|
قراءات في اتفاق "واي ريفر" بين
التوقيع والتطبيق
17/11/1998م
جاء توقيع
اتفاق (واي بلانتيشين) في 23/10/1998م بعد
توقف دام أكثر من عام ونصف لعملية
التسوية على المسار الفلسطيني -
الإسرائيلي، وبعد عدة جولات قام بها
المبعوث الأمريكي (دينيس روس) وعدة
لقاءات لوزيرة الخارجية الأمريكية
بكل من عرفات ونتنياهو. ولم يكن لهذا
الاتفاق أن يخرج إلى حيز الوجود لولا
المفاوضات المكثفة التي جرت على مدى
تسعة أيام في منتجع (واي ريفر) في
واشنطن وبمشاركة فعالة من الرئيس
الأمريكي بيل كلينتون، كما تم
التمهيد لهذا الاتفاق بالموافقة
الفلسطينية على الاقتراح
الإسرائيلي المتعلق بإعادة
الانتشار (10+3) والذي قبلته الإدارة
الأمريكية وتبنته بعد رفض حكومة
نتنياهو القبول بالمقترح الأمريكي
لإعادة الانتشار في (13%) من مساحة
الضفة المحتلة. ولذلك تركزت مفاوضات
(واي بلانتيشين) على الشق الأمني من
الاتفاق إضافة إلى ترتيبات المرحلة
الانتقالية الاخرى المعلقة (المطار-
الميناء- الممرات الآمنة- المعتقلين-
تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني-
القضايا الاقتصادية) .
ضغط
أمريكي . . رضوخ فلسطيني . . تجاوب
إسرائيلي محدود
عندما وصف (اوري
سافير) أحد مهندسي اتفاق أوسلو ومدير
عام وزارة الخارجية في عهد حزب العمل
الاتفاق الأخير بأنه اتفاق (امريكي -
فلسطيني)، كان محقاً من زاوية الدور
الواضح لأول مرة للإدارة الأمريكية
في صياغة الاتفاق والإشراف التفصيلي
على تنفيذ السلطة الأمنية لبنود
الخطة الأمنية التي ستعرض على
المخابرات الأمريكية أولاً، وسيكون
هناك تقرير يومي عن الإنجازات تقدمه
السلطة الفلسطينية لـ (C.I.A) في مراقبة
تنفيذ السلطة الأمنية لبنود الخطة
الأمنية التي ستعرض على المخابرات
الأمريكية أولاً، وسيكون هناك تقرير
يومي عن الإنجازات تقدمه السلطة
الفلسطينية لـ(C.I.A). والزاوية الاخرى
لهذا الاتفاق، أن الطرف الذي كان
معنياً بتقديم التنازلات
للأميركيين هو الطرف الفلسطيني الذي
وضع كل أوراقه في السلطة الأمريكية
معولاً عليها لممارسة ضغوط - لم تتم -
على الطرف الإسرائيلي .
الإدارة
الأمريكية، وعلى رأسها كلينتون كانت
معنية بإنجاز (اتفاق ما) بغض النظر عن
محتواه، وبدون الضغط على نتنياهو،
بل ودفع عرفات إلى تلبية المطالب
الإسرائيلية إلى أبعد حد. فبعد فضائح
كلينتون الجنسية، وعلى مقربة من
انتخابات التجديد النصفي للكونجرس
وحكام الولايات، كان الحزب
الديمقراطي معنياً جداً بتقديم
إنجاز للناخبين يعزز فرص فوزه وفوز
مرشحه آل غور (نائب الرئيس حالياً) في
انتخابات عام 2000، ولذلك لم يكن
غريباً هذا الإقحام لـ (آل غور) في
حفل توقيع الاتفاق في واشنطن، على
الرغم من أن هذا الأخير لم يكن له دور
بارز في المفاوضات. ونتنياهو الذي
هدد بإشعال الحرائق في واشنطن إذا
ضغط عليه كلينتون للقبول بمقترحه،
كان مدركاً لحقيقة عجز هذه الإدارة
عن الضغط عليه، ولذلك سعى طوال
المفاوضات إلى الحصول على مكاسب
كثيرة، كان أهمها إشراك الـ (CIA) في
ضبط إيقاع الأجهزة الأمنية
الفلسطينية وفق الأجندة
الإسرائيلية، طالما أن إمكانية
الإشراف المباشر للأجهزة الأمنية
الإسرائيلية على أداء أجهزة سلطة
الحكم الذاتي لا يمكن أن يتحقق، لأنه
سيهدد ما تبقى من كرامة هذه السلطة.
