|
بعد
خمسة أعوام على توقيعه
هل
فشل اتفاق أوسلو أم ظهرت حقيقته ؟
17
أيلول 1998
لا
يمكن تجاوز سلاسل الإخفاق التي مر
بها تطبيق اتفاقات الحكم الذاتي
المعروفة باتفاقات أوسلو، غير أن
التقييم المنطقي والمجرد يحتم على
المتابع التوقف ملياً عند مجموعة من
الملاحظات التي قد تسهم في فهم
مستقبل الاتفاق وبالتالي الصراع
العربي – الصهيوني وعلى جبهته
الفلسطينية تحديداً.
الملاحظة
الأولى أن حصاد الاتفاق ليس سواء على
جانبيه: فالحصاد الفلسطيني يتمثل في
الحصول على حكم ذاتي محدود ومرتبط
بالاحتلال على رقعة لا تزيد عن 8% من
مساحة الضفة (أقل من 2% من مساحة
فلسطين)، وتفتيت الأرض الفلسطينية
لتصبح جزراً معزولة وسط بحر من
المستوطنات والمناطق العسكرية
الإسرائيلية، إضافة إلى تزايد رقعة
الاستيطان ومصادرة الأراضي،
واستمرار هيمنة وسيطرة الاحتلال على
الأرض والثروات الطبيعية والمعابر
والحدود .
أما
على الجانب الاقتصادي، فتمثل ذلك
بارتفاع نسب البطالة بين قوة العمل
الفلسطينية التي أصبحت تتراوح ما
بين 40 و 50% تبعاً لتشدد إجراءات الأمن
التي يفرضها المحتل على العمال
الفلسطينيين، مقارنة بأقل من 30% قبل
توقيع الاتفاقات، فيما انخفض دخل
الفرد الفلسطيني في الضفة الغربية
وقطاع غزة بنحو 30% منذ تطبيق
الاتفاقات .
أما
أمنياً فقد وضع الاتفاق وملحقاته
سيفاً آخر على عنق الشعب ولم يرفع
سيف الاحتلال، وحسب الإحصاءات
المختلفة فإن السلطة الفلسطينية
التي أنشئت بموجب الاتفاقات قتلت 20
فلسطينياً أثناء احتجازهم وعدداً
أكبر إما بطريق الخطأ أو تصرفات
فردية أو أثناء قمع مواجهات دارت يوم
18 تشرين ثاني/ نوفمبر 1994 ولم تتورع
السلطة عن شن حملات اعتقال واسعة في
صفوف أنصار ونشطاء حركة "حماس"
وفصائل المقاومة الأخرى عقب كل
عملية ضد الاحتلال، وكانت السلطة
دشنت عهدها بالاعتقالات بعد شهر
واحد من دخول ياسر عرفات مناطق الحكم
الذاتي، غير أن أشرس تلك الحملات بدأ
في 25 شباط / فبراير 1996 واستمر نحو
ستة أشهر طال خلالها ألفي ناشط رداً
على سلسلة عمليات الثأر للشهيد يحيى
عياش .
ولا
زالت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية
تحتجز أكثر من 200 ناشط من حركة (حماس)
دون محاكمة في محاولة لخلخلة البنية
التنظيمية لحركة (حماس) وإنهاكها على
المدى الطويل، فيما لا يزال أكثر من
ثلاثة آلاف سجين فلسطيني يقبعون في
سجون الاحتلال، حيث أفرج عن بضع مئات
منهم في صفقات هزيلة مع حكومة رابين
بشكل خاص، التي أطلقت سراح معتقلين
شارفت مدة اعتقالهم على الانتهاء أو
معتقلين بتهم غير أمنية مقابل
الحصول على تنازلات سياسية كبيرة من
السلطة الفلسطينية .
ولم
تفلح السلطة في توفير الأمن
للمواطنين الفلسطينيين حيث نفذت
سلطات العدو سلسلة من الاغتيالات
طالت نشطاء المقاومة في مناطق الحكم
الذاتي وتشير كثير من المؤشرات إلى
أن السلطة لم تفشل فحسب في حماية من
تقول إنهم مواطنوها بل تواطأت
أحياناً مع العدو لقتلهم كما في
جرائم الشهداء كمال كحيل ويحيى عياش
ومحيي الدين الشريف وعماد وعادل عوض
الله .
