جولة
عرفات . . بين إعلان "برلين"
وتأجيل إعلان الدولة
12/4/1999م
مع
اقتراب حلول موعد الرابع من أيار(مايو)،
ازداد الجدل حول إعلان الدولة
الفلسطينية المستقلة، وكان التطور
الأبرز والأهم خلال الشهر الماضي هو
إعلان الدول الأوروبية عن تأييدها
لقيام دولة فلسطينية مستقلة، الذي
توافق مع جولة عالمية قام بها رئيس
السلطة الفلسطينية ياسر عرفات شملت
عدة دول في أوروبا وآسيا، إضافة إلى
لقائه مع الرئيس الأمريكي بيل
كلينتون في آواخر شهر آذار (مارس)
الماضي .
لا
تزحزح في الموقف الأمريكي . . والسلطة
تحشد المبررات لتأجيل إعلان الدولة
لقد
كانت نتائج جولة عرفات الأوروبية
والآسيوية مخيبة للآمال، لأن الجواب
الذي سمعه كان بضرورة تأجيل إعلان
الدولة الفلسطينية المستقلة وذلك
لعدم إعطاء رئيس الوزراء الإسرائيلي
بنيامين نتنياهو فرصة للمزاودة
الانتخابية على خصومه في حزب العمل
وبالتالي إمكانية زيادة فرص نجاحه
ونجاح حزبه (الليكود) في الانتخابات
الإسرائيلية القادمة .
ولكن
لا يبدو أن عرفات لم يكن يتوقع هذا
الرد، بل من المرجح أنه كان يسعى
للحصول على تبريرات لخطوته القادمة
المتعلقة بتأجيل إعلان هذه الدولة
إضافة إلى محاولة الحصول على مكاسب
مقابل تقديم هذا التنازل من أوروبا
والولايات المتحدة الأمريكية .
فعرفات
الذي ظل طوال الفترة الماضية يردد
هذا الموضوع ويعتبر أن موعد إعلان
الدولة هو موعد مقدس، يريد أن يجد
مخرجاً مناسباً لتأجيل هذا الإعلان
عن طريق إظهار الرغبة العالمية في
دعم حق الفلسطينيين في الدولة
المستقلة، مع تحبيذ تأجيل إعلانها
إلى أجل مسمى مقابل الحصول على تعهد
أمريكي وأوروبي للضغط على الطرف
الإسرائيلي لتمديد مدة المرحلة
الانتقالية لمدة ستة أشهر أو عام حتى
لا يحدث فراغ قانوني بعد 4 أيار يتيح
للإسرائيليين التحلل من تنفيذ
الاتفاقات ويضعف موقف السلطة
الفلسطينية قانونياً وسياسياً وقد
سمع عرفات في كل محطات جولته دعوات
متطابقة لتأجيل إعلان الدولة، حتى
من قبل الدول العربية، وعلى الأخص
مصر حيث طلب مبارك لأول مرة وبوضوح
من عرفات تأجيل هذا الإعلان لمدة ستة
أشهر.
إلا
أن أكثر المحطات إحباطاً في الجولة
كانت محطة الولايات المتحدة
الأمريكية، فقبل الزيارة بعدة أيام
صوت مجلسا النواب والشيوخ (الكونغرس)
على قرار يعلن معارضة الولايات
المتحدة الأمريكية لقيام دولة
فلسطينية مستقلة من جانب واحد في
الرابع من أيار/ مايو القادم معتبراً
أن ذلك سيؤدي إلى «نسف عملية السلام
برمتها»، كما هدد مجلس النواب
بأغلبية (380) صوتاً مقابل (34) صوتاً
فقط بقطع المساعدات الأمريكية عن
السلطة إذا قررت القيام بهذه الخطوة
من جانب واحد !
ومع
أن الإدارة الأمريكية لم تتبن هذا
القرار، إلا أن نتائج لقاء عرفات -
كلينتون كانت مخيبة للآمال بالنسبة
للسلطة الفلسطينية، إذ رفضت الإدارة
الأمريكية الاعتراف بحق الشعب
الفلسطيني في تقرير مصيره أو قيام
دولة فلسطينية مستقلة، معتبرة أن «للفلسطينيين
تطلعاتهم وللإسرائيليين وجهة
نظرهم، واتخاذ الولايات المتحدة أي
موقف لن يكون مجدياً». وقد حاولت
الإدارة الأمريكية التغطية على
موقفها هذا من خلال التعبير عن "القلق"
من استمرار السياسة الإسرائيلية
بتوسيع المستوطنات، إلا أنها لم
تذهب إلى حد إدانتها أو حتى معارضتها
بنفس مستوى معارضة بإعلان الدولة
الفلسطينية .
