كما أصبح لها الإشراف على البرامج والتمويل.

وبرامج التعليم الإسرائيلي تستبعد كل ما ينتمي إلى الروح القومية العربية والابتعاد عن الثقافة العربية ليسهل صهرهم في البوتقة الإسرائيلية، وضمن هذا الإطار أصدرت الحكومة “الإسرائيلية” عام 1968م قانون التنظيمات القانونية الإدارية لسنة 1968م وهذا القانون يشكل حلقة جديدة من الإجراءات الرامية إلى إزالة عروبة القدس، باشتراط تسجيل الشركات والجمعيات التعاونية وأصحاب المهن وأرباب الحرف، والمحامين والأطباء والصيادلة والمهندسين حسب القوانين الإسرائيلية، وهو رغم مخالفته للقوانين والاتفاقات الدولية التي توجب الحفاظ على القوانين والأنظمة المرعية في البلاد المحتلة وتحديه لقرارات هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي التي رفضت قرار “إسرائيل” بضم القدس إليها وطلبت منها الرجوع عن ذلك القرار وإيقاف كافة إجراءات الضم، فإنه يعني من الناحية العملية فرض أمر واقع السلطات المحتلة، على أساس القوانين الإسرائيلية، وبالتالي التسليم بإجراءات الضم (18) .

5:2 تهويد الاقتصادي العربي:

حيث أغلقت السلطات “الإسرائيلية” البنوك العربية في القدس القديمة ومصادرة ودائعها وتحويل خمسة منها إلى بنوك إسرائيلية، واستبدلت  العملة الأردنية بالعملة الإسرائيلية، وضيقت على سكان القدس العرب بإكراههم على شراء المنتجات “الإسرائيلية” وفرض الضرائب عليهم بمختلف أنواعها لا سيما القيمة المضافة، ومنعت إدخال أي إنتاج زراعي أو صناعي عربي إلى القدس إلا برسوم جمركية والاستيلاء على شركة كهرباء القدس وتصفيتها باعتبارها المرفق الاقتصادي العربي الأكثر أهمية في القدس، وأدى هذا الترتيب التعسفي إلى تردي الحالة الاقتصادية لدى سكانها.

6:2- تهويد القضاء:

حيث أغلقت جميع المحاكم النظامية في المدينة واتخذت الإجراءات التالية:

 نقل مقر محكمة الاستئناف العليا من القدس إلى رام الله .

 أدمجت محاكم الصلح والبداية بالمحاكم “الإسرائيلية” الماثلة والقائمة في الطرف الغربي من المدينة .

 طلب من القضاة والموظفين تقديم طلبات للالتحاق بوزارة العدل “الإسرائيلية” .

 فك ارتباط القضاء النظامي في مدينة القدس عن الضفة الغربية، وإلحاق مواطني القدس بالمحكمة الشرعية في مدينة يافا .

 تطبيق القوانين “الإسرائيلية” الجزائية والضريبية على مواطني القدس العربية وإخضاعهم للقضاء الإسرائيلي .

7:2 التهويد الديني:

وقد تمثل ذلك بالقيام بعدد من الإجراءات اللاأخلاقية ضد الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية بهدف تدميرها وتشويه الطابع الحضاري لمدينة القدس وإزالة الأماكن المقدسة والقضاء على ما تمثله هذه الأماكن من ارتباطات إسلامية ومسيحية بالمدينة المقدسة، ومن الأمثلة التي يمكن إيرادها في هذا المجال:

إقامة الحفريات حول المسجد الأقصى وتحته، بحجة البحث عن الهيكل الذي (تدّعي) “إسرائيل” وجوده في منطقة المسجد الأقصى، وقد بدأت الحفريات عقب حرب 1967م مباشرة ولا تزال مستمرة حتى الآن وكان آخرها الإعلان عن فتح النفق الجديد عشية عيد الفطر اليهودي مساء 24/9/1996 تحت الحرم القدسي الشريف في خطوات أولية لهدم المسجد الأقصى وتقويض أساساته ويعد هذا الإجراء تحولاً أساسياً في السياسات “الإسرائيلية” تجاه المقدسات الإسلامية، لأن الاعتداء على هذه المقدسات قد انتقل  من ممارسات تقوم بها بعض المنظمات المتطرفة اليهودية، إلى إجراءات معلنة يدافع عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي شخصياً .