النظام
الذي أقامته السلطة الفلسطينية
حديثاً ورث مساوئ الاحتلال وفساد
الأنظمة المحيطة، مما أدى إلى ترهل
إداري وفساد مالي وأخلاقي، وتحولت
السلطة إلى بؤرة إفساد منهجي ومنظم،
عبر نشر قيم الاستهلاك المادي
والتفسخ الأخلاقي (انتشار عروض
الأزياء والنوادي الليلية والتي
توجت بافتتاح كازينو قمار في أريحا)
ووجه هذا الواقع الجديد ضربة قاسية
لبنية مجتمع المقاومة والصمود وترك
الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام
حملات الإفساد الصهيوني لضرب روح
المجتمع الفلسطيني .
حصاد
الهشيم فلسطينياً يقابله نجاحات
صهيونية عدة، إذ استطاع الصهاينة في
سنوات حكم حزب العمل اجتذاب
استثمارات اقتصادية ضخمة من خلال
إقناع العالم بانتهاء الصراع، كما
تمكنت الدولة العبرية من الحصول على
اعتراف عشرات الدول المؤيدة للجانب
العربي في الصراع، وتعزيز علاقاتها
العسكرية والتجارية والسياسية مع
دول عربية وإسلامية .
وبدلاً
من تحمل تكاليف الاحتلال المالية
الباهظة، نقلت سلطات العدو
المسؤوليات المدنية (التعليم،
الصحة، الخدمات البلدية، ..الخ)
المعروفة بقدرتها على استهلاك
الميزانيات الحكومية إلى السلطة، مع
احتفاظها بالسيادة المطلقة وبدور
أمني مباشر وغير مباشر في مناطق
الحكم الذاتي وهو ما أكدته أحداث
السنوات الخمس الماضية .
كما
تمكنت الدولة العبرية من نقل جزء مهم
من عبء حماية أمنها إلى أجهزة السلطة
على حساب أمن الشعب الفلسطيني الذي
تُرك نهباً للتدخلات والاختراقات
الصهيونية، بل وحتى العمل المباشر
للاحتلال وعملائه داخل الأراضي
الفلسطينية. وقد تكفلت الأجهزة
الأمنية للسلطة الفلسطينية بقدر لا
بأس به من العمل القذر للاحتلال،
وعملت بكامل طاقتها وإمكاناتها من
أجل تحجيم المقاومة بشقيها الشعبي
والعسكري، وحاولت دفع العلاقة مع
القوى الرافضة لاتفاق أوسلو إلى
حافة هاوية الصدام الداخلي، كما
تعاملت السلطة الفلسطينية مع هذه
القوى وعلى الأخص (حماس) من منطلق
التحجيم والإضعاف بل وحتى الاستهداف
الأمني، وتعاملت مع الحوار معها من
منطلقات إعلامية وتكتيكية بحتة بهدف
خدمة مشروعها الخاص، وليس لتحشيد
طاقات الشعب الفلسطيني لمواجهة
التشدد الصهيوني، أو حتى محاولة
تنظيم الخلاف في الشارع الفلسطيني .
الملاحظة
الثانية أن الاتفاق الذي لم يغادر
غرفة الإنعاش منذ ميلاده تمكن من
إيجاد واقع جديد في المنطقة وعلى
جبهة الصراع، إذ بات المرجع المعتمد
لدى معظم الأطراف العربية والغربية
للحكم على وضع الصراع، وأصبح التقدم
في تطبيق بنود الاتفاق على علاّته
التي لا تحصى مؤشراً على نهاية
الصراع والانتقال إلى مرحلة جديدة
تقود إلى التعايش، أما تعثر التطبيق
فهو المشكلة وليس وجود الاحتلال
واغتصاب الحقوق !
من
زاوية أخرى فإن الاتفاق حجّم دائرة
الصراع وحصرها بين الفلسطينيين
والصهاينة، كما نقله من مربعاته
القومية والتاريخية والحضارية إلى
المربع الإنساني، وأضحى شعار
الأطراف العربية والفلسطينية
محصوراً في التخفيف من معاناة الشعب
الفلسطيني، وقد لاقى هذا الشعار
رواجاً فل ظل الانكسار العام الذي
أصاب روح الأمة بعد هزيمة العراق في
حرب الخليج الثانية .