ونجح نتنياهو في الحصول على تعهد
امريكي بإعطاء الإسرائيليين حق
تحديد مساحة إعادة الانتشار
الثالثة، والأهم من ذلك أن
الأمريكيين رضخوا لمطلب نتنياهو
بتوقيع اتفاق جزئي، وترحيل بعض
القضايا إلى مفاوضات لاحقة .
وبعد
الاتفاق مباشرة وقعت الحكومة
الإسرائيلية على اتفاق تعاون
استراتيجي مع الولايات المتحدة
الأريكية لتحسين قدرات إسرائيل في
الردع والدفاع في وجه تهديدات أسلحة
الدمار الشامل بما يتضمن مساعدات
مباشرة وفورية أمريكية في حالة تعرض
الكيان الصهيوني لضربات بهذا النوع
من الأسلحة و التي تشير المحافل
الأمريكية والإسرائيلية إلى امتلاك
كل من إيران وسوريا إضافة إلى العراق
لها. ويشكل هذا الاتفاق - حسب تقديرات
إسرائيلية - إضافة نوعية لاتفاق
التعاون الاستراتيجي الأمريكي -
الإسرائيلي الذي تم التوقيع عليه في
عام 1981 بعد معاهدة السلام المصرية -
الإسرائيلية .
وبالنسبة
لنتنياهو، فإن الاتفاق حقق له معظم
المطالب التي كان يركز عليها، وعلى
الأخص في الجانب الأمني، وإن كان قد
بدأ يواجه معارضة من الأوساط
اليمينية التي اتهمته بـ "الخيانة"
كما اتهمت رابين من قبله، وكان رئيس
الوزراء الإسرائيلي قد استعد لهذه
المعارضة عبر تعيين آرئيل شارون
وزيراً للخارجية الذي شارك في
مفاوضات (واي بلانتيشين)، وساهم في
دعم موقف نتنياهو من الاتفاق، كون
هذا اليميني المتشدد المعروف
بمواقفه العدائية للفلسطينيين لا
يمكن المزاودة عليه من اليمين
الإسرائيلي .
أما الطرف
الفلسطيني، فقد قدم تنازلات كبيرة
في المفاوضات، وتراجع أكثر من مرة عن
مواقفه التي تركزت على التمترس
بالمقترح الأمريكي لانجاز جميع
قضايا المرحلة الانتقالية المؤجلة
وعلى رأسها - إعادة الانتشار بنسبة 13%
من مساحة الضفة الغربية. والعامل
الضاغط الأهم على السلطة الفلسطينية
للقبول بهذا الاتفاق، كان تحقيق
انجاز معين يتعلق بالأرض لتبرير
الاستمرار بالتمسك باتفاق أوسلو
الذي تزايدت رقعة المعارضة له في ظل
عدم وجود إنجاز حقيقي له على أرض
الواقع، وتكريس الممارسات السلبية
للسلطة الفلسطينية وتدهور شعبيتها
إثر ذلك. وقد كانت السلطة الفلسطينية
متخوفة من استمرار الجمود الذي قد
يدفع نتنياهو لإنهاء اتفاق أوسلو
وربما اسقاط السلطة الفلسطينية وضم
الأراضي الفلسطينية. ولذلك توجهت
السلطة الفلسطينية للقبول بكل
المقترحات الأمريكية على أمل أن
تزيد الضغوط على نتنياهو لتطبيق
الاتفاق .
قراءات
في بنود الاتفاق
تناول
الاتفاق مواضيع إعادة الانتشار،
والأمن، وترتيبات المرحلة
الانتقالية المعلقة (المطار،
الميناء، المنطقة الصناعية،
الممرات الآمنة، المعتقلين،
الترتيبات والتنسيق القانوني
والاقتصادي ومفاوضات التسوية
الدائمة وما يسمى بـ "النشاطات
أحادية الجانب" .
