مصير القدس: انتهى وقت الكلام
مصطفى قاعود
صحيفة الوطن
القطرية 1/7/2005
قد لا نحرر
القدس بأقلامنا ولكن ندق ناقوس الخطر الآخذ بالتصاعد منذ عام 1967
واليوم أصبح في ذروته إذ بات قاب قوسين أو أدنى، فبعد لقاء شارون مع
وزيرة الخارجية الأميركية أدلى بتصريحات خطيرة تتعلق بضم القدس وتشير
المعلومات إلى تسلم أكثر من خمسين عائلة فلسطينية شمالي شرقي القدس
انذارات بإخلاء منازلهم وترافق ذلك مع كشف النقاب عن مخطط إقامة جدار
غوش عصيون وحسب «معاريف» أن وزارة الدفاع أنهت الاستعدادات لإقامة
الجدار حيث صدرت الأوامر «القانونية» للاستيلاء على الأراضي التي
سيمر بها مسار الجدار، بالتوازي استأجرت الإدارة في وزارة الدفاع
«مقاولاً» لتنفيذ الأشغال ومن المتوقع أن تبدأ الأعمال مع نهاية
يونيو وذلك بعد شهر من صدور أوامر الاستيلاء على الأراضي، وطول
الجدار هو نحو 60 كيلومتراً.
ويدور الحديث
عن إيجاد حلول قسرية لمشكلة الأراضي الزراعية التي تعود ملكيتها
للفلسطينيين الذين يسكنون جنوبي القدس، ورغم ذلك قررت الحكومة
الإسرائيلية أن تبقي مستوطنات غوش عصيون في الجانب الإسرائيلي من
الجدار، بينما يدخل الفلسطينيون إلى أراضيهم الزراعية من خلال نظام
أمني صارم التفتيش.
أما
المستوطنات التي ستضم إلى "إسرائيل" وفق المخطط هي «نافية دانييل،
روش تسوريم، آلون شافوت، أفرتا، مجدال عوز، كفار عصيون وبات عاني،
جفعات هتمار، الحي الجديد في أفراتا» ويرمي هذا القرار إلى تثبيت
حقائق على الأرض بالتوازي مع فك الارتباط انطلاقاً من التسليم بأن
تنفيذ فك الارتباط من شأنه أن يقلل من الضغط الدولي على "إسرائيل"
لذا ستعطى الأولوية لبناء الجدار حول معاليه أدوميم، وتشير المصادر
إلى أن بناء الجدار حول غوش عصيون سينتهي خلال مدة أقصاها تسعة أشهر.
وفي تقرير
أعده مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية يؤكد أن القدس باتت
الآن أكثر عزلة عن محيطها الفلسطيني بسبب من إجراءات العزل والإغلاق
وفي ظل تلك السياسة الإسرائيلية سجلت انتهاكات هي الأخطر لحقوق
المقدسيين الاجتماعية والاقتصادية وعلى رأس تلك الانتهاكات هدم
المنازل ومصادرة حق المقدسيين في الإقامة وإسقاط حقوقهم وتقييد
حريتهم في الوصول إلى أماكن العبادة خاصة المسجد الأقصى.
فعلى صعيد
مصادرة الأراضي بهدف الاستيطان سجل التقرير الانتهاكات التالية:
- مصادرة
2000 دونم من أراضي قرية الولجة جنوب القدس لإقامة 5000 وحدة
استيطانية جديدة، أضف إلى ذلك عملية الشروع في بناء حزام المستوطنات
حول القدس القديمة «معاليه هزيتيم» في رأس العامود، ونوف زهاف على
أراضي جبل المكبر، ومخطط باسم «كدمات تسيون» في بلدة أبو ديس كل ذلك
هدفه خلق التواصل الديمغرافي اليهودي في تلك المنطقة يبدأ من حي
الشيخ جراح مرورا بجبل الزيتون حيث بؤرة «بيت أورون» ومعاليه هزيتيم،
انتهاء بـ «نوف زهاف»، ناهيك عن شبكة الأنفاق والجسور والطرق وأشهرها
شارع النفق - آسف - جبل الزيتون حيث صودر بموجبه 52 دونماً من أراضي
حي وادي الجوز، وشارع رقم (1) صودر بموجبه 370 دونماً من أراضي
المواطنين، وشارع رقم 4 وصودر لأجله 2200 دونم من أراضي بيت حنينا
القديمة وتم الانتهاء منه، شارع الطوق الشرقي وصادر 1070 دونماً من
أراضي عدة قرى محيطة بالقدس، أما آخر المصادرات والبالغة نحو 70
عقاراً فكان الاستيلاء على جزء جديد من عقارات آل الزربا في شارع
الواد بالمدينة المقدسة، ويشير التقرير إلى أن جدار الفصل العنصري
التهم حتى الآن 26كم من إجمالي 72كم من الأراضي التي سوف يبتلعها
الجدار في النهاية.