ويمتد هذا النفق مسافة 400 متر تحت الحي الإسلامي العربي في المدينة، ويسير على طول أساسات حائط المسجد الأقصى، ويبدأ من حائط البراق أسفل الحرم حتى يصل إلى شمال الحي الإسلامي، وقد فتح جزء منه بعد عام 1967م وهو يمر بشبكة من الأقبية المعقودة أيام المماليك، وفتح الجزء الثاني منه بعد عام 1987م وهو طريق يعود للعهد الروماني، أما الجزء الأخير وطوله 10 أمتار فقد فتح حديثاً، ويهدف إلى بناء سلم يصل إلى أقرب خزان ماء من العهد الروماني على طريق الآلام (19)، ويفتح النفق الجديد بالقرب من المدرسة العمرية في البلدة القديمة من القدس، وكانت حكومة حزب العمل بزعامة إسحاق رابين قد سمحت بفتحه بتاريخ 24 يناير 1996م، ولكن تأجل تنفيذ القرار بعد العمليات الاستشهادية التي نفذتها حركة (حماس) ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في نهاية فبراير من العام نفسه .

وقد كشفت وزارة الأديان ووزارة الآثار الإسرائيليتين عن مشروع النفق عام 1987م وانتهت من أعمال تجهيزه وتجفيف المياه فيه وسد فتحاتها بكلفة ربع مليون دولار في أوائل عام 1995 م ،ويعد هذا النفق الثالث تحت أسوار الحرم القدسي حيث تم وصل هذا النفق بنفق البراق وهو نفق يبلغ طوله 500 متر ويتجه من الشرق إلى الغرب على طول المدينة. أما النفق الآخر الذي يعتبر نفقاً رئيسياً تحت البلدة فينطلق من مغارة سليمان في باب الساهرة، ويصل إلى وسط المدينة ويتفرع غرباً باتجاه باب الخليل وشرقاً تحت المسجد الأقصى باتجاه قرية سلوان ويذكر أن اقتراحات قدمت في السابق من جانب رؤساء أجهزة الأمن الإسرائيلي بالقيام ببث ليلي لتسجيلات أصوات حفارات ومطارق آلية حتى يعتاد الفلسطينيون على هذه الأصوات بحيث يتم في إحدى الليالي فتح باب النفق الجديد بعد أن تكون أصوات المعدات حقيقية (20)، وقد مرت هذه الحفريات بمراحل أدت إلى هدم وتصدع الكثير من المباني والعقارات الإسلامية المجاورة للمسجد الأقصى. وهناك أكثر من دليل يؤكد على استمرار الحفريات على طول سور الحرم حيث تنتشر أروع الأبنية الإسلامية التي بنيت في القرون الوسطى .

(ب) إحراق المسجد الأقصى المدبر من قبل سلطات الاحتلال في 21/8/1969 وتدبير محاولات نسفه كما حدث في مطلع عام 1980 على يد الحاخام مئير كاهانا وإطلاق النار على المصلين عدة مرات .

(ج) الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية ومحاولة إقامة الصلوات في ساحة المسجد الأقصى والاعتداء على المقابر الإسلامية وتحطيمها كما حدث في مقبرة ماملا، وسرقة بعض محتويات كنيسة القيامة واستملاك الأراضي التابعة لبعض الأديرة المسيحية في القدس وفي يوم 24/1/1971 دخل يهودي أمريكي كنيسة القيامة متظاهراً بالزيارة وأخذ يطوف في أرجائها واغتنم فرصة خلو القبر المقدس من الزوار فأقدم بكل حقد على تحطيم قناديل الزيت والشموع المقامة على القبر وداسها برجليه (21) .

8:2- التهويد الديمغرافي:

وتمثل ذلك في:

تطبيق سياسة الإبعاد .

سن قانون أملاك الغائبين .

الانتخابات البلدية .

إصدار قانون للتعويض عن أملاك المواطنين العرب .

