الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة

 

إعلان الدولة المستقلة .. ورقة جديدة للمفاوضات

تستخدمها السلطة الفلسطينية

14/ تشرين أول 1998

مع اقتراب نهاية الخمس السنوات المخصصة للمرحلة الانتقالية من اتفاقية أوسلو دون تنفيذ الكثير من متطلبات هذه المرحلة، وعلى الأخص فيما يتعلق بإعادة الانتشار، واستمرار السياسة الإسرائيلية المتشددة إزاء تنفيذ الاستحقاقات المهمة للمرحلة الانتقالية، دأب ياسر عرفات على توجيه تهديدات من خلال وسائط الإعلام بأنه سوف يعلن عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بانتهاء المرحلة الانتقالية في 4/5/1999م.

ولكن واقع الحكم الذاتي الذي ترسخ خلال أكثر من أربعة أعوام من تطبيقه (4/5/1998) يجعلنا نضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى ومغزى هذا التهديد الذي لا يمكن فهمه وتفسيره إلا في سياق المفاوضات الجارية لتنفيذ إعادة الانتشار والواقع المتردي الذي وصلت إليه التسوية .

فقد بدأ رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بإطلاق تهديداته بإعلان الدولة الفلسطينية بعد رفض حكومة نتنياهو القبول بالمقترح الأمريكي لإعادة الانتشار في 13% من مساحة الضفة المحتلة، وبعد فشل عدة جولات للمبعوث الأمريكي دينيس روس في إقناع نتنياهو بالقبول بهذا المقترح، وفي الوقت الذي بات فيه واضحاً للسلطة الفلسطينية أن حكومة نتنياهو مصرة على موقفها بتجزيء وتفتيت عناصر المقترح الأمريكي، وفرض شروط قاسية على السلطة الفلسطينية مقابل الموافقة على تخصيص نسبة 3% من المساحة التي سيتم فيها إعادة الانتشار كمحمية طبيعية يحظر الفلسطينيين البناء فيها، وترافقت هذه الأجواء مع تزايد وتصاعد النقمة الجماهيرية الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي، وتنامي شعور اليأس والإحباط من إمكانية تحقيق عملية التسوية لإنجاز حقيقي على الأرض الفلسطينية .

أما واقع السلطة الفلسطينية وممارساتها الأمنية، وتفشي مظاهر الفساد والمحسوبية في حكومتها، وعجز عرفات عن معالجة هذه الملفات بسبب ارتباط أصحابها بالإسرائيليين ونفوذهم القوي الذي ينافسه على كرسي قيادة السلطة، فقد شكل عاملاً إضافياً لطرح موضوع إعلان الاستقلال الفلسطيني، وذلك بهدف التغطية على الفشل الذريع الذي وصلت إليه الاتفاقيات والسلطة القائمة على أساسها غير محاولة إشعال الفلسطينيين إعلامياً بقضية لا تشكل حقيقة على أرض الواقع .

غير أن الهدف الأهم للتلويح بإعلان الدولة هو محاولة ممارسة ضغوط على نتنياهو للموافقة على المقترحات الأمريكية، والدليل على ذلك هو تراجع عرفات عن التهديد بهذا الإعلان في كلمته في الأمم المتحدة بعد ممارسة ضغوط عليه من قبل الإدارة الأمريكية والتوصل إلى تفاهم ثلاثي أمريكي – إسرائيلي حول تنفيذ المقترحات الأمريكية بعد أن وافق عليها نتنياهو وأدخل عليها تعديلات أهمها: تخصيص نسبة 3% كمحمية طبيعية، ورفض الموافقة على البروتوكول الأمني الذي يطالب الكيان الصهيوني باتخاذ إجراءات ضد الإرهابيين الإسرائيليين بالتوافق مع الإجراءات التي تتخذها السلطة الفلسطينية لمنع أعمال المقاومة ضد الكيان الصهيوني .

وقد اكتفى عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقول أن الشعب الفلسطيني ينتظر قيام دولته المستقلة، وأنها ((يجب أن تنشأ تطبيقاً لحق شعبنا في تقرير المصير))، كما خفت حدة تهديداته بعد الإعلان عن قرب التوصل لاتفاق حول إعادة الانتشار في القمة الثلاثية المقررة في 15/10/1998 بين كلينتون ونتنياهو وعرفات، حيث صرح أثناء زيارته للنرويج في 11/10/1998 أن اتفاقات أوسلو تعطيه "حق إعلان دولة فلسطينية" متجنباً التهديد بإعلان هذه الدولة حتى في حالة اتفاق أوسلو، ومحدداً إطار الحصول عليها بهذا الاتفاق، الأمر الذي يعتبر تراجعاً واضحاً عن التهديدات السابقة .

