المبادرة
الأمريكية .. "حملٌ كاذب" تحاول
تل أبيب إجهاضه
31
مارس 1998م
قد
يكون من المهم جداً إزاء الصخب
الإعلامي الذي ملأ أجواء المنطقة
مؤخراً، بشأن مبادرة أمريكية مرتقبة
لإنعاش مسيرة التسوية المتعثرة بشكل
كامل منذ ما يزيد على العام،
الالتفات إلى أن جعبة واشنطن،
وحقيبة روس الذي زار المنطقة
أخيراً، لم تحمل أي جديد، وأن
المبادرة الأمريكية التي كانت
محوراً دبلوماسياً وإعلامياً
صاخباً خلال الأيام الأخيرة، ليست
سوى "حمل كاذب" بدليل أن
الأفكار والمقترحات التي تبادلها
المبعوث الأمريكي دينيس روس مع
عرفات ونتنياهو، لم تتعد كونها
تكراراً لما طرحته واشنطن قبل حوالي
شهر وتحديداً عندما زارت مادلين
أولبرايت وزيرة خارجية الإدارة
الأمريكية المنطقة أواخر شباط (فبراير)
الماضي. سواء من حيث نسبة إعادة
الانتشار للجيش الإسرائيلي في
الضفة، أو الجدول الزمني لتنفيذ هذا
الانتشار، إلى جانب الشروط الواجب
على السلطة الفلسطينية التقيد بها
مقابل تحقيق هذا الانسحاب، حيث
تقترح واشنطن أن تبلغ نسبة إعادة
الانتشار في الضفة الغربية 13,3% فيما
يصر الكيان الإسرائيلي على أن لا
تزيد هذه النسبة عن 9%، ويطالب
الفلسطينيون من جانبهم بـ30%
وبمقارنة هذه الأرقام، يتبين بوضوح
أي يقف المقترح الأمريكي، ومدى قربه
من الرقم الإسرائيلي، ولكن بالرغم
من ذلك فإن نتنياهو من جانبه خاض
مفاوضاته مع روس بفتور ملحوظ، ورفض
خلالها أية أفكار أمريكية تعرض أمن
إسرائيل للخطر على حد قوله، وهو يرى
أن نسبة 13,1% تعتبر تهديداً للأمن
الإسرائيلي، من جانب آخر ورغم ضآلة
النسبة التي اقترحتها واشنطن، إلا
أن السلطة الفلسطينية بدت أكثر
ليناً هذه المرة، عندما اعتبرت
الأفكار الأمريكية محل ترحيب لديها،
شريطة أن تشمل ضمانات واضحة
بالتنفيذ، إلى جانب وعود أمريكية
بوجود مرحلة ثالثة لإعادة الانتشار
وبوقف توسيع الاستيطان الإسرائيلي،
وتسوية قضايا المرحلة الانتقالية
العالقة، كالمطار والميناء
والمنطقة الصناعية .. الخ، كما أعلن
رئيسها ياسر عرفات موافقته على عقد
قمة مع نتنياهو في واشنطن لدفع عجلة
السلام وهو ما كان يرفضه سابقاً
بدعوى أن لا جديد يستحق البحث .
وهذا
يعيدنا إلى معادلة التفاوض المختلة،
والتي تقود دائماً إلى النتيجة
نفسها هي أن الفلسطينيين مطالبون
بالتنازل مجدداً من أجل سلام، لا
يعيد لهم حقاً مغتصباً، وإنما سلام
يضمن أمن المستوطن الإسرائيلي
والجندي الإسرائيلي، والحدود
الإسرائيلية. هذا إذا وافقت الدولة
العبرية أصلاً على المضي في دربه .
حيث
بلغ التشدد الإسرائيلي في رفض
المقترحات الأمريكية برفع نسبة
الأراضي التي من المتوقع أن يتم
الانسحاب الإسرائيلي منها في الضفة
الغربية، إلى حدود اعتبار هذه
المقترحات، إملاءً أمريكياً
مرفوضاً، ويتعارض مع المبادئ
والمصالح الإسرائيلية الاستراتيجية
.
