القدس عروس عروبتكم
إلياس سحاب*
صحيفة السفير
اللبنانية 6/4/2005
يحلو لي
أحياناً أن أطارد، في بطون كتب التاريخ، نصوصاً تحمل معلومات عن
أحوال عرب فلسطين الذين انتشروا في الأقاليم العربية المحيطة بفلسطين
خلال قرني الاحتلال الأوروبي الذي حمل عنوان "الحروب الصليبية"،
وكذلك أحوال العرب الذين تشبثوا وقتها بالبقاء في فلسطين، حتى تحت
نير الاحتلال الأوروبي الذي امتد قرنين من الزمن. ولعل أكثر ما ابحث
عنه في تلك النصوص، المقارنة بين أحوال عرب فلسطين في زمن الحروب
الصليبية، (من تشبث منهم بالأرض، ومن انتشر في جوارها) وأحوال عرب
فلسطين في النصف الثاني من القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي
والعشرين، في عصر الكيان الصهيوني، الذي ما زال منذ نصف قرن ونيف،
يلتهم مزيداً من المساحة التاريخية لأرض فلسطين (حتى كاد يقضي عليها
بالكامل)، ويكاد ينجح في العام الخامس من القرن الجديد، تحت سمع
الفلسطينيين والعرب والعالم أجمع، في استكمال تهويد القدس، وفصلها عن
الضفة الغربية، حتى إذا اضطرت المفاوضات السياسية "إسرائيل" لاحقاً
إلى الجلاء عن مساحات ضئيلة من الضفة الغربية، لا تكون القدس بين هذه
المساحات.
ولعل أبرز ما
يسيطر عليّ من أفكار عند الغوص في مثل هذه المقارنات، الفكرة التي
تقول إن القدس كانت محور الصراع على فلسطين في العصور الغابرة كما هي
في العصر الحديث، وإن الصراع على فلسطين كان محور التحدي التاريخي،
في العصور الغابرة كما في العصر الحديث، الذي يواجه الأمة العربية
كلها، سواء في مواجهة عوامل تخلفها وتقدمها، وحدتها وتفككها، وعوامل
المطامع الأجنبية بها، أكانت هذه المطامع قادمة من الضفة الشمالية
للبحر الأبيض المتوسط (أوروبا) أم عبر المحيطات (العالم الجديد في
الولايات المتحدة الأميركية).
إذاً، لم يكن
القصد من اختيار العبارة الشعرية لمظفر النواب عنواناً لهذا المقال،
لفتَ النظر إلى كثافتها الشعرية الفنية (على روعتها)، بل لفت النظر
إلى كثافتها السياسية، وهي الأهم في رأيي.
لقد انتقل
العرب فجأة، منذ مطلع عقد السبعينيات في القرن العشرين، إلى تبني
أكثر المعاني سطحية وفراغاً، لعبارة: "فلسطين، قضية العرب الأولى"،
فنزلوا بها إلى مستوى أدنى حتى من المفهوم الذي أسبغه على القضية
المجتمع الدولي وهو يحاول تصفيتها، وهو مفهوم الإحسان لمجموعة بشرية
من اللاجئين.
ولا أزعم أن
الأنظمة العربية نزلت بالقضية إلى مستوى أدنى من مستواها الدولي، من
باب المبالغة أو التشهير، بل من باب التذكير بأن عرب فلسطين الذين
لجأوا إلى بلاد غير عربية، يتمتعون هناك بحقوقهم الإنسانية
والمعيشية، بمستوى أرقى بكثير من أحوال أبناء بلدهم الذين لجأوا إلى
معظم البلاد العربية المحيطة بفلسطين.
لكننا نعود
إلى المحتوى السياسي للموضوع، وهو الأهم والأخطر. فحتى عقد
السبعينيات، كان تصرف بعض الأنظمة العربية يشير إلى التخلي عملياً عن
أي دور في الصراع، بل إن الأحداث كما الوثائق، تؤكد أن بعض هذه
الأنظمة تصرف بما جعله يقف عملياً في الخندق الآخر من الصراع، لا
الخندق العربي.
حتى جاء عقد
السبعينيات، بعد هزيمة 1967، ورحيل عبد الناصر، ليعلن بقية العرب غسل
أيديهم من أي دور حقيقي في الصراع، عندما أعلن باسمهم الرئيس الراحل
بومدين أننا "نقبل ما يقبله الفلسطينيون لأنفسهم".
ولكن، حتى
بعد سريان مفعول هذا الشعار نظرياً وعملياً في السياسة العربية
الرسمية، ظل هناك شعور طاغ، بأن حالة التخلي هذه، لا يمكن أن تتحول
لمسار دائم وقابل للانحدار إلى أسفل، أمام موضوع القدس بالذات.
فالقدس ليست مجرد أمتار إضافية من الضفة الغربية لنهر الأردن، إنها
خلاصة مركّزة لكل مسيرة الأديان السماوية على وجه الكرة الأرضية (هذا
بالنسبة للمجتمع الدولي)، والموقع المقدس المشترك للعرب من أتباع كل
الديانات السماوية، فهل يعقل أن يشملها التخلي العربي الرسمي بهذه
السهولة والبساطة؟ وألا يثير هذا التخلي الرسمي أي رد فعل عند الشعوب
العربية، مسلمين ومسيحيين؟
لم يقتصر
الأمر على آخر حلقات السلسلة: محاولة الاستيلاء بالتحايل والفساد
المالي على شارع عمر بن الخطاب الذي تملكه الطائفة المسيحية
الأرثوذكسية، بل إن خطط "إسرائيل" لتهويد القدس، تنفيذاً للشعار
الصهيوني المرفوع علناً "القدس الموحدة عاصمة "إسرائيل" الأبدية"،
بدأ تنفيذها منذ دخول الجيش الإسرائيلي القدس العربية عام 1967.
ومع أن القدس
مشمولة في قرار التقسيم الصادر عام 1947 بخطة لتدويلها، ومع أن القدس
العربية، هي في القرار 242 (سنة 1967) جزء من الأراضي العربية
المحتلة، التي لا بد لإسرائيل من الانسحاب الفوري منها، فإن الولايات
المتحدة الأميركية لم تكف يوماً عن تشجيع "إسرائيل" على استكمال
عملية تهويد القدس، تمهيدا لتحويلها لعاصمة أبدية لها.
صحيح أن
القدس لم تكتسب عند المجتمع الدولي صفة العاصمة الأبدية لإسرائيل،
لكن التحولات الإسرائيلية الناشطة في القدس (والتسليم العربي التام)
لا تؤدي إلا إلى ذلك.
أما الدول
العربية، المعنية في عنوان هذا المقال، فإنها سحبت كل شروطها المسبقة
للاعتراف بـ"إسرائيل" وتطبيع العلاقات الكاملة معها، من حقوق
الفلسطينيين بإقامة دولتهم على جزء ولو يسير من فلسطين، إلى شرط عدم
المساس بعروبة القدس الشرقية على الأقل (هناك وثائق تؤكد نسبة عالية
جداً من ملكية العرب لأراضي القدس الغربية أيضاً).
إن التخلي
العربي الرسمي عن القدس، بعد التخلي المتدرج عن سائر بقاع فلسطين
الساحلية والداخلية، إنما هو، بلا أي مبالغة، قرار عربي رسمي
بالاستقالة من التاريخ بما هو ماض وحاضر ومستقبل. ومن يستقل من
التاريخ، لا يحق له الاحتفاظ في الوقت نفسه بمواقع القرار في تحديد
مصير شعبه وأمته.
* كاتب لبناني
|