وتروج بعض أوساط السلطة الفلسطينية أن الهدف من الإعلان هو محاولة ملئ الفراغ القانوني الناشئ عن انتهاء مدة المرحلة الانتقالية، وللحيلولة دون تمديد هذه المرحلة دون قيود أو ضوابط من الطرف الإسرائيلي بهدف إنهاء عملية التسوية، ومع ذلك فقد أعلن أحمد قريع أنه لا يمانع في تأجيل المرحلة الانتقالية للحل النهائي عدة أشهر إذا أبدى الإسرائيليون ليونة في المفاوضات الحالية، مما يؤكد أن هذا الإعلان لن يكون إلا بالاتفاق مع الحكومة الإسرائيلية ووفق شروطها وضوابطها، وسيكون تكريساً للواقع القائم من حيث عدم ترابط الأراضي الفلسطينية، وعدم تمتع السلطة الفلسطينية بالسيادة على هذه الأراضي، واستمرار تحكم الطرف الإسرائيلي بموارد المياه والمنافذ الحدودية وبالطرق التي تتحكم بالأراضي الفلسطينية .

ولئن كان الطرف الفلسطيني يملك الإمكانية النظرية لإعلان الدولة الفلسطينية، فإن الطرف الإسرائيلي يتحكم فعلياً في طبيعة الكيان الفلسطيني الذي سيقوم بغض النظر عن الاسم الذي سيحمله، كما أنه يمتلك من الوسائل والأساليب الكفيلة بإجهاض أي تحرك سياسي فلسطيني لا ينسجم مع المتطلبات السياسية والأمنية والاقتصادية الإسرائيلية، حتى ولو تباينت هذه المتطلبات من ناحية تفصيلية من حكومة إسرائيلية لأخرى. وقد أسقط حزب العمل "الفيتو" على الدولة الفلسطينية لأنه كان يرى أن هذا الكيان لن تكون له سيادة مطلقة على الأرض ولن يتمتع بجيش مسلح، وأن هذا المسمى الذي يعبر عن الحكم الذاتي الموسع الذي لا يرقى إلى مستوى دولة حقيقية مستقلة، سيضمن فتح قنوات التطبيع مع العالم العربي والإسلامي، وسيؤهل الدولة العبرية لممارسة دور فاعل سياسياً واقتصادياً وأمنياً في المنطقة تحت مظلة النظام الشرق أوسطي الجديد الذي يجعل لها دوراً محورياً في المنطقة .

ولو استمر حكم حزب العمل، لما لجأ عرفات إلى التهديد بإعلان الدولة لأنه سيحصل على ذلك بغض النظر عن حقيقة هذه الدولة وسيادتها، أما في ظل الليكود الذي أحال نظرية "النظام الشرق أوسطي" إلى الرفوف بسبب عدم قناعته بجدواها وتركيزه على الأمن، فإنه ينظر بتوجس كبير إلى مسمى الدولة المستقلة .

وحسبما يرى نتنياهو في مقابلة أجراها مع الصحافي الإسرائيلي (شمعون شيفر) من يديعوت أحرونوت في 18/9/1998 فإن "الدولة الفلسطينية هي صندوق أسود من الممكن أن تدخل فيه كل شيء، مثل بطاريات صواريخ سيتينغر تبطل قوة سلاح الجو الإسرائيلي .. هذا ليس خطراً تكتيكياً، إنه خطر استراتيجي، فالفلسطينيون يستطيعون إطلاق النار على طائرات مدنية في مطار بن غوريون، وسيكون لهم أوكار، وقاذفات صواريخ وراجمات وقوات أخرى، ويستطيعون إبرام الأحلاف مع إيران والعراق، وسيرابط الجنود العراقيون والإيرانيون على مشارف تل أبيب .. هناك خوف من أن تسقط حماس عرفات وتسيطر على الدولة الفلسطينية، علينا أن نمنع بكل وسيلة أي إمكانية لأن يقوم وسط إسرائيل كيان متطرف حليف لإيران والعراق" .