الوجه
الآخر للواقع الجديد الذي صنعته هو
تقييم أي نشاط مقاوم على ضوء تأثيره
على الاتفاق وتطبيقاته العملية، وهو
ما تمثل في حضور معظم الأطراف
العربية مؤتمر شرم الشيخ في العام 1996،
ولم تعد المقاومة بمفهومها المطلق
دون أي اعتبار للظروف السياسية
مبررة عربياً، وإن أسهم وجود اليمين
الصهيوني في الحكم وممارساته
الاستفزازية في التخفيف من حدة هذه
النظرة لدى معظم الأطراف العربية .
الملاحظة
الثالثة أن معارضي الاتفاق على
الجانب الإسرائيلي نجحوا في توجيه
ضربة قوية له عقب وصولهم إلى مقاعد
السلطة في الكيان الصهيوني عبر وقفه
عند الحد الذي وصل إليه بعد اتفاق
الخليل، ورفض تقديم استحقاقات الحل
الانتقالي على الرغم من ضعفها
وهزالها، وقد أتاح ذلك إظهار عيوب
هذا الاتفاق وقلص من حجم التوقعات
الفلسطينية والعربية منه .
غير
أن السؤال الأساسي يجب أن يبقى: هل
فشل الاتفاق أو ظهرت حقيقته؟
إن
تقييم نجاح وفشل الاتفاق يجب أن يتم
من زاوية الغاية التي وضع من أجلها،
وحيث أن الاتفاق لم يستهدف الوصول
إلى حل يعيد الحقوق إلى أصحابها (وإن
ظن أصحاب اتفاق أوسلو ذلك كما يقولون)،
وإنما سعى إلى عزل القضية
الفلسطينية عن محيطها العربي قبل
الانتقال إلى تجزئتها إلى قضايا
منفصلة يربطها منطق الأمن الصهيوني
والقراءة الصهيونية لتاريخ المنطقة
والصراع .
من
هذه الزاوية يمكن القول بثقة أن
الاتفاق ذو وجهين، حيث كان كارثة
ووبالاً على الفلسطينيين والعرب، إذ
أنه فشل في تحصيل الحقوق والأرض
الفلسطينية، ورسخ السلطة
الفلسطينية كأداة بيد المحتل، أما
وجهه الصهيوني فهو الذي ساد المشهد
بعد خمس سنوات من التطبيق المضطرب،
مما يعد إنجازاً لواضعي الاتفاق من
الصهاينة الذين نجحوا في جعل
المعسكر في خندقين متقابلين، يسعى
المتمرسون في أحدهما إلى تدمير وضرب
الطرف الآخر في الوقت الذي يديرون
ظهرهم للاحتلال الجاثم على الأرض .
كما
خلخل الاتفاق الكثير من مفاهيم
الجانب العربي والفلسطيني حول
الصراع، وإن كان الصعود اللاحق
لليمين المتطرف وإصراره على استفزاز
العرب والمسلمين أعاد عدداً من
المفاهيم الحضارية إلى واجهة العقل
العربي والفلسطيني .
مستقبل
الاتفاق ليس رهناً لنجاحه أو فشل
تطبيقه على أرض الواقع حسبما يروج له
صناعه من الفلسطينيين. إذ أن أهم
إنجازات أوسلو كان إفراز طبقة
فلسطينية تستفيد من وجود الاتفاق
وترتبط به عضوياً، وإزالة أوسلو أو
سقوطه يستدعي سحب البساط من تحت هذه
الطبقة وعزلها فلسطينياً وعربياً.
أما التعويل على يقظتها القادمة
وتعلمها من دروب التجربة فأمر
مستبعد إن لم يكن مستحيلاً، كما أن
سقوط الاتفاق بمعنى انتفائه كقاعدة
للعلاقة وأساساً لفهم الصراع من
جانب أطراف عربية ودولية عدة تحت
وطأة سلسلة من الإخفافات التي تعوق
تطبيقه كاملاً أمر مستبعد كذلك في ظل
الدعم الذي توفره الولايات المتحدة
وأوروبا ودول عربية فاعلة للاتفاق
وارتباط الجانب الفلسطيني الرسمي به
إلى جانب حرص الجانب الصهيوني على
عدم الإطاحة بالاتفاق نهائياً
وعلنياً .
|