فبعد عدوان حزيران عام 1967م أصبح بالإمكان إدخال الآلاف من المستوطنين إلى قلب المدينة المقدسة خاصة بعد الخطوة التي اتخذها الاحتلال الإسرائيلي. ففي عام 1972 بلغ المجموع العام لسكان القدس بشقيها (313,900) نسمة منهم (230,300) نسمة يهودي مقابل (83,600) عربي فيما قفز عام 1987 إلى (482,700) نسمة منهم (346,100) يهودي مستوطن مقابل (135,600) عربي .

ولما كان هدف “إسرائيل” هو بذل المحاولات لمحو كل ما هو عربي في القدس فقد لجأت إلى شتى وسائل الإرهاب والبطش لإخلاء القدس من أصحابها العرب ولكن العرب قاوموا هذه السياسة الجائرة وفرضوا إرادتهم وتمسكوا بأرضهم وأرض أجدادهم وقدموا في سبيل ذلك قوافل الشهداء، وإزاء هذا الصمود العربي الشامخ حاولت “إسرائيل” أن تزحزح العرب عن تصميمهم فعمدت إلى سياسة الإبعاد تطبقها على كل من يقاوم جبروتها فأبعدت مثلاً عن القدس كلاً من الشيخ عبد الحميد السائح، داود الحسيني، كمال نصر، روحي الخطيب،وآخرين، وهذا العمل الإجرامي يعتبر نقصاً واضحاً فاضحاً لاتفاقية جنيف التي انضمت إليها “إسرائيل” والتي نصت في مادتها رقم 49 على ((أن النقل الإجباري من أرض محتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو أرض أرى محتلة محظور بغض النظر عن دواعيه)) .

ورغم كل الجهود الدولية التي بذلت فإن “إسرائيل” لم توقف أعمال التعسف هذه بل زادت عليها بأن أصبحت تطرد كل من تشتبه بأن له علاقة بالمقاومة وهي بذلك تهدف إلى تفريغ المدينة من العرب لإسكان اليهود بدلاً منهم .

وجاء سن قانون أملاك الغائبين عام 1973م ليتيح لسلطات الاحتلال حل قضايا الملكية الوقفية الإسلامية للعقارات التي يسكنها الفلسطينيون وأضفى على أمر الاستملاك غلالة من اللياقة وقد  اتجه الصهاينة إلى تخفيض عدد السكان الفلسطينيين عبر التهجير والمصادرة والهدم والمنع من الإقامة ومنع التوسع في البناء. ومنع إعطاء رخص وغيرها من الأساليب(22)، وقد استندت عملية التهويد على نسبة سكانية بنسبة 3:7 لصالح الإسرائيليين في مدينة القدس بأكملها، إلا أن ضم كل الشطر الشرقي من القدس جعل تحقيق زيادة النسبة السكانية لصالح اليهود أمراً صعباً وللتغلب على هذه المعضلة عمدت الحكومة “الإسرائيلية” إلى مصادرة الأراضي التي يملكها الفلسطينيون ووضعت قيوداً صارمة على استخدام الأراضي الفلسطينية في محاولة لإيقاف النمو السكاني الفلسطيني في الوقت الذي قدمت فيه إغراءات ومعونات مادية للإسرائيليين بغية تشجيعهم على الاستيطان في القدس وبغرض حمل السكان الفلسطينيين على الهجرة خارج البلدة القديمة وقامت الحكومة “الإسرائيلية” بتنفيذ سلسلة من الإجراءات لجعل ظروف سكان الفلسطينيين في المدينة متردية إذ تعاني مناطق سكن الفلسطينيين من غياب الخدمات البلدية العامة ولا يسمح للسكان بترميم الأبنية والمنازل الآيلة للسقوط أو بناء منازل جديدة في الأحياء العربية مما دعا إلى خلق أزمة سكنية وحتى في حالة السماح بإضافة بعض الغرف أو زيادة مساحة البناء القديم فإن هذه الزيادة تتم دون تخطيط (وسنفصل ذلك لدى حديثنا عن التخطيط المستمر لإخلاء السكان العرب) .

