عروبة القدس.. مناظرة تاريخية مع شارون
بقلم: د.
أحمد يوسف القرعي
صحيفة الأهرام
24/2/2005
في تصريحات
استفزازية جديدة أعاد أرييل شارون رئيس وزراء "إسرائيل" ترديد
مغالطاته ومزاعمه حول القدس مدعياً (في حديث أجراه معه الزميل محمد
مصطفى السبت الماضي) أن القدس هي عاصمة الشعب اليهودي منذ ثلاثة
آلاف وسبع سنوات منذ أن أعلن عنها الملك داود الذي كان ملكاً للخليل
سبع سنوات وستة أشهر. وأضاف شارون أن القدس هي العاصمة الموحدة
لدولة "إسرائيل" مشيراً إلى أن الشعب العبري - على حد تعبيره - موجود
في هذه الأرض منذ أكثر من 4 آلاف عام في هذا المكان بدون توقف وأنه
في هذا المكان نشأ الشعب اليهودي كشعب ولم يتوقف عن العيش هنا ثانية
واحدة وكانت الطائفة اليهودية - على حد زعمه - هي أكبر من الطائفتين
المسيحية والإسلامية معاً. وكان هذا داخل الأسوار، واستمر هذا
الوضع حتى الآن.
وفي محاولة
يائسة لتأكيد مزاعمه أشار إلى شهادتين غير موثقتين: أولاهما مقولة
أبيه وأمه له وكان وقتها صبياً في القرية التي ولد فيها حيث قالا
له: إن هناك فارقاً بين الحقوق على الأرض والحقوق في الأرض. كل
الحقوق على أرض "إسرائيل" هي حقوق يهودية ولكن الحقوق في الأرض هي
حقوق كل من يعيش عليها.
أما ثانية
الشهادتين فهي مقولة البابا له عندما كان وزيراً للخارجية وفي زيارة
للفاتيكان عام 2000 لدعوة البابا لزيارة "إسرائيل" إذ قال له
البابا - على حد تعبير شارون - إن عليك أن تتذكر أن أرض "إسرائيل"
مقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين، ولكنها موعودة فقط لليهود وهذا
هو الفارق بين الأرض المقدسة والأرض الموعودة منذ تحرير القدس لأن
القدس احتلت عام 1948 من قوات الفيلق والفلسطينيين ولكن منذ أن تم
تحريرها (والحقيقة احتلالها) هناك حرية كاملة لكل الأديان في
القدس وهذا الوضع لم يكن موجوداً خلال سنوات 48،67.
* * *
نحن إذن -
كعرب وأصحاب قضية حق عادلة - أمام افتراءات وادعاءات لا سند لها في
التاريخ أو الجغرافيا أو القانون أو القضاء - أو السياسة أو
الإستراتيجية. لقد نصب شارون نفسه كأستاذ للتاريخ ناسياً أو
متناسياً أن تاريخ عروبة القدس مسجل ومحفور ومكتوب بمختلف اللغات قبل
خمسة آلاف عام وليس منذ ثلاثة آلاف وسبع سنوات كما زعم وأدعى ليبرهن
على حق في الأرض غير موثق وغير دائم.
ويكفي أن
نؤكد هنا حقائق التاريخ التي تجاهلها شارون على أن نعود للرد على
مغالطاته الأخرى في مقالات أخرى.
* * *
لقد عاصر
العرب من أحداث القدس وتاريخها القديم والوسيط والحديث ما لم تعاصره
أمة أو طائفة أخرى من المحتلين والغاضبين.
واليبوسيون
(بطن من بطون العرب الأوائل الذين نشأوا في الجزيرة العربية) هم
مؤسسو المدينة نحو عام 3000 ق.م. وأول من سكنوا أرضها
واستوطنوها وأقاموا أبنيتها وشيدوا معالمها وجعلوها حاضرة ملك لهم.
