جدار القدس يعزل آلاف الفلسطينيين عن مدينتهم
جعفر هادي حسن
صحيفة الحياة
اللندنية 18/7/2005
ليس من الصدف
أن يأتي قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي بالعمل على إكمال الجدار الذي
يحيط بمدينة القدس وتسريع بنائه في الذكرى السنوية الأولى لقرار
محكمة العدل الدولية التي أصدرت حكماً بعدم شرعيته واعتبرته مخالفاً
للقانون الدولي كما طالبت بهدمه. فقد عود شارون العالم على تحديه
للقرارات الدولية وعدم الالتزام بها بل ورفضه لها.
ويأتي تسريع
بناء الجدار بعد إلغاء أكثر القرارات المؤقتة التي كانت المحكمة
الإسرائيلية قد أصدرتها حيث توقف الاستمرار به لفترة وأجرت الحكومة
عليه بعض التغييرات الشكلية التي لا تغير من طبيعته وتأثيره.
وجدار القدس
هذا الذي سيحيط بها سيصل طوله عند إكماله إلى 84 كيلومتراً ويكون
ارتفاعه تسعة أمتار أو أكثر وهو جزء من الجدار الذي تقيمه "إسرائيل"
بينها وبين الضفة الغربية منذ أكثر من سنتين بطول 680 كيلومتراً
والذي سيقضم 8 في المئة أو أكثر من أراضي الضفة، ويقطع أوصال بعض
القرى والبلدات الفلسطينية ويشتت سكانها عند إتمامه.
والهدف
الرئيس من جدار القدس هو إخراج أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من
حدودها وإدخال مستوطنات إسرائيلية بعضها ذات كثافة سكانية عالية مثل
معاليه أدوميم التي يبلغ عدد سكانها ثلاثين ألفاً. وعند إتمامه ستكون
مناطق مثل كفر عقاب وقلنديا ومخيم شعفاط وغيرها خارج حدود القدس
الشرقية وتقول "إسرائيل" إن عدد نفوس هذه المناطق يبلغ خمسة وخمسين
ألفاً، بينما يؤكد الفلسطينيون أن العدد سيكون أكثر من ضعف ذلك.
وسيحرم هؤلاء
الفلسطينيون من كل الخدمات التربوية والصحية وغيرها والتي كانوا
يحصلون عليها عندما كانوا ضمن حدود القدس كما أن بعضهم سيفقد عمله أو
تجارته على المدى البعيد. بل إن البعض تخوف من أن تعتبر "إسرائيل"
هؤلاء من الغائبين وتصادر أملاكهم. كما أن دخولهم للقدس سيكون
مرهوناً بما يقرره الجنود الذين يقفون على المداخل التي ستضعها
"إسرائيل" عند الجدار حيث سيخضعون للتفتيش والتدقيق في وثائقهم
والتفرس في وجوههم وسيكون مصيرهم في هذا مثل مصير إخوتهم في الضفة
الغربية الذين يقفون في طوابير لساعات يلقون من العنت والمضايقة ما
يجعل حياتهم أشبه بالجحيم.
وإذا كان عدد
الداخلين والخارجين خمسة وستين ألفاً - بضمنهم ثلاثة آلاف وخمسمئة
تلميذ - كما يقول لوبوليانسكي رئيس بلدية القدس، فمعنى هذا أن
الانتظار سيستمر لساعات، ورئيس البلدية هذا - وهو من اليهود الحريديم
- كان وصف الجدار بأنه «بركة! أو أنه باب من أبواب الحياة وإن كان
سيثير غضب الفلسطينيين وحقدهم».
وهذا الكلام
يتفق والعقلية التي تقيم الجدار فما يسبب العذاب والتعاسة
للفلسطينيين يعتبر في نظر هؤلاء باباً للحياة.
وهذا العذاب
لا يصيب الذين سيخرجون من مدينتهم فحسب، بل سيصيب الباقين فيها
أيضاً. فبالإضافة إلى ما يلاقيه سكان القدس الشرقية منذ سنين طويلة
من مضايقات في السكن حيث تتعرض بيوتهم للتهديم بحجة البناء غير
المرخص - كان آخرها قرار رئيس البلدية قبل بضعة أسابيع بتهديم تسعين
بيتاً - وعدم السماح لهم ببناء بيوت جديدة أو توسعتها، فإن المساحة
الجغرافية ستضيق بهم ذرعاً، خاصة بعد أن نزح عدد كبير منهم إلى
المركز بعد أن علموا بأن الجدار سيقام في مناطقهم ويخرجهم منها.
كما أن
محاصرة اليهود لهم ستزداد في المستقبل، خاصة وأن الأرثوذكس/ الحريديم
أخذوا يحلّون محل اليهود العلمانيين الذين بدأوا بمغادرة المدينة منذ
سنوات. وهؤلاء ينجبون أعداداً كبيرة من الأولاد قد يصل عددهم إلى
اثني عشر ولداً أو أكثر للعائلة الواحدة. ونموذجهم في هذا رئيس
البلدية نفسه الذي هو من اليهود الحريديم، كما ذكرت، حيث أنجب اثني
عشر ولداً وله منهم خمسة عشر حفيداً حتى الآن، وهو ينتظر المزيد.
وطبقاً لما
ذكره هو، فإن عدد المواليد بلغ 18 ألفاً في القدس في عام 2004، وبحسب
التقديرات فإن أكثر من ثلثي هؤلاء هم من اليهود، إذ يبلغ سكان
المدينة سبعمئة ألف شخص، ثلثاهم من اليهود.
وغني عن
القول إن الغرض من بناء جدار القدس هو تهويد المدينة وإخراج
الفلسطينيين منها على المدى البعيد بكل الوسائل والسبل، كي تواجه
إسرائيل الفلسطينيين بالأمر الواقع وتقطع الطريق عليهم في أن تكون
القدس الشرقية عاصمة لدولتهم القادمة.
وما تقوم به
"إسرائيل" اليوم ليس مخالفاً للقانون الدولي فحسب، بل إنه مخالف لروح
العصر الذي يرفض كل شكل من أشكال العنصرية وعملها هذا هو تجلٍ واضح
لهذه العنصرية. وما على الإنسان أمام عجز العالم - على الرغم من بعض
الأصوات الناقدة وقرارات المقاطعة الشجاعة - إلا أن يأمل بإزالة
الجدار في يوم ما كما أزيلت جُدر من قبله.
أكاديمي عراقي - لندن
|