وقد
ربط صائب عريقات كبير المفاوضين
الفلسطينيين بين موقف اليمين
الإسرائيلي والإدارة الأمريكية في
رفض حق تقرير المصير والدولة
المستقلة، الأمر الذي يعكس خيبة أمل
السلطة الفلسطينية بسبب عدم حصولها
على أية مكاسب من الولايات المتحدة
الأمريكية مقابل تأجيل إعلان الدولة
المستقلة .
إن
الموقف الأمريكي الذي عبر عنه
صموئيل بيرغر مستشار الأمن القومي
الأمريكي قبل زيارة عرفات لواشنطن
بأن «أي مبادرة أمريكية جديدة مؤجلة
إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية»
يأخذ بعين الاعتبار عدم استفزاز
اللوبي اليهودي الأمريكي المؤيد
لليمين الإسرائيلي وسياساته، وذلك
بعدم إعطاء أي إشارة قد يفهم منها
تعاطف أمريكا مع حق تقرير المصير
للفلسطينيين، إضافة إلى محاولة هذه
الإدارة دعم احتمالات فوز حزب العمل
في الانتخابات الإسرائيلية القادمة
عبر ممارسة ضغوط على السلطة
الفلسطينية لمنعها من إعلان الدولة
في 4 أيار (مايو) القادم .
تقدم
نسبي في الموقف الأوروبي . . ولكن . .
إلا
أن الموقف الأوروبي ظهر أكثر
اعتدالاً من الموقف الأمريكي من
مسألة إعلان الدولة. فقد أعلن
الاتحاد الأوروبي في الأول من آذار/
مارس الماضي رداً على تحذيرات حكومة
نتنياهو للمسؤولين الأوروبيين من
مغبة زيارتهم لمؤسسات فلسطينية في
الشطر الشرقي من القدس، عن رفضه
الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على
هذه المدينة، بما في ذلك الشطر
الغربي منها، وأن مدينة القدس بحكم
قرار الأمم المتحدة رقم 181 الصادر
عام 1949 لا تخضع لسيادة أحد، وإنما هي
تابعة للأمم المتحدة حيث ينص القرار
على تدويلها، مما دفع وزير الخارجية
الإسرائيلي آرئيل شارون إلى التصريح
أمام السفراء الأجانب لدى حكومته
بأن هذا القرار باطل ولاغ، وأن مدينة
القدس ستبقى إلى الأبد عاصمة موحدة
للشعب اليهودي ودولة (إسرائيل) .
ثم
تصاعد الموقف الأوروبي بعد انتهاء
جولة عرفات في أوروبا، عندما عملت
دول الاتحاد الأوروبي على الخروج من
القمة الأوروبية التي عقدت في برلين
في السادس والعشرين من آذار/ مارس
الماضي بنص رسمي "إعلان برلين"
يشكل دعماً ومساندة للسلطة
الفلسطينية، حيث يشجع الأوروبيون
الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على
الانتظار في إعلان الدولة، لكنهم
أكدوا على حق الشعب الفلسطيني في
إعلان دولتهم، واستعداد أوروبا
للاعتراف بها، حيث جاء في البيان:«يؤكد
الاتحاد الأوروبي مجدداً حق
الفلسطينيين الدائم وغير المشروط في
تقرير المصير، بما في ذلك خيار
الدولة، ويتطلع "الاتحاد" إلى
حل تفاوضي على أساس الاتفاقات
الحالية من دون إخلال بهذا الحق الذي
لا يخضع لأي فيتو» .
ويمثل
هذا الموقف تقدماً عن آخر موقف اتخذ
في قمة (كارديف) العام الماضي الذي
دعا الدولة العبرية إلى الاعتراف
بحق الشعب الفلسطيني في تقرير
مصيره، أي أنه ربط ذلك بنتائج
المفاوضات الإسرائيلية، الأمر الذي
يعبر عن إحباط الدول الأوروبية من
سياسات حكومة نتنياهو واستمرار تنكر
الدولة العبرية لحق الشعب الفلسطيني
في تقرير مصيره، إضافة إلى رغبة
أوروبا في ممارسة دور أكثر فعالية في
المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية
حتى وإن كان من بوابة تطبيق
الاتفاقات التي وقعت برعاية ودعم
أمريكي. فأوروبا وإن كانت تتجه نحو
الوحدة ببطئ عن طريق الاقتصاد، فإن
وضعها غير المتحد - سياسياً، لا
يؤهلها لقيادة مبادرة جديدة تنافس
المبادرة الأمريكية لحل الصراع
الأكثر تعقيداً في العالم .