وأكثر من هذا فالمدينة منذ نشأتها وحتى اليوم عربية اللسان حيث سادت
في البداية اللغة الكنعانية ثم اللغة الآرامية وكلتاهما مشتقة من
اللغة العربية الأولي وظلتا سائدتين حتى حلت اللغة العربية الحديثة
بدخول العرب المسلمين إلى البلاد.
ولعل أسماء
القدس على مر العصور تؤكد عروبتها ومن هذه الأسماء يبوس نسبة
لليبوسيين، كما أسماها الكنعانيون أورسالم أو مدينة السلام،
والتسمية العبرية التي عرفت فيما بعد وهي أورشليم مشتقة عنها،
وأسماها اليونانيون بروساليم وكانت في أوائل الفتح الروماني تدعي
هيروسليما ثم صارت هيروساليما، ومن هنا أخذت الاسم الأوروبي
جيروساليم، ومن عام 139 ميلادية وطيلة العهد المسيحي سميت المدينة
( أيلياء) ومعناها بيت الله، أما القدس فكان معروفاً منذ أوائل
الحكم الإسلامي أي منذ القرن الرابع وحتى اليوم.
معنى هذا أن
الاحتلال الأجنبي مهما طال لم يستطع أن يزيل عروبة القدس ولم يتزعزع
يوماً الطابع العربي فيها خلال القرون الخمسة عشر الماضية رغم ما
توالى عليها من صنوف الحكم وأشكاله ورغم ما تعرضت له المدينة المقدسة
من اضطرابات على مر العصور.
أما بالنسبة
لادعاء شارون أن تكوين مملكة داود وسليمان (عليهما السلام) في نحو
سنة 1000 ق.م. يرتب حقاً لإسرائيل المعاصرة فإنه يعد ادعاء
وزعماً لا محل له في كتب التاريخ أو القانون فالمملكة لم تستمر سواء
مدة سبعين سنة ثم تجزأت ثم انهارت وتوزع اليهود في الدول المجاورة
على شكل جاليات في حين ظل سواد الشعب والحكام في القدس وفلسطين
عربياً كنعانياً.
ومن المعروف
أن هناك شعوباً عديدة أقامت بالقدس قبل مملكة داود وبعدها نتيجة
الغزوات المتتالية ومنها الغزو المقدوني (حوالي سنة 330 ق.م)
والروماني (63 ق.م) حتى جاء الفتح العربي 638 للميلاد ثم
الاحتلال الصليبي (1099 ـ1187) والانتداب البريطاني (1917
ـ1947). ولم تتسم إقامة مختلف الغزاة والمحتلين للمدينة بانتمائهم
إليها حيث لا يحصر الانتماء بالسنين بل بالنشأة والارتباط التاريخي
لها والإقامة المستمرة فيها والسيادة عليها وهي مقومات لم تجتمع إلا
في العرب والمسلمين الذين استمرت سيادتهم عليها بحوالي 33% من
تاريخها بينما لم تبلغ السيادة اليهودية سوي نحو 13% ونسبة السيادة
الصليبية حوالي 12% أما النسبة الباقية وهي حوالي 42% فكانت
فترات متفرقة للغزاة الوثنيين، والوثنية فترة زائلة في تاريخ القدس
والمنطقة العربية والإسلامية.
والغزوة
الصهيونية الأخيرة (1967 - 2005) تعتبر الغزوة الحادية والأربعين
للمدينة. وهي في الوقت نفسه أقصر الغزوات لفترات الاحتلال عمراً
بين ما تعرضت له المدينة من احتلال وغزو. ومع ذلك ظل الأساس
السكاني الغالب ( طوال تاريخ القدس الطويل) وبعد تحرير المدينة
طوال عصور التاريخ كانت القدس تعود إلى أصولها ووضعها الطبيعي بعد
زوال الاحتلال الأجنبي.
وهذا هو
الدرس التاريخي الذي يجب أن يتعلمه ويدركه رئيس الوزراء الإسرائيلي
آرييل شارون لأن ادعاءات ومزاعم من سبقوه ومن ثم ادعاءاته صريخ لا
صدى له في كتب التاريخ.
|