الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة


هل يكون توسيع القدس ثمناً لاستحقاق إعادة الانتشار الهزيل؟

11 يوليو 1998

قد لا يكون القرار الإسرائيلي الأخير بتوسيع الحدود البلدية لمدينة القدس هو أخطر القرارات التهويدية التي اتخذت بحق المدينة من احتلالها عام 1948، ولكنه بلا شك يشكل تتويجاً لجهود استيطانية سابقة لم تبق من المدينة إلا مساحات ضئيلة .

وقد تكون هذه الخطوة مرتبطة باقتراب مفاوضات الحل النهائي التي أجلت لها قضية القدس وغيرها من القضايا الحساسة، ولكن الأهم من هذا أنها تكرّس واقع الهيمنة الصهيونية على المدينة وتعزز القناعة القائلة بأن عملية التسوية لم تعد موجودة، ولم تنجح في إنقاذ الأراضي الفلسطينية عبر وقف المد الاستيطاني .

مساومة إعادة الانتشار بـ"توسيع القدس"!

جاءت الخطة التي أقرتها الحكومة الإسرائيلية في 21/6/1998 في الوقت الذي تعاني فيه عملية التسوية من أزمة مستحكمة معلمها الأساسي رفض حكومة نتنياهو تنفيذ إعادة الانتشار في الضفة المحتلة بالنسبة المقترحة أمريكياً (13,1%) وفي ظل تزايد الانتقادات الأمريكية والدولية للموقف الإسرائيلي الذي يتسبب في تعطيل عملية التسوية ويزيد من حدة التوتر في المنطقة .

وعلى الرغم من أن الخطة ليست جديدة، إلا أن إقرارها في هذه الظروف يشير إلى أن نتنياهو معني بالدرجة بإرضاء الأحزاب اليمينية المتحالفة معه، وفق تقديره بأنه يستطيع التعامل مع انتقادات العرب وأمريكا، إلى حين نجاحه في إقناع أركان حكومته بالموافقة على الاقتراح الأمريكي بإدخال بعض التعديلات على كيفية تنفيذه مثل تقسيط مرحلة إعادة الانتشار .

وبهذه الطريقة يكون نتنياهو قد استمر في تنفيذ مخططات الاستيطان وفرض الأمر الواقع، مع استيعاب ردود الفعل السلبية عليها، مقابل تنفيذ استحقاق إعادة الانتشار بالطريقة التي لا تتعارض مع تحفظات الحكومة الإسرائيلية على الاقتراح الأمريكي .

ويستطيع نتنياهو أن يراهن على فتور وتراجع الانتقادات لخطة توسيع القدس مع تقادم الزمن، خصوصاً وأن هذه الخطة ستحتاج إلى مزيد من الوقت لكي تطبق على الأرض كما حصل مع مشروع الاستيطان في أبو غنيم، الذي لم يعد هناك مطالبات فلسطينية وأمريكية جادة بوقفه، في الوقت الذي تستمر فيه الجرافات بتجهيز البنى التحتية له في ظل الانشغال بالحديث عن إعادة الانتشار. وحتى لو لم يوافق الأمريكيون والسلطة الفلسطينية على مقترح الحكومة الإسرائيلية الخاص بإعادة الانتشار، فإن الأنظار ستبقى مركزة على هذا الموضوع، وستكتفي السلطة الفلسطينية والأطراف العربية بمحاولة انتزاع موافقة إسرائيلية على تنفيذ مرحلة إعادة الانتشار .

إن قرار توسيع الحدود البلدية للقدس يأتي في سياق محاولات إسرائيلية مستمرة لفرض الأمر الواقع في القدس والضفة المحتلة، لتفريغ مفاوضات الحل النهائي من مضمونها الحقيقي، وهو منهج وإن اتسم بالوضوح والاستفزاز في عهد الحكومة الإسرائيلية الحالية، إلا أنه متبع لدى حزب العمل أيضاً الذي تسارعت في عهده وتيرة الاستيطان بشكل مرعب، ولكنها كانت تتم بطريقة ذكية وسرية ولا تثير الكثير من الانتقادات .

