|
4 (أيار) . .
عنوان على فشل تسوية أوسلو
12/5/1999م
مر
موعد 4 أيار/ مايو الماضي دون أن تكون
له إنجازات حقيقية على الأرض
الفلسطينية، فلا الدولة التي بشرت
بها السلطة الفلسطينية أعلنت، ولا
تحقق أمل للفلسطينيين بزوال
الاحتلال، ولم ينسحب جيش الاحتلال
إلا عن رقعة بسيطة من الأرض.
وبعد
خمسة أعوام كاملة على تطبيق اتفاق
أوسلو كانت النتيجة حكماً ذاتياً لم
يستكمل بعد، كما أن مفاوضات الحل
النهائي لم تبدأ، وذلك لأن السلطة
الفلسطينية لم تتمكن من إلزام الطرف
الإسرائيلية بتنفيذ اتفاقات أوسلو
حسب مواعيدها المحددة التي بقيت
عرضة للتغيير والتبديل أو حتى
الإلغاء والشطب وفقاً للمزاج
الإسرائيلي .
فقد
كان اتفاق أوسلو محاولة لتسوية
القضية الفلسطينية من خلال تفكيك
عناصر الصراع وعزلها عن بعضها البعض
موضوعياً وزمنياً، وتأجيل القضايا
المصيرية والحساسة إلى مفاوضات
الوضع النهائي، مع محاولة تطبيق حكم
ذاتي على نسبة من الأراضي
الفلسطينية المحتلة عام 1967، مقابل
قيام السلطة الفلسطينية بدور أمني
حساس وفاعل لصالح الاحتلال،
والتنازل عما تبقى من الأرض
الفلسطينية وترسيخ حال سلام واعتراف
متبادل بين الفلسطينيين
والإسرائيليين .
إلا
أن غموض نصوص الاتفاق الأساس
والاتفاقات التفصيلية التي تبعته
جعل الطرف الإسرائيلي الأقوى هو
المتحكم في تفسير هذه البنود
لصالحه، بل وحتى تغيير ما هو واضح
منها لصالحه. وهذا ما حصل بالفعل مع
إعادة الانتشار التي استثنيت منها
مدينة الخليل التي جزئت لقسمين (H1) و(H2)
. وعلى الرغم من أن جميع المدن
الفلسطينية أخليت تماماً من القوات
الإسرائيلية، فقد بقي 20% من مدينة
الخليل تحت السيطرة الأمنية
المباشرة للاحتلال .
وجرى
عدة مرات تغيير مواعيد إعادة
الانتشار أولاً في المدن وثانياً في
المناطق الريفية والقرى، وأخيراً
اخترع نتنياهو منطقة جديدة مختلفة
عن مناطق (أ)و(ب)، و(جـ)، وأسماها
محميات طبيعية للحيلولة دون وقوعها
تحت إشراف السلطة الفلسطينية .
أضف
إلى ذلك، لم يتم افتتاح الممرات
الآمنة بين الضفة وغزة حتى الآن، كما
لم يتم الإفراج عن عدد كبير من
الأسرى والمعتقلين تحت حجج
إسرائيلية أمنية مختلفة، وبقيت
الأرضي الفلسطينية عرضة للإغلاق
وفقاً لمزاج الإسرائيليين بصرف
النظر عن احتجاجات الفلسطينيين
واعتراضاتهم .
وكان
المعلم الأبرز لاتفاقيات أوسلو هو
ما يسمى بـ "التنسيق الأمني"
بين قوات الاحتلال والسلطة
الفلسطينية حيث أفردت لهذا الجانب
ملاحق في اتفاق غزة - أريحا أولاً عام
1994، إضافة إلى أنه كان أحد البنود
الرئيسية في جميع الاتفاقيات
التفصيلية التي تم التوصل إليها بين
الطرفين. وجاء اتفاق (واي ريفر) ليضيف
بعداً جديداً للتعاون الأمني من
خلال إشراك وكالة المخابرات
المركزية الأمريكية في الرقابة على
تنفيذ السلطة الفلسطينية لبنود
الاتفاقات الأمنية وتفاصيلها، مما
أضاف ضغوطاً جديدة ومباشرة على
السلطة الفلسطينية إضافة إلى الضغوط
الإسرائيلية للتقيد بالتعليمات
الأمنية التي تُزَّود السلطة
الفلسطينية بها لملاحقة واعتقال
ومحاكمة عناصر المقاومة الفلسطينية.
وبلغة
الأرقام، فإن اتفاق أوسلو لم ينجح في
تكريس سيادة السلطة الفلسطينية على
مناطق الحكم الذاتي التي شملت حتى
الآن نسبة لا تزيد عن 30% من مساحة
الضفة (5800كم2) و60% من مساحة قطاع غزة
(360كم2)، كما بقيت السيادة للطرف
الإسرائيلي على المعابر الحدودية
وطرق المواصلات الرئيسية بين مدن
الضفة وبين الضفة وغزة إضافة إلى
الثروات الطبيعية وعلى الأخص مصادر
المياه .