وقرر مخططو البلدية أن 20 ألف نسمة هو  العدد الأمثل للسكان العرب في القدس القديمة، مما استلزم العمل على تخفيض عدد السكان الفلسطينيين بوسائل متعددة، ليست آخرها مسألة سحب هويات الإقامة الدائمة ممن يعيشون خارج القدس مؤقتاً، أو لم يولدوا فيها .

ورافق سن قانون أملاك الغائبين إصدار “إسرائيل” قانوناً للتعويض عن أملاك المواطنين العرب في القدس، فلقي الإعلان صدىً واسعاً لدى المتتبعين للمخططات “الإسرائيلية” الرامية إلى تهويد القدس وتكريس الاحتلال .

والهدف من مشروع التعويض هو تكريس الاستيلاء على الأملاك العربية وإعطائه الصفة الشرعية، ولكنه غلف هذه الظاهرة الخطرة بمظاهر كاذبة، وكأنها تتجاوب مع مقررات الأمم المتحدة بالتعويض عن ممتلكات العرب وتساوي المواطنين العرب بالإسرائيليين في الحقوق في جزء من المنطقة المحتلة، وفي القدس بالذات، وإظهار “إسرائيل” بمظهر المتمسك بشرعية الخطوات “الإسرائيلية” وحرص سلطات الاحتلال على احترام مبادئ العدالة .

والمشروع مرفوض من أساسه لأنه لم يمنح المواطنين العرب حق الاختيار بين الاحتفاظ بأملاكهم والتصرف الحر بها، واستغلالها بالطريقة التي يرونها مناسبة وبين البيع على الأسس التي حددتها السلطات الإسرائيلية. والغريب أن المصادرة لا تتم من تاريخه وإنما بأثر رجعي يعود إلى عام 1945م لأن التعويض على أساس القيمة في نفس العام يفيد التاريخ الرجعي للمصادرة يضاف إلى ذلك أن مشروع القانون اقتصر على أملاك المواطنين الموجودين حالياً في القدس واستبعد الغائبين، أي أنه استبعد أكثرية المالكين، كما أهمل التعويض عن الممتلكات من غير العقارات، وأخيراً أغفل المشروع التقدير العادل لقيمة الممتلكات عن طريق الحاكم إذا لم يكن عادلاً .

9:2 استمرار مصادرة الأراضي:

فمنذ أن وقع الاحتلال عام 1967م، قامت السلطات “الإسرائيلية” مباشرة بمصادرة الأراضي سواء في القدس القديمة، أو في المناطق المحيطة بالقدس العربية وهذه المناطق هي:

منطقة حي الشرفة وحي المغاربة في القدس القديمة .

منطقة جبل سكوبس (الشهداء) .

أراضي بيت جالا.

أراضي شرفات.

أراضي منطقة النبي يعقوب.

أراضي منطقة الشيخ جراح.

أراضي قرية صور باهر.

أراضي قرية شعفاط.

أراضي منطقة قلندية .

واستمرت عمليات المصادرة في مراحل لاحقة، وتمثل ذلك في زيادة المساحات المصادرة في منطقة بيت جالا، والنبي يعقوب، وعناتا، والعيزرية، والنبي صموئيل، وسن الإسرائيليون قوانين تمنع البناء في مساحات شاسعة شملت مختلف مناطق المدينة، وأعلن عن أخرى مساحات خضراء يمنع البناء بها، وقد ترتب على هذه الإجراءات مصادرة ومنع البناء في جميع الأراضي العربية التي كانت تشكل الاحتياطي لتوسع المناطق السكنية العربية في ضوء الزيادة السكانية المحلية، ولم يتبق لهؤلاء المواطنين سوى بعض قطع الأراضي الصغيرة المتناثرة ضمن المناطق السكنية المقامة عام 1967.

