|
بعد محادثات واشنطن
وجولة أولبرايت
أين
تقف إدارة كلينتون من أزمة التسوية؟
الإدارة
الأمريكية تطالب عرفات بالاستجابة
لجميع شروط نتنياهو
10
فبراير 1998 م
رغم
ما بدا أنه جريمة زائدة من النشاط
والاهتمام الأمريكي بإنهاء حالة
الجمود المزمنة على صعيد مسيرة
التسوية، ومفاوضات السلام على
المسار الفلسطيني – الإسرائيلي،
إلا أن فحوى ما تسرب حتى الآن من بنود
وتفاصيل المقترحات الأمريكية،
لاستئناف المحادثات بين
الفلسطينيين والإسرائيليين، حملت
الكثير من خيبة الأمل للرئيس
الفلسطيني ياسر عرفات، الذي طار إلى
واشنطن أواخر الشهر الماضي، هو
ونتنياهو والتقيا منفصلين مع الرئيس
الأمريكي بيل كلينتون، الغارق هو
الآخر حتى أذنيه بين دوامة الفضائح
التي تهدد وجوده في البيت الأبيض،
وبين تطورات الأزمة مع العراق.
أما
خيبة الأمل التي تحملها وجوده في
البيت الأبيض، وبين تطورات الأزمة
مع العراق، إجراء مقارنة بسيطة بين
ما يعرضه بنيامين نتنياهو على
الفلسطينيين في إطار مبادرته
الغامضة منذ شهرين، وبين ما تضمنته
مقترحات واشنطن، ففي أحسن الأحوال،
تمحورت مقترحات نتنياهو حول سقف
أعلى لإعادة الانتشار في الضفة
الغربية لا يتجاوز 9%، في حين تحايلت
المقترحات الأمريكية على هذا السقف
في محاولة لرفعه وهمياً إلى 21%
والحقيقة أن نصف هذا الرقم في
المقترحات الأمريكية يتحدث عن
انسحاب من مناطق (ج) إلى (ب)، أي حسب
قاموس اتفاق أوسلو، انسحاب جزئي،
تكون فيه السيطرة الفعلية والأمنية
بيد الإسرائيليين في حين تنقل
الصلاحيات المدنية فقط إلى السلطة
الفلسطينية، وتبقى حدود الانسحاب
الإسرائيلي الكلي محصورة بحدود (8-9%)
فقط من الضفة الغربية تتحول من مناطق
(ب أو ج) إلى مناطق (أ) .
وعلى الرغم من أن المقترحات
الأمريكية، صيغت بطريقة حاولت من
حيث الشكل استرضاء الفلسطينيين، حيث
جرى توزيع عمليات الانسحاب إلى ثلاث
مراحل، على مدار 12 أسبوعاً بدءاً من
مصادقة الطرفين عليها. وذلك في
محاولة لتجاوز الاقتراح الإسرائيلي
بدمج مراحل إعادة الانتشار الثلاث
كما جاءت في بروتوكول الخليل الذي
صادقت عليه حكومة نتنياهو مطلع
العام الماضي، إلا أن فترة الـ12
أسبوع تظل مدة قصيرة نسبياً. هذا
بالإضافة إلى التعديلات التي تقدمها
واشنطن على نسب ومساحات إعادة
الانتشار، تقترب إلى حدود التطابق
من المواقف الإسرائيلية وتتعارض مع
نظيرتها الفلسطينية .
