الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة

 

المبادرة الفرنسية – المصرية ..

محاولة لإنقاذ مشروع التسوية المنهار

 

12 أغسطس 1998

لا زالت أطراف التسوية السياسية ومؤيديها يتخبطون منذ انتخاب بنيامين نتنياهو لحكم الكيان الصهيوني وإدارة دفة التسوية المفصلة على مقاس الأطماع والمصالح الصهيونية، ولم تُجدِ سياسة الانتظار والصبر أو التعويل على سقوط الحكومة اليمينية تحت وطأة التحديات الداخلية والصراع مع المعارضة في دفع مشروع التسوية العالق منذ 20 شهراً أو يزيد. وفيما تنشغل الإدارة الأمريكية بفضائح الرئيس بيل كلينتون وتحديات دولية مختلفة، طغت التحركات المصرية والفرنسية على سطح التسوية الراكد، ولتحويل هذه التحركات إلى برنامج سياسي محدد أعلن مسؤولون فرنسيون ومصريون مبادرة جديدة لإخراج مشروع  التسوية من مأزقه الراهن .

فقد أعلن وزير الخارجية المصري عمرو موسى مؤخراً خلال زيارة قام بها إلى العاصمة الفرنسية باريس أن دفعاً واضحاً يجري باتجاه تفعيل المبادرة وتحويلها من فكرة إلى مشروع دخل مرحلة "دراسة التفاصيل"، فيما قال نظيره هوبير فيدرين في ذات المؤتمر الصحفي أنه قد جرى بالفعل إنشاء مجموعة عمل مصرية فرنسية مشتركة لوضع المشروع بتفاصيله، ويعتقد أن الجانبين الفرنسي والمصري تشجعا بسبب عدم معارضة الرئيس السوري حافظ الأسد لهذا الاقتراح أثناء زيارته الأخيرة إلى باريس، وبعد أن قال المبعوث الأوروبي إلى المنطقة ميغيل موراتينوس أنه حصل على موافقة سورية حذرة على المشروع، مؤكداً أن دمشق أبدت تفهماً أفضل فكرة عقد مؤتمر دولي لدفع عجلة التسوية على غرار ما جرى في مدريد .

وتنص الخطوط العريضة للمبادرة على عقد المؤتمر على مرحلتين (ولهذا مغزى سلبي سيتم الإشارة إليه لاحقاً)، وحسبما تسرب بطرق غير رسمية فإن المرحلة الأولى ستقتصر على حضور مندوبين عن القوى الدولية المؤيدة لأسس مدريد وهي الولايات المتحدة وروسيا وثلاثة بلدان أوروبية بينها فرنسا وثلاثة بلدان عربية بينها مصر وربما (السعودية والمغرب)، ما المرحلة الثانية من المؤتمر فستشهد توجيه دعوات لأطراف الصراع المباشر للتفاوض وجهاً لوجه تحت رعاية دول المرحلة الأولى .

إعلامياً جرى منح المبادرة وجه البديل عن فشل جهود التسوية، غير أن أطراف المبادرة أصرت على التأكيد أن مبادرتها ليست محاولة لسحب البساط من تحت أقدام المبادرة الأمريكية، مما حدا بأطراف الفكرة لانتظار ما ستسفر عنه المبادرة الأمريكية الداعية لإعادة نشر قوات الاحتلال في 13% من أراضي الضفة الغربية مقابل تعهدات وجهود أمنية إضافية من سلطة الحكم الذاتي .

يرى البعض في المبادرة بادرة للتمرد على السياسة الأمريكية تجاه المنطقة ومشروع التسوية، غير أن الأرجح أن المبادرة ليست أكثر من محاولة من أوروبا لممارسة دور يتمثل في العمل على ملء أي فراغ قد تضطر السياسة الأمريكية لإحداثه في المنطقة مؤقتاً أو تجد نفسها في حاجة إلى طرف آخر لاستكمال دورها، ويقنع الأوروبيون بهذا الدور المؤقت الذي ينتهي بهدوء فور استعادة الإدارة الأمريكية لقدرتها على ممارسة الدور المطلوب، أو تدخل الطرف الإسرائيلي لإجهاض أي مشاركة أوروبية من هذا القبيل .

أما المبادرة فلم تتضمن جديداً سوى التأكيد على الاهتمام الدولي بمشروع التسوية كما أنها لم تتعامل مع أسس محددة للتسوية، باستثناء التأكيد على أسس مؤتمر مدريد، وعلى الأرجح فإن فصل جلسات المؤتمر المزمع عقده بموجب المشروع إلى مرحلتين يستهدف كسب المزيد من الوقت دون الاضطرار للإعلان مبكراً عن فشل المبادرة في حال تم عقد المؤتمر على مرحلة واحدة وقررت الدولة اليهودية مقاطعته .