لكن
الملفت للنظر في كل ما جرى على هامش
التحرك الأمريكي الأخير إزاء
استئناف المفاوضات الفلسطينية –
الإسرائيلية، هو رغبة واشنطن
الصريحة في استئناف هذه المفاوضات
بأي أسلوب كان. وذلك أن حالة الجمود
والاحتقان، بدأت تدريجياً بتدمير
الأطر والترتيبات العامة التي
رسختها مسيرة التسوية منذ مؤتمر
مدريد، بدليل أن مسؤولين ومراقبين
توقعوا وجود استعداد أمريكي لعقد
لقاء شبيه بمؤتمر مدريد ولكن بحضور
عربي أكبر قد يشمل السعودية ومصر
وقطر والأردن وعُمان والمغرب وتونس
إلى جانب الدولة العبرية والسلطة
الفلسطينية بهدف تحقيق المبادرة
الأمريكية وتحريك عملية السلام.
وهذه الرغبة الأمريكية هي بحد
ذاتها، التي دفعت تل أبيب إلى التشدد
أكثر فأكثر، خصوصاً أن الحكومة
الإسرائيلية الحالية، لديها تحفظات
جوهرية على اتفاقات أوسلو، وجدولها
الزمني واستحقاقاتها الإسرائيلية
من الأساس .
الأمر
الآخر، أن نتنياهو لا يبدو معنياً
كثيراً بتلبية رغبة واشنطن وإعادة
الدماء لشرايين العملية السلمية،
حيث شعبية هذا الأخير، بدأت بالعودة
لسابق عهدها، على صدى ذات الوعود
التي قدمها للناخب والمستوطن
الإسرائيلي عشية انتخابات أيار /
مايو عام 1996. ولذلك كان الخطاب
الرسمي الإسرائيلي، في غمرة انهماك
واشنطن بترتيب إداراتها واستكمال
مبادرتها لإنعاش المسار الفلسطيني
– الإسرائيلي، ينهمك ببلورة مقدمات
إسرائيلية جديدة الشكل قديمة
المضمون بشأن الانسحاب من جنوب
لبنان، وهذا الالتفاف الإسرائيلي
على المساعي الأمريكي حمل بالـتأكيد
مؤشرات على مدى تحفظ تل أبيب على
مبادرة واشنطن حتى الآن .
حتى
الآن ورغم كل المحاولات يبدو العام
1998 مخالفاً لتوقعات مادلين أولبرايت
بأن يكون عام تحقيق السلام في الشرق
الأوسط فيما السياسة الأمريكية لا
تزال تسير ضمن سياق التراجع الذي
منيت به بدءاً من أواخر عام 1995 وحتى
الآن. في حين أن حكومة نتنياهو التي
راهن علي سقوطها الكثيرون تبدو
اليوم وقد رسخت أقدامها بالفعل وبات
مرجحاً أن يكمل نتنياهو فترة رئاسته
كاملة حتى عام 2000 .
لكن
الحيلولة دون سقوط عملية السلام
بالكامل، لا زالت هدفاً أمريكياً
أيضاً، ولذا يتوقع أن تتواصل الجهود
الأمريكية على هذا الصعيد حتى ولو لم
تثمر عن تقدم ملموس على مسار عملية
السلام. وهذا التقدم في حال لو تحقق
سيكون هدية للإسرائيليين على حساب
الحق العربي والفلسطيني .
الأمريكان،
بمحاولاتهم المستمرة لإنعاش مسيرة
السلام، لا يحاولون فقط إذابة
الجليد الذي تراكم حول مفاوضات
السلام، ولكنهم أيضاً يسعون
للاستعادة وترميم دورهم المحوري في
المنطقة، وفي عملية السلام على حد
سواء وهذه المصلحة الأمريكية غالباً
ما التقت للأسف مع المصلحة
الإسرائيلية في نهاية المطاف. لأن
الكيان الإسرائيلي، يظل دائماً
الأقدر على تمثيل المصالح الأمريكية
والدفاع عنها والأقدر على اللعب
بأوتار وحبال السياسة الخارجية
الأمريكية في الوقت ذاته .
|