10:2 التهويد العمراني:

التخطيط المستمر لإخلاء السكان العرب وعرقلة النمو العمراني وهو ما نطلق عليه "التهويد العمراني" قامت السلطات “الإسرائيلية” مباشرة بعد الاحتلال بعمليات تهجير للمواطنين العرب من خلال تدمير ومسح بعض الأحياء كحي المغاربة وحي الشرفة، وكذلك من خلال "إعمار الحي اليهودي" الحكومية، وقد أخذت هذه الشركة على عاتقها عملية تهجير السكان العرب باتباع أساليب الترغيب والترهيب، التي وصلت إلى حد ضرب أساسات المباني وتصديع جدرانها، وبالتنسيق مع بلدية القدس اليهودية، وقامت البلدية بتوجيه إنذارات رسمية إلى السكان العرب بإخلاء مساكنهم بحجة "السلامة العامة"، وبالرغم من رفض السكان العرب إخلاء مساكنهم فقد أجبرت البلدية وبالقوة الكثير على إخلاء هذه المساكن، التي أعيد تصليحها فيما بعد، وسكنت من قبل سكان يهود، ولم يسمح للمواطنين العرب بالرجوع إلى المساكن التي تركوها أو حتى شراءها ثانية .

من جهة أخرى قامت السلطات “الإسرائيلية” بمصادرة أراضي المواطنين العرب في مناطق واد الجوز والعيزرية، لإقامة مساكن بحجة تطوير المناطق السكنية العربية، وقامت ببيع الأرض وما عليها من غير ملاك الأراضي مستغلة ذلك الأمر لأغراض الدعاية .

إضافة لما سبق، فرضت بلدية القدس اليهودية إجراءات معقدة لمنح رخص البناء للمواطنين العرب، وكذلك رفض الترخيص في أغلب الأحوال، وفرض رسوم باهظة على رخص البناء، بهدف عرقلة النمو العمراني أو إيقافه في الأحياء السكنية العربية، وقد دفع هذا الوضع المواطنين العرب إلى بناء بعض المساكن بدون ترخيص بعد أن اكتظت مساكنهم، واتهمت الصحف الإسرائيلية، وأعضاء البلدية من حزب الليكود بأن العرب يقيمون مستوطنات محصنة دفاعية، وأشاروا إلى 705 مسكناً تمكن العرب من بنائها في القدس فيما بين 1968 و 1974م، أي بمعدل يقرب من مائة مسكن سنوياً، وقد طالبوا بهدم تلك المساكن بحجة أنها غير قانونية، وبالرغم من تزايد الطلب على المساكن لمواجهة النمو السكاني الطبيعي للمواطنين العرب، إلا أن السلطات “الإسرائيلية” تمنع بناء أي مسكن في المنطقة (23) .

 

استمرار التخطيط الاستيطاني

يمكن القول إن النموذج الاستيطاني في المدينة المقدسة يختلف عن سائر أنواع الاستيطان في الأراضي المحتلة، نظراً لأهمية القدس التاريخية والدينية والحضارية للمسلمين والمسيحيين واليهود، ولذلك بوشر ببدء مشاريع الاستيطان والتخطيط لها بعد احتلال القدس العربية مباشرة .

وقد بدأ النموذج الاستيطاني في القدس بمرحلتين هما (24) :

مرحلة التمهيد للاستيطان، والذي بدأ بعد أربعة أيام من احتلالها (كما ذكرنا آنفاً) وتمثل ذلك في هدم أحياء سكنية عربية بكاملها وتهجير سكانها، ومصادرة معظم مساحات الأراضي الخلاء في المناطق المتطورة من القدس وهوامشها، وقد وضعت خطة خبيثة لإعادة استعمالات تلك الأراضي لتتفق وعمليات التصفية الحضارية والتهويد، كما أوقفت سلطات الاحتلال النمو العمراني في المناطق المتطورة من المدينة سواء قلب المدينة القديم، أو المناطق المحيطة بها. وقام المخططون الصهاينة بوضع خطة طبيعية، تهدف إلى تغيير معالم المدينة الحضارية بناء على معطيات الواقع البيئي والسياسي، وكذلك تغيير استعمالات الأراضي السائدة وتخطيط استعمالات الأراضي المكثف برتبه المختلفة ابتداءً بالأحياء السكنية، والمستوطنات الصغيرة، وانتهاءً بالقرى والمدن الاستيطانية بوظائفها المختلفة .