وهذا الكلام لا يخلو من المبالغة والتهويل، كما أنه لا يرتبط بإعلان الدولة من عدمها، فهذه المخاوف تظل قائمة في كل الأحوال، ويمكن تجنبها بالنسبة للصهاينة عن طريق الاتفاقيات وضمان تفوقهم الأمني. ولكن هذه المخاوف تصبح ذات أولوية قصوى لمن لا يؤمن بالسلام ومنافعه على الدولة العبرية، ويضع الجانب الأمني موضع التقديس، ولذلك، وعلى الرغم من وجود خلافات حقيقية بين العمل والليكود حول صلاحيات ا لدولة الفلسطينية، إلا أن نتنياهو لا يتغاضى عن الشكليات ويضع لها اعتباراً لأنه غير مقتنع أساساً باتفاق أوسلو ومتطلباته .

إن تهديدات نتنياهو وحكومته بضم الأراضي الفلسطينية وإلغاء اتفاق أوسلو، تكتسب طابعاً جدياً وحقيقياً في ضوء فهم موقفه من الاتفاق، ورفض أي محاولة من عرفات لاستخدام ورقة الإعلان للضغط عليه لتنفيذ الاستحقاقات المؤجلة من التسوية. ويأتي في هذا الإطار، التسريبات الأمنية المتعمدة من قبل جيش الاحتلال بأنه أكمل الاستعدادات العسكرية لإعادة احتلال أراضى الحكم الذاتي في حالة الإعلان عن الدولة، مع أن هذا الاحتمال يبقى موضع شك في ظل الدور الأمني المهم الذي تقوم به السلطة الفلسطينية نيابة عن الاحتلال .

وهكذا بعد حوالي عشر سنوات من إعلان الاستقلال الفلسطيني (15/11/1998)، يبدو أن الظروف المواتية لهذا الإعلان باتت أسوأ من ذي قبل بعد أن تخلت القيادة الفلسطينية عن ورقتها الضاغطة المتمثلة بالانتفاضة والمقاومة، وبعد أن خسرت التأييد السوفيتي، والأهم من هذا أن السلطة الفلسطينية أصبحت في فم الغول الإسرائيلي، وبالتالي فإن الإعلان – إن حصل – سيكون بمثابة ذر للرماد في العيون لا أكثر، وسيسبغ مسمى الدولة على واقع يتحكم الاحتلال في كل مفاصله .

وعلى الرغم من وجود رغبة شعبية في الحصول على استقلال حقيقي، إلا أن ما جرى الآن هو مجرد دغدغة للعواطف وتغطية على واقع مر لا يخفى على كل من يعايشه .

والملفت للانتباه أن التلويح بالإعلان لم يأت في سياق خطة مدروسة للسلطة أو خطة وطنية فلسطينية شاملة لبسط السيادة على الأرض والذي يتطلب العودة إلى المقاومة والتخلص من اتفاقات أوسلو، وإنما جاء كتكتيك سياسي بهدف الحصول على استحقاقات ماطل الإسرائيليون في إعطائها للسلطة، حيث تراجع التهديد الفلسطيني بمجرد أن أبدى الإسرائيليون رغبة في تنفيذ بعض هذه الاستحقاقات .

إن التهديد بإعلان الدولة لا يخرج عن إطار استمرار تمسك السلطة بالاتفاقات الهزيلة، والإصرار على المضي قدماً في منهج إدارة الظهر لتطلعات الشعب الفلسطيني ومطالبه، ومحاولة اجتراح تكتيكات إعلامية وسياسية لخدمة استمرار السلطة في موقعها وتعزيزه، على حساب أهداف وغايات الشعب الفلسطيني ومصالحه .

إن الدولة الفلسطينية المستقلة استقلالاً كاملاً، هي مطلب فلسطيني وطني، ولكنها لن تتحقق من خلال اتفاق ثبت أن فشل على صعيد تأمين جزء بسيط من مطالب الشعب الفلسطيني، فكيف له أن يحقق استعادة الأرض والسيادة عليها والتخلص من هيمنة الاحتلال في كل مناحي الحياة الفلسطينية، أما التهديد بإعلانها، فإنه لا شك ليس خطوة على طريقة تحقيق هذا الهدف، إلا إذا كانت السلطة مستعدة لتحمل تبعات إعلان السيادة الكاملة والسعي لانتزاعها من الإسرائيليين عبر برنامج المقاومة، وهو أبعد ما يكون عن السلطة التي تقترب كل يوم أكثر فأكثر من تلبية الاشتراطات الأمنية الإسرائيلية بدلاً من العودة للشعب والالتحام معه، ومواجهة البرنامج الصهيوني والتصدي له .