الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة


الخرائط الصهيونية "المتنافسة" ترسم معالم

حل نهائي في غياب البدائل الضغوط العربية

2/2/1998م

اختتمت في واشنطن سلسلة الاجتماعات بين الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وكل من نتنياهو وعرفات دون التوصل إلى أي نتائج ملموسة، واقتصرت تصريحات المشاركين في الاجتماعات على الإشادة بـ(دفئ اللقاءات) و(إحراز بعض التقدم). إلا أن ذلك لم يغير من واقع الفشل الذي عبرت عنه التلميحات والتصريحات على المستوى الفلسطيني، وكذلك الحديث عن (استمرار الحاجة لإجراء المزيد من المفاوضات) .

فشل الاجتماعات المرتقبة أعاد عملية التفاوض إلى نقطة البداية من جديد، إذ لم تفلح محاولات الإدارة الأمريكية في زحزحة نتنياهو عن موقفه حول مساحات إعادة الانتشار في أراضي الضفة المحتلة، ولم تحظ الأفكار الأمريكية التي تتعلق بتنفيذ إعادة انتشار (يعتد به) مع إمكانية تقسيط ذلك إلى مراحل ثلاث بالتزامن مع تنفيذ السلطة الفلسطينية للمتطلبات الأمنية، بموافقة من نتنياهو الذي ذهب للقاء كلينتون دون أي تفويض من حكومته بإبداء أي مرونة حول نسبة المساحة التي سيعيد جيش الاحتلال انتشاره فيها بحيث لا تتجاوز 9% من مساحة الضفة المحتلة .

الخرائط الصهيونية المتنافسة ترسم معالم الحل النهائي

وفي ظل استمرار الجمود القائم تظل الخطط الصهيونية وحدها الفاعلة في ميدان رسم التصور النهائي للقضية الفلسطينية على قاعدة موازين القوى القائمة. وفيما تنشغل الإدارة الأمريكية بفضائح الرئيس، ويبحث مفاوضو سلطة الحكم الذاتي عن دعم كاف لمواجهة خطط نتنياهو، يحتدم في المعسكر الصهيوني صراع يطفو حيناً ويختفي حيناً آخر بين عدة مقترحات للحل النهائي أبرزها حتى الآن مقترح قدمه وزير البنى التحتية أرئيل شارون وآخر قدمه وزير الحرب اسحاق مردخاي ويمثل مقترح شارون وجهة النظر "المتشددة" حسب معايير الإعلام الغربي وهو يدعو إلى خريطة قدمها لمجلس الوزراء ونوقشت في جولات ميدانية قام بها أعضاء الحكومة الإسرائيلية في أجواء الضفة الغربية إلى إبقاء السيطرة الإسرائيلية المباشرة على 65% من أراضي الضفة الغربية، وعدم إخلاء أي مستوطنة إسرائيلية في الضفة، أما خريطة مردخاي التي حظيت بقدر أقل من النقاش – حسبما يبدو من تلويحات مردخاي بالاستقالة، فتمثل حسب التصورات الإعلامية الغربية وجه نظر "المعتدلين" داخل حكومة نتنياهو، ويدعو مردخاي إلى سيطرة صهيونية مباشرة على 56% من أراضي الضفة الغربية وإلى إخلاء بضعة مستوطنات صغيرة متناثرة يصعب حمايتها وتأمين حرية تنقل سكانها بين التجمعات اليهودية .

وفي ظل اختلال المعايير يبرز وزير الخارجية الإسرائيلية المستقيل ديفيد ليفي في صورة حمامة تصارع الصقور لإنقاذ عملية السلام، ورغم أن ليفي لم يعرض تصوراً متكاملاً للحل إلا أنه دعا إلى انسحاب (إعادة انتشار في الواقع) القوات الصهيونية من 10% من الريف الفلسطيني في إطار تطبيق مرحلة ثانية (وربما أخيرة) من الاتفاقات الانتقالية، وعرض ليفي الهادف إلى إنقاذ عملية السلام حسب تعبيره جاء رداً على تصورات عرضها نتنياهو للانسحاب من 6-8% من الريف الفلسطيني قبل الانتقال إلى المرحلة النهائية، وقد عرقلت احتجاجات داخل مجلس الوزراء خطط إعادة الانتشار في أجزاء من الضفة الغربية ونقلها لإدارة السلطة مما استدعى تركيز حكومة نتنياهو على بلورة صورة الحل النهائي وترك فكرة تنفيذ إعادة انتشار جديدة لمعطيات الواقع ومستجداته .