تخطيط شبكة الاستيطان بمستوياتها الآنفة الذكر، بحيث تخدم أهداف التغلغل في أحياء المدينة المقدسة، وبين القرى المحيطة بها، وتطويقها وعزلها عن مدن الضفة الغربية الأخرى، مع مراعاة التغيير السريع في المدينة وهوامشها، وإدخال طراز معماري مصمم وفق أسس الهندسة المعمارية العسكرية، حيث تشكل المباني وبخاصة واجهاتها المطلة على الأحياء والمناطق العربية ليس سوراً محصناً فحسب، بل قلاعاً يمكن استعمالها لأغراض الدفاع والهجوم .

وتمشياً مع أهداف الاستيطان وهو تغيير معالم (المشهد) الطبيعي والحضاري للمدينة وتجذر الاستيطان والمستوطنين، فقد تم وفق نظام مدروس من العمليات السياسية المنسقة، كما أخذ بعين الاعتبار في السياسة الاستيطانية التأثيرات والتدخلات الداخلية والخارجية ويتضح مما سبق بأن سياسة الاستيطان تقوم على أسس معرفة مداخلات البيئة المحلية للمدينة المقدسة وهوامشها بدقة متناهية، وتحديد العناصر البيئية التي يجب تغييرها جذرياً، ويشارك في صياغة قرارات الاستيطان، النظام السياسي، والأحزاب السياسية المختلفة، والمؤسسات الصهيونية المحلية والعالمية، والإمبريالية (من خلال الدعم المادي والعسكري والبشري)، ومؤسسات الجيش، وتؤكد التغيرات الجذرية في (المشهد) الطبيعي والحضاري التي أحدثتها السلطات “الإسرائيلية” في المدينة المقدسة، تعاظم عملية التصفية الحضارية وتهويد المدينة ومحيطها .

 

الإجراءات الاستيطانية

أولاً: الاستيطان في البلدة القديمة:

فور الانتهاء من عمليات المصادرة والهدم عام 1967م داخل البلدة القديمة أخذت السلطات “الإسرائيلية” بإقامة تجمعات أو أحياء سكنية يهودية فيها، وقامت ببناء سوق تجارية وكنيس للصلاة .

وقد جاءت عمليات الاستيطان العاجلة داخل البلدة القديمة مصاحبة لإجراءات التصفية الحضارية والتهويد الأخرى، وعلى رأسها توسيع ساحة حائط البراق على حساب العقارات الوقفية الإسلامية، والشروع في عمليات الحفر تحت الحائطين الغربي والجنوبي للمسجد الأقصى، وإصدار مختلف التعليمات والقوانين لتجريد العرب من أملاكهم، ومصادرة المزيد من الأراضي والعقارات في البلدة القديمة وخارج الأسوار وفي نطاق حدود أمانة القدس لعام 1967م.

ثانياً: الاستيطان في حدود أمانة القدس لعام 1967م

أما المرحلة الثانية من مراحل الاستيطان المدينة فقد بدأت خلال عام 1968م بالشروع في إقامة حزام من الأحياء السكنية اليهودية يحيط بالقدس من الناحيتين الشمالية والجنوبية، ولم يكن الهدف من إقامة هذه الأحزمة الاستيطانية الثلاثة حول مدينة القدس عزل المدينة نهائياً عن الضفة الغربية، بسياجات من القلاع والمستوطنين فحسب، بل كانت هناك أهداف أخرى منها (25) :

تجزئة الضفة الغربية وتقطيع أوصالها جغرافياً وديمغرافياً، والقضاء على الوجود العربي الكثيف والذي يشكل رافداً يغذي الوجود العربي فيها باستمرار .

إحداث خلخلة سكانية في الضفة الغربية في وسط الضفة لتمزيقها .

جعل مدينة القدس العاصمة التي تركز فيها كل عوامل جذب واستقطاب النشاطات الاستثمارية والسياحية والصناعية والزراعية لليهود من جميع أنحاء العالم، فالمساحات الشاسعة من الأراضي التي تقع في نطاق القدس الكبرى ستمكن المخططين اليهود من توفير المناخات اللازمة والاستثمار والتوطن اليهوديين في هذه المنطقة .

إن خطة القدس الكبرى كما هو واضح لا تستهدف التهويد النهائي لمدينة القدس وتدمير طابعها الحضاري وتحويل العرب في إطارها إلى أقلية فحسب، بل تستهدف الاستمرار في خلق حقائق بشرية وجغرافية جديدة حول مدينة القدس وفي قلب الضفة الغربية .

