قدس المعركة
سحر بعاصيري
صحيفة النهار
اللبنانية 7/6/2005
هل من المبكر
التساؤل ما إذا كانت المعركة الأخيرة على القدس قد بدأت، وبدأت في
التاريخ عينه، السادس من حزيران، الذي جعلته "إسرائيل" موعداً مفضلاً
لاعتداءاتها على العرب فكانت حرب 67 وكان اجتياحها لبنان فيه؟
قد تبدو
المواجهات التي حصلت في الحرم القدسي الشريف أمس محدودة، لكنها في
سياق تطورات الصراع وسياسات أرييل شارون ليست بالتأكيد حادثاً
عابراً، بل نذير مواجهات مقبلة، انطلاقة لمخطط خطير جداً لعل أخطر ما
فيه هو ترويج آلة شارون أن المتطرفين يحاولون بذلك عرقلة خطته
للانسحاب من غزة.
منذ أشهر
تتكرر التهديدات باقتحام الحرم القدسي من المتطرفين اليهود ممن
يعارضون خطة الانسحاب ويريدون بناء ما يسمونه الهيكل الثالث في
الحرم. لكنهم نفذوا أمس وبلغوا باحة الحرم في حماية الشرطة
الإسرائيلية. ولا يكفي لفهم هذه المواجهة أنها حصلت في الذكرى
الثامنة والثلاثين لاحتلال القدس أو، كما تقول "إسرائيل"، لتوحيدها،
بل إن فهمها يستحيل إذا لم توضع في إطار المعركة الشارونية على القدس
والمعنى الحقيقي لخطة الانسحاب من غزة: الانسحاب مقابل ابتلاع القدس
بعد التوسع في الضفة وتفتيتها. فالقصة تكمن هناك. وعناصرها تتجمع في
القدس ومحيطها:
- خطط لهدم
88 منزلاً في حي البستان في سلوان على أبواب القدس العتيقة واقتلاع
ألف فلسطيني فيها بحجة أن المنازل بنيت من غير تصاريح والجرافات
تستعد لتنفيذ ما سيكون أكبر عملية تدمير جماعية لمنازل مقدسية منذ
الاحتلال لإقامة "حديقة الهيكل" و خطوة أولى في مخطط لهدم سلوان
كلها.
- مد جدار
الفصل إلى أبو ديس ليكتمل العزل.
توسيع الكتلة
الاستيطانية معالي أدوميم التي تقطع القدس الشرقية عن الضفة وإقرار
بناء مزيد من المنازل فيها.
- تخصيص 64
مليون دولار لخطة "تنمية القدس" التي أعلن شارون أنها تهدف إلى إحكام
السيطرة الإسرائيلية على المدينة وجعلها المدينة الأولى في "إسرائيل"
ونقطة جذب للمستثمرين والسياح.
كلها إضافات
خطيرة إلى سياسات التهويد تحت عناوين مختلفة وحجج أثرية وأمنية
وتنموية، والى العمل المتواصل على كسر خط التواصل السكني الفلسطيني
في المدينة والذي تتولاه منظمات يهودية تنفذ أوامر إخلاء لمنازل
فلسطينيين وتزرع محلها جزراً منفصلة من الوجود اليهودي ثم تضمن
تواصلها.
وكل هذا في
الحقيقة ليس إعداداً للإسرائيليين لتسوية فعلية تبدأ بالانسحاب من
غزة بل إنه يجعل خطة الانسحاب نفسها دعوة إلى جميع المتطرفين من
الإسرائيليين لخدمة أهداف شارون في الإسراع في الاستيلاء على القدس
قبل بلوغ أي تفاوض على التسوية النهائية. وليست إلا استكمالاً لسياسة
أرساها هو يوم قام بتلك الزيارة الاستفزازية للحرم القدسي في أيلول
2000 فأشعل انتفاضة الأقصى ومدها بكل الذخيرة التي تحتاج إلى قتل
وتدمير وصولاً إلى بناء جدار الفصل.
ليس من باب
المبالغة القول إن شارون اجتاز بإيصاله المتطرفين إلى باحة الحرم أمس
عتبة خطيرة في معركة القدس وفي المعنى الحقيقي لخطته للانسحاب من
غزة. واجتازها في غفلة من إدارة بوش التي لا ترى اليوم إلا هدفها
بضمان انسحابه من غزة وإن تطلّب ذلك تناسي كون الرئيس جورج بوش حذر
عندما استقبل الرئيس محمود عبّاس قبل أيام من إجراءات أحادية في
القدس تؤثر على المفاوضات النهائية.
لكن الأدهى
أنه اجتازها في غفلة كلية من الحكام العرب الذين لا يريدون أن يروا
إلا ما تراه إدارة بوش ظناً منهم أن هذا يحميهم من عواقب معركة آتية.
|