مشروع صهيوني ديمغرافي جديد لتهويد المدينة
هيثم الصادق
صحيفة الوطن
القطرية 6/6/2005
تختزن
الذاكرة العربية الكثير من أيام الألم والحزن، التي تتجدد جروحها
الدامية في الوجدان العربي، وتزداد ألماً ونزفاً كلما حلَّت ذكراها،
ففي مثل هذه الأيام من عام 1967 توشحت المأساة السوداء الوطن العربي،
الذي استفاق من حلمه القومي على هزيمة قاسية، ومن الشعارات البراقة
الجميلة على واقع مرير، حين ألحقت "إسرائيل" الهزيمة بعدد من الجيوش
العربية، محققة تفوقها النوعي في المنطقة كقاعدة متقدمة للاستعمار
الغربي، لم تصمد الجيوش العربية أمام الجيش الإسرائيلي وآليته التي
حوت أحدث ما توصلت إليه الولايات المتحدة والدول الغربية الغنية من
صناعة الموت، ولولا بعض البطولات الفردية المحدودة لانقشع غبار الحرب
عن الهزيمة العربية منذ الساعات الأولى للحرب، حين دمرت الطائرات
العربية في مطاراتها دون أن تبدي حراكاً.
في هذه
الأجواء هوت مدينة السلام القدس، وتعتبر "إسرائيل" السادس من يونيو
الذي يصادف اليوم الاثنين ذكرى «توحيد القدس» تحت السيطرة
الإسرائيلية باعتبارها «العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل» وفق
المنظور العنصري الصهيوني.
ولقد ثبتت
"إسرائيل" هذا اليوم في أجندة المناسبات الرسمية التي تحتفل بها باسم
«يوم القدس»، ومنذ بواكير صباح هذا اليوم دبت في المدن الإسرائيلية
حركة غريبة، وتجمهر عدد كبير من الشباب اليهود المتدينين عند حائط
المبكى في مشهد يفضح الاستعداد الإجرامي للإقدام على جريمة اقتحام
المسجد الأقصى، وتجمهر في ساحات المسجد الأقصى عدد من المواطنين
الفلسطينيين للدفاع عن المكان المقدس، معراج النبي الكريم (صلى الله
عليه وسلم ) إلى السماوات العلا، أولى القبلتين، وثالث الحرمين
الشريفين، الأمر الذي ينذر بمواجهات عنيفة.
وتأتي هذه
المصادمات كحلقة جديدة في سلسلة الجرائم التي تنفذها الصهيونية
لتهويد القدس، في إطار مشروعها العنصري «القدس الكبرى»، الذي دخل حيز
التنفيذ منذ اليوم الأول لاحتلال "إسرائيل" للقدس الشرقية، والذي خطط
له أن يحقق خلال خمسين عاماً تهويداً كاملاً للمدينة، يشمل: تغيير
الطابع الديمغرافي «السكاني» للمدينة لتصبح ذات أغلبية يهودية مطلقة،
واجتثاث المعالم الدينية والتاريخية التي تؤكد الحق التاريخي
الفلسطيني والإسلامي بالمدينة المقدسة.
آخر هذه
المشاريع الصهيونية يعرض اليوم الاثنين على الحكومة الإسرائيلية من
قبل مكتب رئيس وزرائها شارون تحت بند «تنمية القدس العاصمة» وينص
بصورة خاصة على بناء مساكن وتوفير وظائف لتشجيع الأزواج الشبان
اليهود على الانتقال للإقامة في المدينة، وتحفيز الاستثمار اليهودي
فيها، وتأتي هذه الخطوة مع استمرار التحريض الصهيوني ضد الأقصى والذي
اتسعت دائرته في الأيام الأخيرة، ويشكل هدم المسجد الأقصى والمقدسات
غير اليهودية هدفاً للحركة الصهيونية، يقول مؤسس هذه الحركة العنصرية
تيودور هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر «إذا حصلنا يوماً على
القدس... فسوف أحرق الآثار التي مرت عليها قرون وأزيل كل شيء ليس
مقدساً لدى اليهود».
ويأتي مشروع
شارون الجديد التهويدي لمدينة القدس العربية استباقاً لمفاوضات الوضع
النهائي، التي يشكل وضع مدينة القدس أحد مرتكزيها الأساسيين إلى جانب
قضية «عودة اللاجئين» لتؤكد عدم جدية "إسرائيل" في مفاوضات التسوية،
وبضوء أخضر أميركي، حيث تجنب الرئيس الأميركي بوش أثناء لقائه محمود
عباس (أبو مازن) الخوض في أية تفاصيل حول الوضع النهائي لمدينة
القدس.
هذه المؤشرات
تؤكد أن "إسرائيل" ماضية في حلمها الصهيوني بتحقيق «مشروع القدس
الكبرى» الذي يشمل ما مساحته 30% من إجمالي مساحة الضفة الغربية،
والذي دخل حيز التنفيذ الفعلي منذ الأسبوع الأول لاحتلال "إسرائيل"
لمدينة القدس الشرقية، حين أعلنت "إسرائيل" ضم القدس كلها لإدارة
بلدية القدس الإسرائيلية، منتهكة بذلك الشرعية الدولية وقرارات مجلس
الأمن الدولي التي طالبتها بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام
1967، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن الدولي «242».