لكن
المهم في اقتراحات واشنطن، هو
محاولتها توزيع شروط نتنياهو التي
ينادي بضرورة قيام السلطة بتنفيذها
جميعأً قبل البدء بأي انسحاب فعلي،
على المراحل الثلاث على امتداد 12
أسبوعاً. دون إبداء تعديلات أمريكية
على مضمون هذه الشروط التي تتركز
أساساً على ضرورة انصياع السلطة
الفلسطينية الكامل لمطالب إسرائيل
الأمنية في مجالات التنسيق الأمني
لمكافحة "الإرهاب" وهو مصطلح
يرادف لدى الإسرائيليين حركتي "حماس
والجهاد الإسلامي" ورموزهما
وأنصارهما والنشاط العسكري ضد
الاحتلال الإسرائيلي، كما تضيف
الشروط الأمريكية على سلطة الحكم
الذاتي مسؤولية العمل على ما تسميه
"وقف التحريض ضد إسرائيل" وهي
تشمل خطب الجمعة ومناهج الدراسة
والكتابة في الصحف وكل ما يتصل
بتاريخ الصراع ونظرة الفلسطينيين
له، وإلغاء بنود الميثاق الوطني
الفلسطيني للمرة الثانية!! كما تقترح
واشنطن "تشكيل لجنة أمنية ثلاثية
لمكافحة الإرهاب تهدف إلى التركيز
على التهديدات التي يشكلها الإرهاب"،
إلى جانب تفعيل عمل لجان التنسيق
الأمني العاملة أساساً. كما تطالب
مقترحات واشنطن بتنفيذ الشروط
الإسرائيلية فيما يتعلق بتسليم
نشطاء فلسطينيين تلاحقهم سلطات
الاحتلال، وإلغاء الميثاق الوطني
الفلسطيني، وإصدار مراسيم رئاسية من
قبل السلطة الفلسطينية تهدف إلى نزع
أسلحة الفدائيين الفلسطينيين،
ومكافحة عمليات تهريب الأسلحة إلى
جانب المصادقة على قانون مصادرة
الأسلحة، وتفعيل لجنة ثنائية
أمريكية – فلسطينية تم تشكيلها بناء
على الاتفاق الأمني الأخير بهدف
مكافحة التنظيمات الفلسطينية التي
تقاتل إسرائيل في المجال الإقليمي.
وتقترح واشنطن تشكيل لجنة ثنائية
أخرى بين الأمريكيين والسلطة
الفلسطينية بهدف معالجة القضايا
التي تعتبرها تل أبيب تحريضاً ضدها،
وذلك بمشاركة إعلاميين وحقوقيين
إضافة إلى رجال الأمن في هذه اللجنة .
بالطبع،
فإن المقترحات الأمريكية التي تبنت
جميع شروط ومطالب نتنياهو، لم يطالب
هذا الأخير وحكومته، سوى بتنفيذ
إعادة الانتشار من مناطق لا تتجاوز
في مجملها 10% من أراضي الضفة الغربية
بشكل كلي، و10% أخرى بشكل جزئي، وتترك
واشنطن المجال واسعاً أمام نتنياهو
لاختيار وتحديد هذه المناطق بناء
على ما يعتبره مصالح أمنية
إسرائيلية .
من
الواضح إذن أن مقترحات واشنطن التي
أعلن نتنياهو رفضه مبدئياً لها إذا
ما تضمنت زيادة في النسبة المقررة
لإعادة الانتشار من الضفة الغربية
عن 9%. اجتهدت في استرضاء رئيس
الوزراء الإسرائيلي. لينكشف بذلك
الرهان الفلسطيني على ورقة واشنطن
التي أثبتت عملياً أنها ليست مستاءة
من رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى
حدود الضغط على تل أبيب. وهو ما أدركه
نتنياهو مبكراً عندما اعتبر زيارته
الأخيرة لواشنطن نصراً له،فعاد
ليطلق مجدداً حملته الرامية لتسريع
عمليات الاستيطان في الضفة الغربية
وشرقي القدس المحتلة .
في
ضوء ما سبق، لا تبدو فرص المقترحات
الأمريكية الجديدة في النجاح كبيرة،
خصوصاً في ظل تفاقم العقدة المشتركة
لدى كل من نتنياهو وعرفات والمتمثلة
في الصعوبة البالغة التي يواجهها
كلاهما في إفشاء أو تبرير أية
تنازلات أمام جمهوره، خصوصاً فيما
يتصل بالملفات المصيرية بالنسبة
لعرفات، والمواقف الانتخابية
والائتلافية الصارخة لنتنياهو. مما
يرشح استمرار الوضع الراهن، وانتقال
التسوية من أزمة إلى أخرى، مع بقاء
وتيرة النشاط الدبلوماسي الأمريكي
في حدود الحفاظ على العملية السلمية
في الحد الأدنى. وبالتالي استسلام
الجميع لانتظار الانتخابات
الإسرائيلية المبكرة في حال سقطت
حكومة نتنياهو. وحتى يحدث ذلك يبقى
السلام الفلسطيني – الإسرائيلي
الهش وغير المكتمل، متعثراً وربما
فاقداً للحياة .
|