خارج إطار مسميات "الاعتدال" و"التطرف" داخل صفوف اليمين الإسرائيلي ترتسم معالم حل نهائي إسرائيلي، فخريطتي شارون – مردخاي المتصارعتين بشكل استعراضي تلتقيان مع الخطوط العريضة لمشروع ألون الموسع الذي اعتبره نتنياهو من قبل إطاراً للحل النهائي، وتبرز نقاط الالتقاء فيما يلي:

إقامة شريط أمني على طول الحدود مع نهر الأردن (بعرض 20 كليومتر يقول شارون) وذلك لأهمية هذا الشريط لأعمال التدريب والمناورة وحماية أمن الكيان الصهيوني من أي هجمات مزعومة عسكرية من الشرق .

إقامة شريط أمني على طول الحدود بين الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948، مع تعزيز الوجود الاستيطاني في تلك المنطقة لإقامة سد عازل بين الفلسطينيين والتجمعات اليهودية وراء الخط الأخضر القديم.

إبقاء منطقة القدس الكبرى (الممتدة من جنوب رام الله وحتى شمال بيت لحم) تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة بشكل يفصل الضفة الغربية إلى قسمين شمالي وجنوبي .

إبقاء مصادر المياه تحت سيطرة الدولة العبرية باعتبارها قضية اقتصادية وحيوية للوجود الصهيوني إضافة إلى أن الهيمنة على الثروات هي من المعالم السيادية لأي دولة حقيقية .

عدم إخلاء القواعد العسكرية الكبيرة للجيش الإسرائيلي في الضفة .

ربط المستوطنات اليهودية بشبكة طرق التفافية تربط فيما بينها من جهة وتربطها بالتجمعات اليهودية داخل الخط الأخضر، ومن هذه الطرق طريق عابر الضفة الذي يمتد من شمال الضفة إلى جنوبها وطريقي عابر السامرة وهو طريق عمودي يقطع شمال الضفة وعابر (يهودا) الذي قطع جنوب الضفة وتتصل الطرق الثلاث في نقاط محددة لتسهيل تنقل العسكريين والمستوطنين اليهود بعيداً عن التجمعات الفلسطينية .

وما يتبقى من أراض يخصص لإقامة كيان فلسطيني لا يستطيع ممارسة السيادة على الأرض ولا إقامة جيش خاص به ولا السيطرة على المعابر مع الأردن وإطار هذه الشروط يدور جدل بين "المعتدلين" و"المتطرفين" داخل الدولة اليهودية حول مسمى هذا الكيان إذ يرى حزب العمل إمكانية تسمية هذا الكيان بـ"دولة" بينما يعارض الليكود والأحزاب اليمينية ذلك، ولكن الطرفين يتفقان حول شروط ومحددات الكيان الفلسطيني الذي سيقوم .

حصاد اتفاق أوسلو

صراع الخرائط الإسرائيلية يشكل في جوهره حصاداً لما زرع في أوسلو ونضج في اتفاق الخليل، إذ رغم إصرار السلطة الفلسطينية أن المخططات الصهيونية هي تجاوز لاتفاقات أوسلو إلا أن الواقع يثبت عدم وجود بنود حول شكل ومعالم التسوية النهائية في بنود الاتفاق، كما أن ما جرى التوصل إليه في اتفاق الخليل يكشف عن قبول فلسطيني بترك تحديد حجم إعادة الانتشار خاضع للتقديرات الأمنية الصهيونية ففي رسالة تعهدات بعث بها وزير الخارجية الأمريكي السابق وارن كريستوفر إلى نظيره الصهيوني لإقناعه بالتوقيع على اتفاق الخليل، ونشرتها الخارجية الصهيونية على موقعها الخاص على شبكة الإنترنت ورد ما يلي:

((إن عملية إعادة الانتشار اللاحقة ستتم في الضفة الغربية (ليس من الضفة الغربية) والمناطق التي ستتم فيها لن تشتمل على مستوطنات أو مواقع عسكرية وحدود، كما لن تجري في المناطق التي خصصتها إسرائيل للاستيطان وفق مسؤولياتها عن حدود إسرائيل بكاملها (..) إن موقع ومدى هذه المناطق تحددهما إسرائيل في ضوء اهتماماتها  الأمنية)).