ومما يؤكد أن سلطات الاحتلال ماضية في إخراج مشروع القدس الكبرى إلى حيز الوجود وعلى الصعيد التنظيمي في حين تم تنفيذ المشروع على صعيد الاستيطان بصورة أولية، ذلك الزحف التدريجي لحدود بلدية القدس على حساب الأراضي العربية المجاورة، وتوج ذلك بمصادقة بلدية القدس المحتلة في تموز من  عام 1980م على المخطط الهيكلي الجديد لمدينة القدس كما أقرته اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء في بلدية القدس. وصل هذا المخطط الهيكلي بدل المخطط الهيكلي القديم لمدينة القدس لعام 1955م .

إن هذا المخطط إن دل على شيء فإنما يدل كما قال لوريس ممنورد الأمريكي الذي ينظر إليه على أنه فيلسوف على أن وصول المدينة إلى مرحلة التوحيد دينياً وثقافياً، وهو قول باطل كما أن النواحي السياسية والاقتصادية في المدينة لا تحمل طابع القابلية للتوحيد (26).

إن “إسرائيل” لا تسعى فحسب إلى تهويد القدس، بل إنها تفرض مخيلاتها على أرض الواقع تسهم وتصر على تحويل القدس بهذه المستوطنات إلى شكل الوحش الممدد؟ فلماذا هذا الإصرار طالما أن التاريخ فرض لها شكلاً معيناً وسمتاً مستقلاً؟

لماذا الإصرار على جعل القدس المنشودة مدينة علمانية مكدسة ليس فيها ما يميزها عن أي مجمع بشري صناعي ملوث الهواء والأرض على السواء، وهو أمر يثير اعتراضاً عالمي النطاق حتى أنه ليشمل الكثيرين من اليهود المتدينين ممن ستنهار في مخيلاتهم صورة القدس؟

إن هذه هي الحقيقة التي يرفض اليهود قبولها بسبب حماستهم لابتلاع القدس وتكديس اليهود فيها بكل أسلوب وطريقة طمعاً في استعادة مجد القدس كما يسمونه - !!!

 

 

هوامش الفصل الأول

المدخل إلى القضية الفلسطينية، تحرير جواد الحمد، د. إبراهيم أبو جابر ص 544.

مقدمة مدينة القدس، يحيى الفرحان 129 .

الموسوعة الفلسطينية، ص 521 .

يحيى الفرحان، مرجع سابق، ص 120 .

الدباغ، بلادنا فلسطين، ج1، ق2، ص 306 .

سمو الأمير حسن، القدس دراسة قانونية، ص 32 .

رائف نجم، القدس الشريف، ص 40 .

قدسنا محمود العابدي، ص 177، قصة مدينة القدس، يحيى الفرحان ص 134 .

الأمير حسن، مرجع سابق.

عبد المنعم صبحي، القدس مفتاح الحرب والسلام في الشرق الأوسط، ص 144 .

مصطفى مراد الدباغ، مرجع سابق، ص 304-310 .

عبد الرحمن أبو عرفة، تشكيل جديد للمدينة ص 222 .

يحيى الفرحان، مرجع سابق، ص 136 .

عبد الرحمن أبو عرفة، مرجع سابق، ص 223 .

سامي الحكيم: القدس، مكتبة الأنجلو المصرية، ص 254 .

الموسوعة الفلسطينية، مرجع سابق، ص 522 .

محمود العابدي، مرجع سابق، ص 180 .

المرجع السابق، ص 157 .

طريق الشهداء .

د. إبراهيم أبو جابر، قضية القدس ومستقبلها، المدخل إلى القضية الفلسطينية،ص568.

محمود العابدي، مرجع سابق، ص 207 .

إبراهيم أبو جابر، مصدر سابق، ص 260-259 .

عبد الرحمن أبو عرفة، مصدر سابق، ص 226 .

يحيى الفرحات، مرجع سابق، ص 146-145 .

سمير جريس، القدس، ص 133 وما بعدها .

محمود العابدي، مصدر سابق، ص 193 .