إلا أن جلّ
الاتفاق كان مركزاً على الجانب
الأمني - كما كان متوقعاً- حيث تم ربط
تنفيذ إعادة الانتشار على مدى بما
تحققه السلطة الفلسطينية على الصعيد
الأمني على مدى (12) اسبوعاً. ووضع
الاتفاق جدولاً زمنياً للخطوات
المطلوبة من السلطة اتخاذها على مدى
ثلاثة أشهر، وتتضمن إعداد خطة أمنية
شاملة لمكافحة ما يسمى بـ"الارهاب"
وبناه التحتية، ويشمل ذلك اعتقال
المطلوبين ومحاكمتهم وسجنهم تحت
إشراف أمريكي مباشر وبتنسيق كامل مع
الإسرائيليين، وتبادل المعلومات
الأمنية، والتواصل في التعاون
والتنسيق الأمني، وإصدار مرسوم لمنع
التحريض، وإخراج التنظيمات المسلحة
عن القانون، وخطة شاملة لجمع
الأسلحة ومنع تهريبها، إضافة إلى
تقليص أعداد الشرطة الفلسطينية.
ويقسم الاتفاق مرحلة إعادة الانتشار
الأولى والثانية اللتين تم دمجهما
في مرحلة واحدة إلى ثلاثة خطوات أو
ما يسمى بـ"نبضات" تتم بالتزامن
مع تطبيق الجانب الفلسطيني للاتفاق
الأمني بحيث تصل مساحة إعادة
الانتشار في نهاية الأسابيع الثلاثة
إلى نقل (12%) من (ج) إلى (ب) بما في ذلك
تحويل (3%) منها إلى محمية طبيعية،
ونقل (2،15) من (ج) و(ب) إلى (أ) بحيث يصبح
في حوزة هذه السلطة الفلسطينية في
نهاية المطاف (2،18%) تحت سيطرتها
الأمنية والمدنية (المنطقة أ)، و(8،21%)
تحت السيطرة الأمنية للاحتلال
والمدنية للسلطة (المنطقة ب)، و (60%)
تحت سيطرة الاحتلال الكاملة. أي أن
ما سيصبح تحت سيطرة السلطة الكاملة
سيكون أقل من (20%) من مساحة الضفة،
وبمعنى آخر حوالي (4%) من مساحة فلسطين
الكلية. ومن الملفت للانتباه أن
الطرف الإسرائيلي لم يقدم خرائط
لمواقع إعادة الانتشار حيث احتفظ
بحقه في تحديدها، وفق ما يراه
مناسباً ! وبالفعل فقد عرضت هذه
الخرائط على اجتماع الحكومة
الإسرائيلية الذي صادق على الاتفاق
والخرائط، ولكنه ربط تنفيذ كل نبضة
من مرحلة إعادة الانتشار الواردة في
الاتفاق بالموافقة المسبقة للحكومة
عليها، كما أتاح المجال لإعادة بحث
وتدقيق الخرائط ضمن لجنة وزارية
خاصة !
أما
بالنسبة لإعادة الانتشار الثالثة،
فقد أقر الاتفاق تشكيل لجنة خاصة
إسرائيلية - أمريكية لبحثها مع
الإشارة إلى رسالة وزير الخارجية
الأمريكي السابق وارن كريستوفر
المرفقة باتفاق الخليل والتي حصرت
حق تحديد مساحة مراحل إعادة
الانتشار بالحكومة الإسرائيلية فقط.
وجاء اجتماع الحكومة الإسرائيلية
الذي أقر "اتفاق واي ريفر"
ليثبت ذلك، من خلال تحديد مدى إعادة
الانتشار الثالثة بما لا يزيد عن 1%
فقط !
