الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

 

عودة


 

مخططات تهويد القدس ..وضع خريطة الطريق في مهب الريح

محمد صوان‏

صحيفة البعث 13/9/2003

يأتي قرار حكومة شارون بفتح الحرم القدسي أمام المتطرفين اليهود في سياق نوايا مبيتة ضد الحرم القدسي كرمز للهوية العربية للقدس، وبشكل يتناغم مع بناء الجدار العنصري لتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية للقضاء على الآمال بقيام دولة فلسطينية‏.

تشعل حكومة شارون فتيل انفجار شامل إن هي واصلت المس بالمقدسات وانتهاك المحرمات، وليس قرارها السماح لليهود المتطرفين باقتحام المسجد الأقصى تحت الحراسة الأمنية المشددة، وبالضد من إرادة الفلسطينيين ومئات ملايين المسلمين والمسيحيين في العالم، سوى تعبير عن سياسة شفير الهاوية التي تتبعها هذه الحكومة.‏

ومثلما كان اقتحام شارون ذاته الحرم القدسي في 28/9/2001 الشرارة التي أشعلت سهلاً، وأدخلت المنطقة برمتها في دوامة دامية من العدوان المتواصل، والرد الواعي عليه بالانتفاضة التي ستدخل عامها الرابع بعد أسابيع قليلة، فإن ما يجري اليوم من ممارسات صهيونية عنصرية وحشية يصب زيتاً حاراً على النار المشتعلة والجمر المتقد تحت الرماد.‏

ولا يمكن في واقع الأمر النظر إلى عودة قطعان الاحتلال لممارسة سياسة الحصار والإغلاق والاعتقالات والاغتيالات بوصفها إجراءات عقابية أو رد فعل على العملية الاستشهادية التي شهدتها القدس قبل فترة قريبة، ذلك أن النوايا حيال المسجد الأقصى باعتباره رمزاً للهوية العربية الإسلامية للقدس مبيتة من قبل، والجهود الرامية لتهويده ليست خافية على أحد، ومحاولات الاعتداء عليه وانتهاك مكانته المقدسة عند أكثر من مليار مسلم تكررت منذ الحريق المشؤوم بعد احتلال القدس في عدوان 1967 وحتى يومنا هذا، مروراً بالأفكار والمشاريع التي عرضها أيهود باراك في قمة كامب ديفيد -2- صيف عام 2000.‏

ولعل ما يزيد من خطورة مثل هذه الخطوات الاستفزازية من الجانب الإسرائيلي، توقيتها في هذه اللحظة التي تشهد تنامي حدة التوتر في المنطقة، وتصاعد وتيرة المواجهة الفلسطينية- الإسرائيلية وانتهاء الهدنة وترنح خريطة الطريق على وقع الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لهما.‏

ومما لاشك فيه أن قرار حكومة التطرف اليميني في "إسرائيل" فتح الحرم القدسي أمام المتطرفين اليهود إنما يعكس ميلاً واضحاً ليس لتدمير خريطة الطريق فحسب، بل لوضع سد من الجدران العنصرية العازلة أمام عملية السلام ومحاولات إحيائها، مثلما يعكس إصراراً على سياسة فرض الأمر الواقع، ومحاولة لاستباق الحل النهائي بتكريس (العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل) بالضد من الشرعية الدولية وإرادة المجتمع الدولي، وبالضد من التطلعات المشروعة والعادلة للشعب الفلسطيني وحقوقه غير القابلة للتصرف، وفي المقدمة منها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني وعاصمتها القدس.‏

نعرف أن مقاومة الاحتلال حق مشروع وبكل الوسائل المتاحة، ونعرف أيضاً أن ثمة ترابطاً أصبح معلناً وصريحاً بين أحداث ومجريات الساحتين الفلسطينية والعراقية، فالمأزق الأمريكي في العراق أنعش حالة النهوض مجدداً من تحت ركام الضغوط التي تعرضت لها مؤخراً حركة التحرر العربية، وفي المقدمة المقاومة الفلسطينية.‏

في ضوء ذلك تحاول حكومة شارون من وراء التصعيد الجديد العودة إلى المربع الأول، وبدل الحديث عن الجلاء عن المدن الفلسطينية، تذهب التكهنات الآن نحو احتلالات جديدة وقواعد جديدة للعبة وإجراءات عقابية قد تتجاوز مألوف ما بعد احتضار الهدنة وخريطة الطريق اللتين لم تعودا سالكتين ولا في أي اتجاه من اتجاهاتهما، ذلك أن ما بين عبارة (نقل السلطات الأمنية إلى الفلسطينيين لمطاردة الإرهاب)، وعبارة (الانسحاب من المدن المحتلة) مساحة ومسافة لا تخفى على مراقبي الشأن الفلسطيني، لاسيما أولئك الذين لم ينسوا سيناريو (أوسلو) وحكاية (التبادلية) التي اخترعها نتنياهو وحكمت تمدد الاتفاق على الأرض طيلة سبع سنوات عجاف، وصولاً إلى قمة كامب ديفيد -2- صيف عام 2000.‏

شارون بدوره يرى أن منطق الضغوط الأمريكية والتصعيد الإسرائيلي سيدفع الحكومة الفلسطينية إلى العمل على إثبات قوتها وقدرتها على (تفكيك البنية التحتية للإرهاب!!)، وهو، أي شارون، ليس معنياً بوضع تلك الحكومة داخلياً، بل هو حريص على دفعها نحو الصدام مع شعبها وقواه المقاومة، لأن ذلك سيدفعها نحو الحضن الإسرائيلي وصولاً إلى قبول مشروع (الدولة المؤقتة) التي يعول شارون على تحويلها إلى (دولة دائمة) بعد استقطاع القدس كاملة، وشطب حق العودة، كما هو مشروعه الذي حمله كبرنامج انتخابي في الجولتين الأولى والثانية للانتخابات الإسرائيلية الأخيرة .‏

على أن ذلك كله يتطلب بقاء الأفق الإقليمي والدولي على حاله، بل على ما كان يؤمل أن يكون عليه بعد احتلال العراق وتساقط حجارة الدومينو العربية، وهو ما لم يحدث، بل على العكس فإن واشنطن هي التي في ورطة عراقية لن تتجاوزها نحو إخضاع الوضع العربي كمحطة ضرورية لإخضاع الفلسطينيين وفرض شروط شارون عليهم.‏

وإزاء مخاطر التصعيد والمواجهة على الجبهة الفلسطينية- الإسرائيلية، ومع الانهيار المروع للهدنة وخريطة الطريق، فإن الحكمة والمنطق يستدعيان رص الصفوف الفلسطينية واستئناف آليات الحوار والتفاعل بين الجميع وتوحيد المرجعية والقرار الوطني للحيلولة دون انزلاق الساحة الفلسطينية إلى حالة من الفوضى والاقتتال، ترغب وتسعى إليها حكومة شارون وتدفع باتجاهها، وفي ظل تنامي الضغوط الأمريكية على الجانب الفلسطيني للسير على هذا الطريق تحت شعار (محاربة الإرهاب وتفكيك قواعده وتجفيف منابعه).‏

ومع تفاقم الأخطار المحيطة بالمشهد الفلسطيني من مختلف جوانبه، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت لموقف عربي داعم ومساند بنشاط من أجل احتواء حالة التدهور ووقفها، من أجل إسناد الشعب الفلسطيني في محنته ومعاناته، ومن أجل الدفع باتجاه حشد التأييد الإقليمي والدولي في مواجهة غطرسة القوة الإسرائيلية.