من التساؤلات المثارة حول المبادرة إذا ما كانت أسس مدريد ما زالت قائمة بعد التطورات الكثيرة التي شهدتها المنطقة خلال المرحلة التي تلت المؤتمر، وما هي مرجعية المبادرة، هل هي قرارات الأمم المتحدة 242 و 338؟ أم اتفاقيات أوسلو ووادي عربة التي تجاوزت عملياً هذه القرارات عندما وافق ياسر عرفات ومفاوضوه (مثلاً) على أن الأراضي المحتلة عام 1967 هي أراض متنازع عليها وأن مصيرها قابل للتفاوض؟ فإذا كانت المرجعية هي 242 و 338 فما الذي سيجبر الصهاينة على العودة إلى تلك النقطة بعد أن تم تجاوزها؟ أما إذا كانت اتفاقات أوسلو هي المرجعية، فكيف يمكن الانطلاق مجدداً في ظل إصرار نتنياهو على تفسير اتفاقات أوسلو على قاعدة مفاهيمه الأيديولوجية والأمنية ؟!

إن السؤال الأساسي في هذا الموضوع هو ما الذي سيلزم نتنياهو بحضور مؤتمر جديد دون حدوث أي تغيير حقيقي في ميزان القوى بين الكيان الصهيوني والدول العربية، لا سيما أن مضمون وآلية المفاوضات الحالية تعتبر مناسبة له كي يفرض ما يشاء من شروط ويتخلى عن ما يشاء من استحقاقات ومطالب ؟!

إن الفرصة الوحيدة لنجاح عقد المؤتمر ستكون مهيأة فقط بعد إعلان الإدارة الأمريكية الحالية عن فشل مبادرتها، وهو الأمر الذي قد لا يتم في ظل ما نراه من مماطلات مستمرة للإدارة الأمريكية في الإعلان عن مبادرتها والمتسبب في فشلها، بل إن هناك ترجيحاً بأن الإدارة الأمريكية لم تعترض على المبادرة الفرنسية – المصرية للتلويح لحكومة نتنياهو بأن عليها أن تتعامل مع الإدارة الأمريكية كي لا تضطر للتعامل مع الموقف الأوروبي الأقل انحيازاً للدولة العبرية .

وحتى لو قدر للمؤتمر أن ينعقد، فمن المستبعد أن يلجأ إلى اتخاذ إجراءات حازمة بحق الدولة العبرية من أجل تنفيذ اتفاقاتها، لاعتبارات عدة منها إصرار الولايات المتحدة على دعم نتنياهو وعجزها عن ممارسة ضغوط عليه، كما اتضح خلال الأشهر العشرين الماضية، فيما أوروبا غير معنية بالدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة على قاعدة أزمات الشرق الأوسط، وأوروبا ما زالت تظهر انقساماً على نفسها إزاء حجم وطبيعة دورها في المنطقة، ولا شك أن الظروف السياسية والاقتصادية لأوروبا لا تؤهلها لممارسة ضغط فاعل على الكيان الصهيوني، أما عربياً فإن المنطقة لم تشهد أي تغير على ميزان القوى مما يعزز فرص استمرار الوضع الراهن .

إن غالبية أعضاء الإدارة الأمريكية مقتنعون بضرورة بقاء الولايات المتحدة قوة وحيدة رئيسية فاعلة في منطقة الشرق الأوسط مما يستدعي منع أي قوى من التحرك الفعال فيها، ويؤمن المسؤولون الأمريكيون بضرورة منح نتنياهو الوقت اللازم لقبول المبادرة الأمريكية، والتحرك بصورة أو أخرى إلى الأمام مما سيجعل من المبادرة المصرية – الفرنسية غير ذات جدوى .

أهم ما في هذه المبادرة أنها تكشف طبيعة الدور الأوروبي وحدوده وهي حدود لا تتجاوز التحرك تحت السقف الأمريكي ولملء الفراغات للحيلولة دون انهيار مشروع التسوية برمته وتعليق القوى دائماً بأمل قادم، بدلاً من تركها تنشغل بالبحث عن بدائل حقيقية لمواجهة حالة الركود القائمة والتي أتت تماماً على هيبة الأطراف العربية المؤيدة لمشروع التسوية .