وتم تأجيل
افتتاح الممر الشمالي الذي يربط غزة
بشمال الضفة إلى مفاوضات لاحقة تشمل
ايضاً قضايا الميناء والقضايا
الاقتصادية والقانونية. ولا يتضمن
الاتفاق نصاً حول الإفراج عن
المعتقلين إلا أن هناك اتفاق شفوي
على اطلاق (750) معتقلاً على دفعات ممن
لم يقوموا بقتل أو جرح إسرائيليين
ومن تنظيمات غير (حماس) و(الجهاد
الإسلامي) .
ويطالب
الاتفاق السلطة الفلسطينية بتعديل
الميثاق بشكل نهائي عبر عقد
اجتماعات للجنة التنفيذية والمجلس
المركزي واعتماد تعديله عبر اجتماع
يضم هيئات م.ت.ف والسلطة الفلسطينية،
إلا أنه لا يلزم الطرف الإسرائيلي
بوقف الاستيطان أو التوسع في حدود
المستوطنات باستثناء الإشارة إلى
ضرورة توقف الطرفين عن الإجراءات
أحادية الجانب، وذلك في رسائل
ضمانات بعثتها الإدارة الأمريكية
لكل من الطرفين الإسرائيلي
والفلسطيني، وتضمنت معارضة
الولايات المتحدة لإعلان الدولة
الفلسطينية من جانب واحد، وكذلك
معارضتها لاقامة مستوطنات جديدة .
أما
مفاوضات التسوية الدائمة فقد اتفق
على البدء بها بأسرع وقت ممكن حتى
قبل الانتهاء من مفاوضات التسوية
الانتقالية، وهو ما كان يطالب به
نتنياهو وترفضه السلطة الفلسطينية
لأنه سيغرق مفاوضات الحل النهائي
بالقضايا العالقة من الحل الانتقالي
ويضعف موقفها التفاوضي .
اتفاق
أمني جزئي . . الكيان الصهيوني هو
المستفيد الأكبر
القراءة
المتأنية للاتفاق وما تبعه من ردود
فعل إسرائيلية وفلسطينية وعربية
ودولية، تؤكد على التالي :
1- على
الرغم من أنه لا يشكل اتفاقاً
جديداً، وإن استمراراً لاتفاقيات
سابقة، بهدف تطبيقها وتنفيذها، إلا
أنه أرسى قاعدة جديدة تكرس محورية
الإجراءات الأمنية في تطبيقات اتفاق
أوسلو، وتجعلها الضابط والمتحكم في
تنفيذ استحقاقاته وفقاً لمطالب
محددة وواضحة لا تترك مجالاً للسلطة
الفلسطينية للتخلص منها أو تفسيرها
بشكل يتوافق مع مصلحتها.
فالأمن كان
دائماً محوراً أساسياً في اتفاق
أوسلو ولكن تفصيلاته كانت تناقش في
إطار التنسيق الأمني المشترك بين
الفلسطينيين والإسرائيليين الأمر
الذي كان يتيح للطرفين الخروج عن
التفاهمات التفصيلية التي يتم
التوصل لها عبر هذه الاجتماعات. ولكن
اتفاق (واي ريفر) جعل هذه التفاهمات
التفصيلية جزءاً لا يتجزأ من
الاتفاقية وفق جدول زمني محدد،
وبإشراف مباشر من الـ (CIA) وبتنسيق
أمني ثنائي إسرائيلي - فلسطيني،
وثلاثي اسرائيلي - أمريكي - فلسطيني .
2- كرس
الاتفاق مبدأ إعادة التفاوض على ما
تم الاتفاق عليه، فالاتفاق لا يتضمن
بنوداً جديداً، وإنما بنوداً تم
الاتفاق عليها سابقاً، وجرى تعديل
اتفاقات سابقة بشأنها، مثل تحويل
جزء من المنطقة التي سيعاد الانتشار
فيها إلى محمية طبيعية، وإشراك الـ
(CIA) في الإشراف والرقابة على تنفيذ
السلطة الفلسطينية للخطة الأمنية
المطلوبة منها، وإعادة التصويت على
إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني .
