تهويد القدس بين الكنيست والكونجرس الأمريكي(2)
بقلم: د. أحمد
يوسف القرعي
صحيفة الأهرام
19/5/2005
يتبارى كل من
مجلس: الكنيست الإسرائيلي والكونجرس الأمريكي في إصدار المزيد من
القوانين التي تحاول إسباغ شرعية إسرائيلية زائفة علي المدينة
المقدسة وكانت حكومة "إسرائيل" قد لجأت إلى الكنيست لاستصدار قرار
لضم القدس منذ الأسابيع الأولى لاحتلال المدينة المقدسة في
يونيو1967 وتبع هذا استصدار قرارات وقوانين عديدة من قبل الكنيست
وكان أبرزها وأطولها القانون الأساسي الصادر في يوليو 1980 وغيره
من القرارات والقوانين كما أوضح مقال الخميس الماضي.
وبدأ
الكونجرس الأمريكي يجاري الكنيست منذ عام 1990 عندما تبنى الكونجرس
قرار مجلس الشيوخ رقم 106 الذي يعلن أن الكونجرس يؤمن بشدة بأن
القدس ينبغي أن تبقى مقسمة وأن تحترم بها حقوق كل الجماعات العرقية
والدينية وتبع الكونجرس هذا بإصدار قرارات عديدة وكان أخطرها قانون
الكونجرس بشأن القدس الصادر في 24 أكتوبر 1995.
ويأتي مشروع
القرار الجديد الذي تقدم به السيناتور براونباك في19 أبريل الماضي
لاستكمال وتأمين وتأكيد كل القرارات السابقة وأخطرها كما أشرنا قانون
24 أكتوبر 1995 وأعاد مشروع القرار الجديد المغالطات التي وردت
أكثرها في القرارات السابقة وكأنها مرجعيات لهذا القرار ومن أبرز تلك
المغالطات أن القدس كانت عاصمة الشعب اليهودي لأكثر من 3 آلاف عام
وأنها كانت مركزية لليهودية وقد ذكرت في التوراة 766 مرة والزعم
بأنها لم تذكر بالاسم في القرآن وأن القدس هي مقر الحكومة
الإسرائيلية بما فيها الرئيس والبرلمان والمحكمة العليا.
ورداً على
تلك المغالطات التاريخية التي يتبناها المجلس التشريعي لأقوى دولة في
العالم نسجل الحقائق التاريخية التالية:
أولاً: إن
العرب هم أساساً بناة القدس منذ نحو خمسمائة عام وعاشوا في القدس
وعاصروا أحداثها بلا انقطاع عبر التاريخ القديم والوسيط والحديث ما
لم تعاصره أمة أو طائفة أخرى من المحتلين والغاصبين والغزاة وعندما
غزا العبرانيون القدس في نحو سنة 2000 ق.م وأسسوا مملكة داود و
سليمان عليهما السلام لم يحكموا القدس حكماً موحداً سوى 70 عاماً
فقط فقد تجزأت المملكة ثم انهارت وتوزع اليهود في الدول المجاورة على
شكل جاليات في حين ظل سواد الشعب والحكام في القدس وفلسطين عربياً
كنعانياً.
ثانياً: أن
الكونجرس بمثل هذه الادعاءات والافتراءات جعل من القدس المركز الروحي
لليهودية دون سواها من الأديان السماوية وجعل من "إسرائيل" دون سواها
حامية حمى الأماكن المقدسة، وحامي حريات دخول معتنقي الأديان
المختلفة.
ولا شك أن
وقائع الاحتلال الإسرائيلي للقدس منذ عام1967 كافية للرد على
مغالطات الكونجرس التي أوردها وكأنها نتائج مسلم بها، ونسجل هنا
أكثر الوقائع خطورة لكي يدرك أعضاء الكونجرس كم هم منحازون إلى
ادعاءات ومزاعم وأساطير "إسرائيل"، وتبدأ أكثر الوقائع خطورة
بمحاولة إحراق "إسرائيل" للمسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969. ولم
تكن هذه المحاولة إلا بداية مخطط عاجل وآخر آجل لهدم المسجد الأقصى،
وظهر هذا جلياً منذ اقتحام آرييل شارون نفسه الحرم القدسي الشريف في
28 سبتمبر 2000، وتحرشات اقتحام الحرم في الأسابيع الأخيرة.