أما على صعيد
الديمغرافيا والتي هي الدافع الرئيسي وراء تلك المشاريع الاستيطانية
يشير التقرير إلى أن عدد المقدسيين يزيد حالياً على 250 ألف نسمة،
أما المستوطنون لا يتجاوز عددهم 180 ألف نسمة ومن شأن الجدار أن يخرج
من مساحة المواجهة الديمغرافية 180 ألف مقدسي، وذلك لمعالجة التوقعات
الديمغرافية التي تشير إلى أن نسبة المقدسيين عام 2020 ستكون 60%
فيما لو ترك الوضع على ما هو عليه.
وفيما يتعلق
بسياسة هدم المنازل يشير التقرير إلى ارتفاع وتيرة هدم المنازل خلال
الأربع سنوات المنصرمة وترافق ذلك مع إجراءات تحد من البناء العربي،
حيث تم خلال السنوات الأربع هدم ما مجموعه 538 منزلاً، 82 منها في
عام 2000، 121 منزلاً في عام 2001، 147 منزلاً في عام 2002، 123
منزلاً في عام 2003، 65 منزلاً في عام 2004.
وترافقت
سياسة الهدم مع سياسة إعاقة البناء حيث اتخذت إجراءات مشددة لمنع ما
تسميه سلطات الاحتلال البناء المخالف للقانون في القدس الشرقية،
فعملت على مضاعفة العقوبات المفروضة على المقدسيين والتي تشمل
بالإضافة إلى الغرامة المالية العالية والتي تصل إلى مئات الآلاف من
الشواكل، السجن الفعلي ووقف التنفيذ، وعقوبة الهدم، وإصدار تعليمات
تلزم المقدسيين بإثبات ملكية الأراضي التي يشيدون عليها منازلهم
«طابو» والحصول على موافقة جيرانهم ومختار القرية أو الحي، بالإضافة
إلى التحذير المتواصل عبر الإعلام للمواطنين بعدم شراء شقق في بعض
المباني ويتم نشر صور تلك المباني وفي المقابل هناك تسهيلات كبيرة
تمنح للأحياء الاستيطانية اليهودية تحديداً في القدس الشرقية.
أما في مجال
انتهاك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمقدسيين يؤكد المركز أنه
تلقى في عام 2004 «2075» شكوى من مقدسيين انتهكت حقوقهم الاجتماعية
والاقتصادية وعلى رأسها حقهم في السكن والإقامة وفقدان حقهم في
المجال الصحي ويصل الانتهاك إلى حد سحب الهويات، حيث سحب في عام 2003
ما مجموعه 273 بطاقة هوية و33 بطاقة في عام 2004، هذا بالإضافة إلى
تجميد النظر في قضايا لم الشمل حيث جمد أكثر من خمسة آلاف طلب، مع
إقرار قانون الجنسية الذي يحظر منح الجنسية الإسرائيلية لأطفال أحد
أبويهم فلسطيني من الضفة الغربية مما خلق إشكالية في تسجيل آلاف
الأطفال المقدسيين في بطاقات والديهم وهذا أدى بدوره إلى حرمان هؤلاء
الأطفال من حقوق العلاج الصحي والتأمينات الاجتماعية والاقتصادية،
هذا بالإضافة إلى إغلاق العديد من المؤسسات الفلسطينية المقدسية حيث
تم إغلاق ما مجموعه 29 مؤسسة فلسطينية في القدس. من أهمها بيت الشرق
والمؤسسات المتفرعة عنه. ومن المتوقع أن تزداد معاناة عشرات آلاف
المقدسيين جراء بناء جدار الفصل العنصري خاصة المواطنين الذين
سيعزلهم الجدار، الأمر الذي سيعرضهم لفقدان حقوقهم الاجتماعية
والاقتصادية كافة.
هكذا أريد
للقدس أن تدفع ثمن انتفاضة الأقصى وهكذا أريد للأقصى أن يدفع الثمن
بحرمان المصلين من دخوله تحت حجج وذرائع لا أساس لها من الصحة، القدس
بقبلتها الأولى وتاريخها المقدس، القدس مفجرة الانتفاضة وملهمة
الشعراء وملهبة الحناجر، القدس في خطر حقيقي وتستصرخ الشرفاء، قد
نحتاج الكثير من الحبر، لنعبر عن الانتهاكات الصهيونية وعن مدى
الخطورة التي تحيط بمستقبل القدس، ولكن الحاجة إلى العمل فاقت الحاجة
إلى الحبر، دون القدس لن تكون أمة، دون القدس لن تكون كرامة، دون
القدس لن تكون قضية.
|