3- الاتفاق
لا يمثل اتفاقاً شاملاً لكل قضايا
الحل الانتقالي على عكس ما كانت
تطالب به السلطة الفلسطينية فهو لا
يشمل الاتفاق على مرحلة إعادة
الانتشار الثالثة كما تم تأجيل
قضايا :الميناء، الممر الآمن
الشمالي، القضايا المدنية
والقانونية والاقتصادية، إلى
مفاوضات لاحقة بعد الشروع في تطبيق
الاتفاق .
4- تجاوز
الاتفاق السبب الرئيسي الذي كان
يعطل العملية السلمية، وهو شروع
الحكومة الإسرائيلية ببناء
مستوطنات جديدة وتوسيع القائم منها،
وعلى الأخص مشروع مستوطنة جبل أبو
غنيم الذي توقفت المفاوضات بعده.
وهذا يعني تنازلاً فلسطينياً واضحاً
عن شرط سابق لاستئناف المفاوضات
وانتصاراً لنتنياهو ونهجه المتمثل
بفرض الأمر الواقع ودفع الطرف
الفلسطيني للرضوخ له في نهاية
المطاف .
5- إن
الدخول في مفاوضات الحل النهائي دون
الانتهاء من الحل الانتقالي يعني
تأجيل وترحيل هذه القضايا بما يؤثر
سلبياً على الموقف الفلسطيني من
قضايا الحل النهائي الأكثر صعوبة
وتعقيداً، إذ إن الطرف الإسرائيلي
سيسعى لإغراق المفاوضات بالقضايا
المؤجلة والمرحلة، كما أن الأرضية
التفاوضية التي ستقف عليها السلطة
الفلسطينية ستكون أكثر ضعفاً وهشاشة
.
6- جاء
الاتفاق ليخرج نتنياهو من عزلته
الدولية، ويظهره بمظهر الراغب في
المضي قدماً في التسوية دون أن يقدم
استحقاقاً حقيقياً للفلسطينيين
باستثناء إعادة الانتشار بشروط
تعجيزية ربما لا تستطيع السلطة
الفلسطينية الوفاء بها لتظهر
بالتالي بأنها السبب في تعطيل ما
اتفق عليه، وإذا كان كلينتون قد
استفاد من الاتفاق لتعزيز وضعه
الداخلي، فإن الطرف الفلسطيني كان
هو الخاسر الأكبر من الاتفاق بدءاً
بالتنازلات التي قدمت، ومروراً
بالاستحقاقات التي تهدد نسيج الوحدة
الوطنية الفلسطينية، وانتهاءًَ
بإدارة الظهر للسند العربي الذي كان
بمجمله لا يرغب في إقدام السلطة على
توقيع الاتفاق، وهو ما عكسته ردود
فعل الدول العربية السلبية بعد
توقيع الاتفاق .
7- إن
السماح لـ (CIA) بالإشراف على الخطة
الأمنية للسلطة الفلسطينية يمثل
انتقاصاً جديداً من سيادة هذه
السلطة الهزيلة أصلاً، كما يشكل
اعترافاً ضمنياً بأن الطرف
الفلسطيني هو المعني بانتهاك الشق
الأمني للاتفاقيات، ويجعل مبدأ "التبادلية"
الذي نصت عليه الاتفاقية مقصوراً
على تنفيذ استحقاقات أمنية محددة من
الطرف الفلسطيني دون أن يكون هناك
إجراءات مماثلة من الطرف الإسرائيلي
.
شكوك
حول التطبيق . . والمقاومة مستمرة
إن اتفاق (واي
بلانتيشين) لم يشذ عما سبق من
اتفاقات من ناحية استمرار نهج
التنازلات الفلسطيني وتكريس الأمن
كمحور لعملية التسوية، ولكن حقيقة
توقيعه بضغط مباشر من الإدارة
الأمريكية، وعدم قناعة نتنياهو به
بشكل كامل وسعيه للتملص من
استحقاقاته حتى ولو كانت هزيلة،
إضافة إلى الاشتراطات الأمنية التي
تكاد يكون من المستحيل على السلطة
الفلسطينية أن تنفذها بحذافيرها على
الرغم من جديتها في ذلك، يضع شكوكاً
كبيرة حول إمكانية نجاح تطبيق هذا
الاتفاق على أرض الواقع. فسلوك
نتنياهو والحكومة الإسرائيلية بعد
توقيع الاتفاق ووضعها شروطاً جديداً
غير واردة فيه (مصادقة المجلس الوطني
بأغلبية الثلثين على الاتفاق، إقرار
كل مرحلة إعادة انتشار على حده)
واستمرارها بعمليات الاستيطان،
وإعطائها الضوء الأخضر لبناء
مستوطنة أبو غنيم لأنها ترى أن
تعهدات عدم بناء مستوطنات جديدة لا
تشمل القدس المحتلة . . كل ذلك يشير
بوضوح على أن الاتفاق لم يخرج عملية
التسوية من أزمتها، بل إنه ربما يكون
مقدمة لأزمات جديدة .