والكونجرس
الأمريكي عندما يتناسى كل هذا وغيره الكثير من الوقائع، ويكرر
ادعاءات ومزاعم "إسرائيل" في قوانينه وقراراته يزج بنفسه دون أن يدري
في معركة عقائدية على جبهة إسلامية مسيحية واسعة يشهد لها التاريخ أن
أعلى مراتب التسامح الديني قد ازدهرت في القدس طوال 14 قرناً من
الزمان، تحت ظلال السيادة العربية الإسلامية.
ثالثاً: إن
الكونجرس قد أكد جهله بالتاريخ عندما زعم أن مدينة القدس كانت
وماتزال عاصمة دولة "إسرائيل"!! والتساؤل المطروح لتفنيد هذا
الادعاء التاريخي، أية مدينة اتخذتها "إسرائيل" عاصمة لها منذ إعلان
قيامها في 14 مايو 1948، وما هي الملابسات التي أدت إلى اختيار
القدس كعاصمة منذ (1950) تحديداً!؟ وأية قدس يقصد قانون
الكونجرس؟
هل يعلم
أعضاء الكونجرس أن زعماء "إسرائيل" قد اختلفوا فيما بين (1948
-1950) حول اختيار العاصمة بين ثلاث مدن ليس من بينها القدس، لقد
اقترح بن جوريون مستوطنة كورنوب في النقب، بينما فضلت جولدا مائير
مدينة حيفا، وأخيرا استقر رأي اللجنة الإسرائيلية المعنية باختيار
العاصمة في 13 مايو 1949 على اتخاذ إحدى ضواحي تل أبيب عاصمة
لإسرائيل.
جاء اختيار
تل أبيب كعاصمة رغم قيام "إسرائيل" باحتلال القدس الغربية في غفلة من
الزمن، عندما استغلت "إسرائيل" فترة الهدنة الأولى وتقدمت في 29
مايو 1948 نحو جدار القدس واحتلت بعض المواقع المهمة كاللد
والرملة، وشقت طريقاً بين تل أبيب والقدس واستمرت "إسرائيل"
باستعداداتها العسكرية حتى الهدنة الثانية، حيث تحول الموقف العسكري
لصالحها، مما دفع بالوسيط الدولي برنادوت إلى تقديم تقرير إلى مجلس
الأمن، جاء فيه أن القدس تقع في وسط الإقليم العربي، وأن أي محاولة
لعزلها سياسياً أو غير ذلك عن الإقليم العربي المحيط بها تنطوي على
صعاب جمة، ودفع برنادوت حياته ثمناً لهذا التقرير عندما اغتالته
"إسرائيل".
أما ملابسات
إعلان القدس الغربية عاصمة لإسرائيل بعد ذلك، فقد جاءت في إطار
سياسة فرض الأمر الواقع التي أجادت "إسرائيل" استخدامها خطوة خطوة،
وكانت بدايتها عندما شكلت "إسرائيل" محكمتها العليا في القدس (15
سبتمبر 1948).
حتى أعلن بن
جوريون فجأة نقل العاصمة إلي القدس في 1 ديسمبر 1949، وذلك بعد
يومين فقط من صدور قرار الأمم المتحدة بشأن تأكيد وضع وكيان القدس
المستقل.
ولم يدرك
قرار الكونجرس الأعرج عدم مشروعية إقامة مثل هذه المؤسسات في ظل
الاحتلال العسكري الإسرائيلي للقدس الغربية، حتى أن "إسرائيل" نفسها
لا تستطيع في أية مناظرة قانونية أو جلسة تحكيم دولي - إنكار شرعية
الواقع الخاص للقدس - لأنها - أي "إسرائيل" - قبلت القرار رقم 181
الخاص بتقسيم فلسطين بشكل واضح، كما استندت إليه للإعلان عن قيامها
كدولة يهودية عام 1948، وقد اعترفت "إسرائيل" - كذلك - وبصورة محددة
- بالأثر القانوني لذلك القرار على المدينة المقدسة من خلال
التأكيدات التي قدمتها للجمعية العامة عام 1949 لدعم طلبها لنيل
عضوية الأمم المتحدة، وقد أعلن مندوب "إسرائيل" لدى المنظمة الدولية
آنذاك (وهو أبا ايبان) أمام الجمعية العامة (أن الوضع القانوني
للقدس يختلف عن وضع بقية البلاد التي لإسرائيل حق السيادة عليها).
وأخيراً..
فهناك الكثير من الوقائع الأخرى لتفنيد المزاعم والادعاءات
والمغالطات التي ترد في قرار يصدر عن مجلس تشريعي لدولة كبرى دون أن
يكلف المجلس نفسه بتحري الحقائق التي تكتسب مرجعيتها من وقائع
التاريخ ومختلف المواثيق والقرارات الدولية.
|