وفي موقع آخر من الوثيقة يقول كريستوفر ((لقد أكدت ذلك على الرئيس (تشيرمان بالإنجليزية) عرفات))، ومن الجدير بالإشارة أن السلطة الفلسطينية حصلت على نسخة من الرسالة الأمريكية .

الرسالة السابقة تعني قبولاً أمريكيا بربط الوضع الجغرافي في الضفة والقطاع بالأمن الصهيوني وموافقة فلسطينية ضمنية (حسب الرسالة) على هذا الموقف .

وفي بنود وثيقة اتفاق الخليل نقرأ التالي: ((فقط أثبت الجانب الفلسطيني أنه قادر وذو إدارة على الالتزام بمسؤولياته الأمنية تعتبر إسرائيل ملزمة بنقل مساحات إضافية من الضفة الغربية للإدارة الفلسطينية، وحسب مجريات التفاوض وآلياته فإن الإدارة الأمريكية هي المخولة بتحديد مدى الالتزام والقدرة الفلسطينية على الوفاء بالتعهدات، ولكن حسب البنود السابقة الواردة في الرسالة فإن الولايات المتحدة تقر بحق إسرائيل بتحديد شروط الأمن وبالتالي الحكم على مقدار التزام السلطة بمسؤولياتها الأمنية .

إن استعراض الإنجاز الصهيوني في مجال تحديد مفهوم الأمن الصهيوني ومقدار التزام السلطة بحفظه ضروري لفهم القاعدة القانونية التي وفرتها اتفاقات أوسلو لرسم خرائط شارون مردخاي للحل النهائي .

كما أنه مؤشر على مقدار الضغط الذي يمكن للإدارة الأمريكية ممارسته ضد الحكومة الصهيونية، وهو ضغط ظهرت حدوده في تجارب سابقة مثل إصرار الحكومة الصهيونية على الاستيطان رغم الانتقادات الأمريكية وعدم تقدير خرائط خلال لقاء نتنياهو – أولبرايت في باريس رغم وعد سابق بذلك .

وباستثناء التعهدات الأمريكية لإسرائيل والشراكة الأمريكية – الصهيونية الاستراتيجية فإن قدرة الولايات المتحدة على ممارسة ضغوط على إسرائيل في ظل حكومة كلينتون الحالية ذات الصبغة اليهودية الواضحة تبدو محدودة جداً، ومن المستبعد أن تقدم إدارة كلينتون على اتخاذ إجراءات ضغط فعلية على نتنياهو إلا بقدر يحفظ بها هامش مناورة في المنطقة العربية ويبقى على هيكل عملية السلام منتصباً في وجه تجدد الصراع العسكري بين العرب والدولة اليهودية .

إلى جانب ذلك فإن الإدارة الأمريكية ما زالت ملتزمة بموقف سابق أعلنته مراراً ويقضي بعدم فرض تصور على أي من الجانبين ولذا فإن الإدارة الأمريكية لم تبلور تصوراً محدداً للحل النهائي وأقصى ما تفعله هو مطالبة نتنياهو (كما جرى في باريس خلال لقاء أولبرايت – نتنياهو) بمراعاة ظروف ومطالب الطرف الآخر .

السلطة الفلسطينية بين فكي كماشة

من ناحية أخرى فإن من المستبعد قبول السلطة الفلسطينية بالعرض الصهيوني (ما لم تتعرض لضغوط أمريكية كبيرة)، وسبب رفض السلطة رغم حاجتها الماسة لتحريك بركة السلام الراكدة يرجع إلى عاملين أساسيين الأول: رهانها المتزايد على سقوط حكومة نتنياهو .

والثاني: الموقف العربي المتماسك نسبياً في وجه حكومة نتنياهو، وخوف السلطة من مغبة الانجراف مجدداً وراء حاجاتها الداخلية بمعزل عن الدعم العربي مثلما جرى في أوسلو، ويدرك قادة السلطة أن مغامرة جديدة بهذا الحجم سترفع عنهم الغطاء العربي وتتركهم وحيدين في مواجهة إسرائيل .

ومن المتوقع أن يلتف عرفات على اجتماع واشنطن بمطالب من قبيل القوات الدولية وخريطة لا تحمل جديداً تطالب بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع مع تنازلات محدودة لإثارة اهتمام الإدارة الأمريكية وشهية الإعلام، وذلك بانتظار سقوط نتنياهو .