وتغلف
"إسرائيل" سياستها بضم القدس بأبعاد أيديولوجية عنصرية وفي مقدمتها
تزييف الحقائق التاريخية حول المسجد الأقصى بالادعاء أنه أقيم على
أنقاض «هيكل سليمان»، وتروج بكافة الأساليب لإقناع العالم بهذا
الادعاء، والتي كان منها توزيع صورة مجسمة للهيكل مكان المسجد
الأقصى، من خلال خطوطها الجوية «العال» للتحريض ضد المسجد الأقصى،
والانتهاك الدائم لحرمته، وتختزن الذاكرة الزيارة المشؤومة لشارون
إلى المسجد الأقصى، والتي كانت سبباً في تفجر الانتفاضة الفلسطينية
الباسلة التي استمرت لأربع سنوات متواصلة.
لقد كان
لمسلسل المؤامرات الصهيونية المتواصلة على مسرى الرسول الكريم
ومعراجه إلى السماوات العلا (صلى الله عليه وسلم) أثره في إضفاء طابع
ديني للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، انعكس من خلال «صحوة إسلامية»
والتفاف حول الحركة الإسلامية سواء داخل الأراضي المحتلة عام 1948،
أو الفصائل الإسلامية في أراضي عام 1967 «حماس، الجهاد الإسلامي».
إن الادعاء
الصهيوني بالحق التاريخي لليهود في مدينة القدس، وأكذوبة الهيكل لا
ترتكز إلى أسانيد تاريخية، بل إن عالمي آثار صهيونيين مرموقين شككا
في صحة نصوص تتضمنها «التوراة» - المحرفة طبعاً - بشأن مكانة القدس
لدى اليهود، واستبعدا احتمال بناء الهيكل في عهد سليمان (معاريف
7/6/1998)، مؤكدين أن الحفريات عند أساسيات المسجد الأقصى، والأنفاق
التي باتت تهدد مبناه والتي بدأت منذ وقوعه في الأسر الصهيوني لم
تكشف عن أثر يهودي واحد تحت الأقصى الشريف، بل إن جميع المراجع
التاريخية وحتى اليهودية منها تؤكد أن فكرة حائط المبكى لم تظهر عند
اليهود قبل القرن «16» عندما طردتهم الدولة الإسبانية وسمحت لهم
الدولة العثمانية بالإقامة بالأراضي التابعة لها، وصدر فرمان عثماني
بأن ينقل اليهود صلاتهم من جبل الزيتون إلى الحائط الغربي للمسجد
الأقصى الذي أصبح جزءاً من التقاليد اليهودية آنذاك ليتحول إلى حائط
لبكاء اليهود عنده، وهذا يدحض الحق التاريخي الذي يدعيه اليهود في
المسجد الأقصى، إلا أن الجمهرة اليهودية التي تتجمع في هذه اللحظات
للرقص الماجن في أحد أكثر أماكن المسلمين قدسية، ما هي إلا انعكاس
للأيديولوجية الصهيونية التي تسعى لتزييف حقائق التاريخ لتثبيت
دولتهم على أنقاض الفلسطينيين، وتفويت أي فرصة للسلام الحقيقي في
المنطقة.
لقد مارست
"إسرائيل" مخططات عديدة لتغيير الطابع الديمغرافي للمدينة، فبدءاً
بسياسة الترحيل الجماعي للسكان الفلسطينيين «الترانسفير»، التي بدأت
بتطبيقها منذ احتلالها للجزء الشرقي لمدينة القدس، والتي كانت أولى
حلقاتها التدمير الكامل لحارة المغاربة التاريخية لترحيل أهله في 11
يونيو 1967، ولن يكون آخرها هدم «88» مسكناً للفلسطينيين في بلدة
سلوان بالقدس وترحيل «200» عائلة من أهلها الأسبوع الماضي، بعد أن
كانت قد طردت «25» ألفاً من الفلسطينيين في الجزء الغربي من المدينة
عام 1948، ووضع قيود صارمة على إقامة المباني الفلسطينية في القدس،
والحصار العسكري المستمر على المدينة، والتضييق الاقتصادي على سكانها
لإجبارهم على الرحيل.
إن إقرار
الحكومة الإسرائيلية لمشروع شارون المسمى «تنمية القدس العاصمة» الذي
تناقشه حكومته في ساعات هذا اليوم، والصدامات بين المتطرفين الصهاينة
والفلسطينيين يطيح بالأحلام العربية بالسلام العادل والشامل،، فهل
تبقى ما يمكن أن يقنع الشعوب العربية بإمكانية السلام والتطبيع مع
"إسرائيل"؟ والى متى ستبقى الفصائل الفلسطينية بل والشعب الفلسطيني
قادرين على الحفاظ على التهدئة الهشة؟
والسؤال الذي
يطرح نفسه بشدة ما هي الآمال التي تراود رئيس السلطة الوطنية
الفلسطينية، وهو يشاهد في هذه اللحظة مناقشات خطة «تنمية القدس
العاصمة» بين أقطاب حكومة شارون والتي تؤكد إصرار "إسرائيل" على
تهويد القدس الشرقية، هل ما زال مقتنعاً بامكانية تنازل "إسرائيل" عن
الحقوق التاريخية للفلسطينيين والمسلمين في القدس الشرقية في حال
الوصول لمفاوضات الحل النهائي، الذي رفض بوش طلباً فلسطينياً
بالانتقال إلى بحث تفاصيله، كان قد تقدم به الوفد الفلسطيني أثناء
لقاء بوش - أبو مازن، هل ما زال هناك رهان على إمكانية الوصول سلمياً
إلى تلك المفاوضات؟
|