ولكن أخطر
ما في الاتفاق أنه يحاول تجريد الشعب
الفلسطيي من عنصر قوته الوحيد
المتبقي (المقاومة) بعدما خسر
العناصر الأخرى المتمثلة
بالانتفاضة والموقف العربي الموحد
نسبياً وإمكانية اللعب على تناقضات
القطبية الثنائية التي كانت سائدة
حتى بداية التسعينات قبل انهيار
الاتحاد السوفياتي. فالمطلوب ليس
فقط تخفيف الآثار السلبية لعمليات
المقاومة على النخبة السياسية
الإسرائيلية التي تتسابق لإظهار
نجاحها على هذا الصعيد أمام شعبها
المكبل بعقدة الأمن والخوف، ولكن
أيضاً حرمان الطرف الفلسطيني من أية
أوراق يمكن أن يستخدمها للضغط
لتحصيل بعض من حقوقه أو التمتع بقوة
ما يسمى بـ "توازن الرعب" مع
الطرف الإسرائيلي لدفعه في النهاية
إلى القبول بما يعرض عليه
إسرائيلياً .
إلا أن
تعويل الاتفاقية على نجاح السلطة
الفلسطينية في تحجيم وضرب المقاومة
الفلسطينية، يبدو تعويلاً في غير
محله، فقد فشلت اسرائيل بكل قوتها
وعلى مدى موجات متواصلة من الملاحقة
والضرب في توجيه ضربة قاصمة
للمقاومة الفلسطينية ومنعها من
الاستمرار في عملياتها ضد الاحتلال،
كما فشل التنسيق الأمني الفلسطيني -
الإسرائيلي - الأمريكي في تحقيق هذا
الهدف. ولم تنجح الهجمة الشرسة
للأجهزة الأمنية الفلسطينية قبل
وبعد مؤتمر شرم الشيخ في وضع حد
لهجمات المقاومة المسلحة وإن كانت
قد نجحت في إضعافها لفترات معنية .
الواضح أن
المقاومة الفلسطينية ستستمر، وأن
السلطة الفلسطينية إن استمرت في
الضغط على الشعب الفلسطيني بآليات
ووسائل (واي بلانتيشين) المتمثلة
بإخراج التنظيمات المسلحة عن
القانون، ومصادرة الأسلحة،
والاعتقالات المبرمجة إسرائيلياً
وأمريكياً، وقانون ما يسمى بـ "منع
التحريض" فإنها بذلك ستعرض الشعب
الفلسطيني لخطر فتنة وحرب أهلية لا
يستفيد منها إلا الطرف الإسرائيلي .
كما أن
موقف المعارضة الفلسطينية وعلى
رأسها حماس من الاتفاقية، يبدو هذه
المرة أقوى وأكثر جاذبية، كونه
يستند إلى تذمر عربي رسمي عبرت عنه
دول رئيسية بأشكال مختلفة (سوريا -
مصر - السعودية)، إضافة إلى تزايد
وتنامي المعارضة الشعبية للاتفاق
عربياً وإسلامياً. وفوق ذلك، فإن
استمرار نهج نتنياهو المتشدد لا
يعطي فرصة كبيرة لهذه الاتفاقية
للنجاح مما يجعل العودة إلى دائرة
التأزم ممكنة، ويعطي المزيد من
المشروعية لبرنامج المقاومة
الفلسطيني .
|