في المقابل فإن السلطة تدرك حجم الخطر الذي يتهدد وجودها في حال قررت رفض المطالب الصهيونية، إذ أن وجودها ومستقبلها مرهون بالاحتلال، الأمر الذي يرجح استمرار تفعيل الشق الأمني من الاتفاقات لإقناع الأمريكان باستمرار التزامها بعملية التسوية، ولقطع الطريق على مبررات نتنياهو في عرقلة تطبيق الشق الجغرافي لاتفاقات أوسلو. ومن ناحية أخرى، فمن المستبعد موافقة السلطة على أي برنامج للمصالحة والوحدة الوطنية على قاعدة المقاومة، فهي تفضل الانتظار على أمل حدوث تغير حقيقي على أرض الواقع ينتشلها من مأزقها الحقيقي .

ومن الواضح أن الفروقات بين المساحة التي يعرضها نتنياهو لإعادة الانتشار وتلك التي تطالب بها الإدارة الأمريكية ليست كبيرة، مما يجعل فرصة الوصول إلى حل وسط مع حكومة نتنياهو ممكنة ومتوقعة، الأمر الذي سيوفر للسلطة الفلسطينية فرصة للقبول بالأمر الواقع، لا سيما وأن طلبها بإعادة الانتشار في 30% من الضفة الغربية قوبل برفض أمريكي خلال لقاء عرفات – كلينتون الأخير. وتبقى المشكلة الكبرى هي رفض حكومة نتنياهو إجراء إعادة انتشار أخرى باستثناء هذه المرحلة .

هل انتهت عملية التسوية؟

هذا السؤال بات مطروحاً الآن بقوة أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً بعد فشل قمتي كلينتون – عرفات – نتنياهو في تحريك بركة التسوية الراكدة .

إن اتفاق أوسلو الذي يم ينفذ أياً من بنوده منذ اكثر من عام (بعد اتفاق الخليل) بات رهينة لمواقف الطرف الصهيوني، وعرضة للتبديل والتغيير حسب طبيعة هذا الموقف وحساباته السياسية والأمنية، حتى لو تطلبت هذه الحسابات تعطيل بنود رئيسية من هذا الاتفاق وعلى رأسها إعادة الانتشار في الضفة المحتلة. إن ما يسعى إليه نتنياهو هو الوصول لاتفاق جديد يتم فيه القفز عن اتفاق أوسلو، على الرغم من ضعفه وهزالته بالنسبة للفلسطينيين، الأمر الذي يؤكد أن اتفاق أوسلو أصبح بحكم الميت، وأن ما يجري حالياً هو مفاوضات صهيونية – صهيونية وليس مفاوضات صهيونية – فلسطينية.

إلا أن موت أوسلو لم يسفر حتى الآن عن انتهاء عملية التسوية التي لم يتبق منها حتى الآن غير المفاوضات على المسار الفلسطيني بعد التعطل الكامل للمسارين السوري واللبناني. فكما هو ظاهر، فإن تكثيف المفاوضات بوساطة أمريكية يهدف منه استمرار إعطاء الانطباع بأن هذه العملية ما زالت حية على الرغم من التغييرات التي يجريها الصهاينة على أسس الاتفاقات بل وحتى تفاصيلها. ولذلك إن مسؤولية إعلان موت التسوية منوط بالدرجة الأولى بالسلطة الفلسطينية التي تحجم حتى الآن عن تحمل المسؤولية التاريخية بالانسحاب من المفاوضات، لقناعتها أن الحل الوحيد للقضية هو بالمفاوضات وأن مصيرها ومستقبلها مرتبط بها، ولذلك من المتوقع استمرار مفاوضات أوسلو، وترسيخ التصور الصهيوني للحل الدائم، والقائم على منح الفلسطينيين كيانأً أقل من الدولة المستقلة والذي يشترك فيه حزبا الليكود والعمل ولن يتغير بتغير الحكومة الصهيونية الحالية .

وفي ظل هذا الوضع يستمر برنامج المقاومة في تعزيز وترسيخ شرعيته ووجاهته، وتزداد الحاجة لتفعيل وتطوير برنامج المعارضة السياسية داخل وخارج الأرض المحتلة والذي يفترض أن تضطلع بها حماس بصفتها العمود الفقري للمعارضة الفلسطينية .