ومن هنا يمكن فهم اعتراض حزب العمل المتواضع على هذه الخطة، والذي ركز على توقيتها السيء حيث قال (شلومو بن عامي) عضو الكنيست عن حزب العمل ((هذه هي المرة الأولى التي تنجح فيها الحكومة الإسرائيلية في خلق ائتلاف أمريكي فلسطيني بشأن القدس)) .

وعلى عكس ما قد يفهم من سياق المواقف المتشددة لنتنياهو، فإن خطة توسيع القدس قد تكون مقدمة لتنفيذ استحقاق إعادة الانتشار الذي سيكون الأخير حسب المطلب الإسرائيلي على أن يتم الدخول مباشرة بعده في مفاوضات الحل النهائي مقابل حصوله على تعهد أمريكي بعدم إدانة هذه الخطة في مجلس الأمن الدولي. وفي حالة حصول هذا، فإن نتنياهو سيدخل مفاوضات الحل النهائي بعد أن يكون قد أقفل موضوع القدس، وتفرغ للتفاوض حول تحويل نسبة الـ40% من الضفة المحتلة التي سيقع جزء منها تحت سيطرة فلسطينية – إسرائيلية مشتركة، إلى السيطرة الفلسطينية الكاملة دون أن يسمح بقيام دولة مستقلة ذات سيادة حقيقية حتى على هذا الجزء البسيط من مساحة الضفة .

استكمال عزل القدس وتهويدها

وتنص الخطة الإسرائيلية على توسيع الحدود البلدية لمدينة القدس بحيث تقفز مساحتها من (123كم2) إلى (600 كم2) وهي مساحة توازي حوالي (10%) من مساحة الضفة المحتلة، وذلك عن طريق توسيع نفوذ البلدية بضم مستعمرات يهودية داخل الخط الأخضر إلى حدودها، بالإضافة إلى تخويلها سلطات إدارية على مستعمرات يهودية خارج الخط الأخضر (أي واقعة في الضفة المحتلة عام 1967). وهذه الخطة هي الترجمة العملية لمشروع "القدس الكبرى" الذي عمل عليه رئيس بلدية القدس الحالي "أيهود أولمرت"، والذي يهدف إلى تعزيز الواقع اليهودي في المدينة. والإنجاز الرئيس الذي تسعى له الخطة هو: تعزيز وتكريس الغالبية اليهودية في المدينة بحيث لا يزيد عدد السكان الفلسطينيين فيها عن نسبة (30%) وهي النسبة الحالية لهم، حيث يبلغ عددهم حوالي (180) ألف نسمة من أصل حوالي (630)  ألف مقيم في المدينة .

ويبدو أن هناك تخوف حقيقي من قبل إسرائيل من تزايد أعداد الفلسطينيين الذين يتمتعون بنسبة خصوبة عالية جداً مقارنة بالإسرائيليين، حيث تتخوف بعض الأوساط الإسرائيلية من وصول نسبة الفلسطينيين إلى (45%) من سكان المدينة خلال السنوات القليلة القادمة، خصوصاً وأن هناك هجرة معاكسة من المدينة من قبل اليهود العلمانيين بسبب النمو المتزايد لهيمنة اليهود المتدينين "الحريديم"، ومحاولاتهم المستمرة لفرض تعاليمهم المتشددة على سكان القدس.

وعلى هذا الأساس، فإن الخطة تنص على زيادة عدد سكان المدينة إلى أكثر من مليون نسمة بحلول عام (2020)، حيث سيؤدي ضم المستوطنات إليها إلى زيادة فورية في عدد سكانها اليهود بحدود (60) ألفاً. ومن الأساليب المهمة التي ستتبع لزيادة عدد سكان اليهود في المدينة، إقرار ست مخططات لبناء وحدات سكنية ستضيف في مجملها (140) ألف مسكن بحلول عام (2020)، بما في ذلك الشروع في البناء في جبل أبو غنيم الذي أكد نتنياهو للصحافيين أنهم سيشهدون الكثير من المنازل فيه بحلول عام (2000م). وستسخر الحكومة الإسرائيلية وفق الخطة جزءاً من ميزانيتها لعام (1999) لتنفيذ هذه الخطة على الأرض، بما في ذلك إعطاء تسهيلات لبناء مساكن للأزواج الشابة من اليهود، على أن يبدأ التنفيذ الفعلي للخطة في شهر أيلول/ سبتمبر من العام الحالي .