كما
أن الموقف الأوروبي الأخير لا يمكن
فصله بحال عن المساعي المبذولة
لتشجيع عرفات على تأجيل إعلان
الدولة الفلسطينية، إذ إن الاتحاد
الأوروبي أراد توجيه رسالة واضحة
للطرف الفلسطيني بأنه يدعم حقه في
الدولة المستقلة مكافأة له على
تجاوبه مع مطلب تأجيل إعلانها .
وعلى
الرغم من تصريح مساعد وزير الخارجية
الأمريكية مارتن أنديك الذي أعلن
فيه معارضة إداراته لإعلان برلين،
إلا أن الإدارة الأمريكية لم تهاجمه
أو تنتقده، بل وربما وجدت فيه وسيلة
جديدة للضغط على نتنياهو لاستئناف
المفاوضات مع الفلسطينيين دون أن
تتحمل هذه الإدارة عبئاً مباشراً في
تبني دعم الدولة المستقلة. وقد صرّح
المبعوث الأوروبي الدائم إلى الشرق
الأوسط ميجيل موارتينوس أنه قد «حصلت
مشاورات مع الجانب الأمريكي أثناء
صياغة النص» .
ويعزز
الموقف الأوروبي الجديد الاعتقاد
بأن أوروبا تحاول تطوير دورها في
المنطقة، ولكن من خلال التنسيق
والتشاور مع الولايات المتحدة
الأمريكية لأنها غير قادرة في
المرحلة الحالية على منافسة هذا
الدور، في الوقت الذي تعاني فيه من
هيمنة أمريكية على حلف شمال
الأطلسي، ومحاولات أمريكية لتعزيز
دورها السياسي والعسكري في القارة
الأوروبية عن طريق التقرب من دول
أوروبا الشرقية والتدخل بشكل مباشر
في حل الصراعات الإقليمية والإثنية
هناك كما يحصل الآن في كوسوفا، وكما
حصل سابقاً في البوسنة والهرسك
وإيرلندا الشمالية .
تحرك
سياسي مبتور ومعزول عن عنصر القوة !
إن
أهم ما يمكن استنتاجه من جولة عرفات
الأخيرة أن التحرك السياسي غير
المرتكز إلى واقع قوة على الأرض هو
تحرك عديم القيمة ومحكوم عليه
بالفشل مسبقاً، فمع أن عرفات ذرع
الأرض ذهاباً وإياباً، إلا أن واقع
الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية على
الأرض بقي كما هو، بل شهدت الأونة
الخيرة تزايداً ملحوظاً في
الاستيطان الإسرائيلي وتضييقاً أشد
على مؤسسات السلطة الفلسطينية في
القدس من قبل الحكومة الإسرائيلية .
ومع
أن الموقف الأوروبي شكل تطوراً
إيجابياً نسبياً مقارنة بالموقف
الأمريكي، إلا أن إمكانيات تكريس
هذا الموقف على الصعيد العملي تكاد
تكون معدومة إلا في إطار ما يقبله
الإسرائيليون وبالتالي الأمريكيون،
وهو شكل من أشكال الحكم الذاتي
الموسع حتى وإن أخذ اسم "دولة"
يوافق عليه العمل أو "كيان" كما
يصر عليه الليكود .
إن
السلطة الفلسطينية التي تسعى إلى
"دولة" مشوهة مرتهنة للاحتلال،
لا يمكن أن تفرض حق الشعب الفلسطيني
في تقرير مصيره طالما رضيت لنفسها أن
تكون لقمة سائغة في فم الاحتلال
وأداة طيعة له، فحق التقرير المصير
يجب أن تسنده القوة والمقاومة التي
تحاربها السلطة بلا هوادة، والدولة
المستقلة يجب أن تمتلك السيادة
الحقيقية التي يحتكرها الآن
الاحتلال ويرفض التنازل عنها !
ونتيجة
لاختلال معادلة القوة والعمل
السياسي لدى السلطة الفلسطيني
وقبولها بدخول المفاوضات في ظل
اختلال موازين القوى مع الاحتلال،
فقد كانت النتائج مدمّرة على القضية
والشعب الفلسطيني، ولا يبدو أن هذه
السلطة استفادت من تجاربها أو اتعظت
من تجربة اتفاق أوسلو المريرة، وهي
مصرة على الاستمرار في منحنى
التراجع الذي سيكون نتيجته النهائية
تكريس الاحتلال الإسرائيلي للأرض
الفلسطينية وهضم المزيد من حقوق
الشعب الفلسطيني بقبول ومباركة
فلسطينية تبدو رسمية هذه المرة !
|