وتهدف الخطة أيضاً إلى خلق امتداد وتواصل جغرافي بين القدس والمستوطنات اليهودية خارج الخط الأخضر، وعلى الأخص مستوطنتي (معاليه أدوميم) و(جفعات زئيف)، الأمر الذي سيؤدي إلى تكريس وجود هذه المستوطنات والحيلولة دون تفكيكها، إضافة إلى مصادرة أراضي جديدة لتحقيق هذه الغاية. وقد نصت الخطة صراحة على شق أربع طرق في إطار البلدية الجديدة، وهذه ستتضمن بلا شك مصادرة أراضي جديدة من شرقي القدس، حيث يقدر الخبير الفلسطيني في الاستيطان خليل التفكجي أن مساحة الأراضي التي سيتم مصادرتها ستصل إلى (11,5) ألف دونم، كما سيتم إضافة (13,5) ألف وحدة سكنية في شرقي القدس، وتؤكد مصادر إسرائيلية أن الخطة تتضمن بنوداً غير معلن عنها، وتتعلق بمضاعفة المبالغ المخصصة لدعم وتمويل نشاطات الجمعيات الاستيطانية اليهودية، حيث قررت الحكومة توفير مبلغ (15) مليون شيكل لتمويل حماية أمن المستوطنات والقيام بأنشطة استيطانية جديدة في القدس القديمة .

وهكذا، فإن النتيجة المحكمة لهذه الخطة، هي استكمال عزل القدس عن محيطها العربي، وتعزيز طابعها اليهودي منذ احتلالها عام 1948، كما أنها تتضمن إذابة الفوارق بين المناطق المحتلة عامي 1948 و 1967، وتحويل الخط الأخضر، حسب وصف صحفي إسرائيلي معارض لنتنياهو إلى "مسألة لا معنى لها"، وذلك بمد الصلاحيات الإدارية للبلدية إلى مناطق خاضعة حتى الآن إلى الإدارة المدنية (العسكرية) الإسرائيلية .

هل ينتقل الموقف العربي العربي من مربع السلبية إلى مربع الإيجابية ؟!!

وهكذا، فإن خطة الحكومة الإسرائيلية هي خطة استكمال تهويد وضم للقدس، وليست مجرد إجراء تنظيمي إداري كما يدعي نتنياهو، وهي ليست خطة جديدة أو توجه طارئ لدى الكيان الصهيوني، فحسبما يقول رئيس البلدية العمالي السابق (تيدي كوليك) فإن هدفه خلال (25) عاماً من رئاسته لبلدية القدس كان: ((مواجهة تعاظم عدد السكان العرب في المدينة وضواحيها)) .

وعلى الرغم من الانتقادات الدولية الكثيرة لهذه الخطة، فإن حكومة نتنياهو ستمضي بها على الأغلب، وستحاول مساومة عدم إدانتها في مجلس الأمن الدولي بتنفيذ استحقاق إعادة الانتشار مع إدخال بعض التعديلات عليه، وهذا يفسر التراجع الأمريكي عن انتقاد الخطة بعد "التوضيحات الإسرائيلية" .

أما ردود الفعل العربية التي اكتفت بطرح الموضوع على مجلس الأمن، وعقد قمة ثلاثية جمعت زعماء كل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، فلم تنجح في زعزعة موقف نتنياهو وحكومته. ولا يزال حتى الآن، الفشل العربي في عقد قمة لمواجهة النكوص الإسرائيلي عن عملية التسوية، يغري الطرف الإسرائيلي باستمرار إجراءات التهويد والمصادرة .

وعلى أية حال، فإن الموقف العربي الذي شهد بعض التحسن النسبي في الأشهر القليل الماضية، لا يزال بحاجة إلى الكثير من الخطوات التي تنقله من مربع السلبية إلى الإيجابية في التعامل مع الخطر الصهيوني المتعاظم، وفي محاولة التوصل إلى برنامج مشترك يتجاوز التمسك العقيم باتفاقات التسوية التي ثبت فشلها .

ومن ناحية أخرى، فإن استتباعات الموقف الإسرائيلي وعلى الأخص في القدس، تظل مفتوحة على كل الاحتمالات، بما في ذلك تصاعد الغضب الجماهيري داخل الأرض المحتلة، وتفجر المواجهات مع الاحتلال من جديد .