وفوق
هذا، فقد بقيت السلطة العليا في
الجانب الأمني بيد الاحتلال على
جميع مناطق الضفة والقطاع حتى تلك
الواقعة تحت الولاية الجغرافية
للسلطة الفلسطينية، ولم تنجح
الاتفاقات في تخفيف وطأة الاستيطان
الاسرائيلي الذي شهد تصاعداً
ملموساً سواء في عهد حكومة رابين -
بيريز أو عهد حكومة نتنياهو وإن كان
ذلك بطرق ووسائل مختلفة. وأسفرت
موجات الاستيطان المتتالية عن عزل
شمال الضفة عن غربها وزيادة فصل مدن
الضفة عن بعضها البعض، فضلاً عن
استكمال تهويد القدس على جميع
المستويات، وجعل قضية المفاوضات
عليها لا قيمة لها. أما قضية عودة
اللاجئين، فقد بقيت تبحث في الإطار
النظري ضمن المفاوضات متعددة
الأطراف وضمن مفاوضات اللجنة
الرباعية الإسرائيلية الفلسطينية -
المصرية - الأردنية، ولكنها لم تسفر
عن عودة أي لاجئ ولا حتى التوصل إلى
أي اتفاق يضمن عودتهم بسبب الإصرار
الإسرائيلي على حصر إطار تسمية (لاجئ)
بعدد محدود جداً لا يتجاوز 200 ألف شخص
والموافقة على عودتهم على مدى (40عاماً)
مع تعويض أو توطين الآخرين !
وإذا
أضفنا لفشل عملية أوسلو في وقف المد
الاستيطاني أو إعادة اللاجئين أو
تكريس السيادة على الأرض
الفلسطينية، الفشل الواقعي للسلطة
في إدارة مناطق الحكم الذاتي من حيث
تفشي الفساد والمحسوبية
والبيروقراطية والواسطة، وتزايد
وسائل القمع والبطش بالمواطنين
والتضييق على الحريات العامة
والحريات الصحفية، فإن هذا الفشل
يغدو مضاعفاً وملموساً للفلسطينيين
داخل الأرض المحتلة وخارجها.
في
ظل هذه الأجواء جاء موعد 4 أيار/ مايو
1999 فحاولت السلطة الفلسطينية
التغطية على هذا الفشل من خلال طرح
موضوع إعلان الدولة الفلسطينية دون
أن تمتلك المقومات الحقيقية لقيامها.
وكان الهدف من وراء هذا الطرح هو
ممارسة ضغوط على الطرف الإسرائيلي
لتنفيذ ما تبقى من اتفاق (واي ريفر)،
إلا أن تقديم موعد الانتخابات
الإسرائيلية، فرغ هذه الدعوة من
قوتها الضاغطة ودفع السلطة إلى
محاولة تحصيل وعود أمريكية - أوروبية
بدعم تطبيق الاتفاقات والتوصل إلى
حل نهائي مع الحكومة الإسرائيلية
القادمة، وضمن هذا الإطار جاء
اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني
قبل نهاية شهر نيسان، الذي أرادت منه
السلطة الفلسطينية توفير تغطية
شعبية لسعيها لتأجيل الإعلان
استجابة لمطالب أمريكية وأوروبية بل
وحتى عربية، وهو ما تم بالفعل، إذ لم
يعلن المجلس عن هذه الدولة معتبراً
إياها قائمة منذ العام 1988 بفعل قرار
المجلس الوطني الفلسطيني الـ 19
وبفضل الواقع القائم الآن (الذي لا
يتجاوز إطار الحكم الذاتي)، وداعياً
إلى استكمال عناصر هذه الدولة
ومؤسساتها، على الرغم من أن مهمة
استكمال عناصر هذه الدولة تتطلب
أساساً آليات لا تمتلكها السلطة
الفلسطينية، ولا تتيحها لها واقع
الاتفاقيات القائمة، وخصوصاً في ظل
الهيمنة الإسرائيلية عسكرياً
وسياسياً واقتصادياً على مناطق
الحكم الذاتي، ورفض الطرف
الإسرائيلي بأطيافه السياسية
المختلفة لقيام دولة مستقلة بالمعنى
الحقيقي والإصرار على الاحتفاظ
بالقدس عاصمة موحدة وأبدية للدولة
العبرية، والتمسك بالمستوطنات
القائمة وعدم تفكيكها (باستثناء بعض
المستوطنات الصغيرة المتناثرة
والتي يوافق حزب العمل على تفكيكها
في إطار التسوية النهائية)، مقابل ضم
التجمعات الاستيطانية الكبيرة)
إضافة إلى حرمان أي كيان فلسطيني من
السيطرة على المعابر الحدودية أو أن
يكون له جيش أو تواجد عسكري غربي نهر
الأردن .
وعلى
الرغم من أن إعلان الدولة في ظل
الواقع الحالي لا يشكل بحال من
الأحوال إنجازاً حقيقياً، إلا أن
السلطة آثرت تأجيله مقابل وعود
بتطبيق ما تبقى من اتفاقيات واي ريفر
لأنها لا تؤمن أساساً بأن موعد 4/5/99
يشكل فرصة للتخلص من الاتفاقات
القائمة، ولا ترى أن اللجوء للخيار
الشعبي في مواجهة تعنت الإسرائيليين
ونكوصهم عن الاتفاقيات، هو الخيار
المناسب بعد أن أصبح خيار اتفاق
أوسلو بكل عيوبه وسلبياته هو خيارها
الوحيد.
وهكذا،
مر موعد 4/5/99 دون أن تتحقق نبوءات
التسوية بعودة الأرض وتحقيق
الاستقلال، وعلى الأرجح فإن مواعيد
كثيرة غيره ستمر دون تحقيق هذه
النبوءة، ذلك أن اتفاق أوسلو لا يشكل
الآلية الصالحة لتحقيق هدف التحرير
والاستقلال .
إن
مرور خمس أعوام على تطبيق اتفاق
أوسلو دون تحقيق إنجازات ذات معنى
على صعيد الأرض والشعب الفلسطيني،
يشكل دلالة قوية جديدة على فشل هذا
الاتفاق وعجز أصحابه ومروجيه، ويؤكد
من جديد صحة اعتراضات القوى
الفلسطينية الفاعلة على هذا
الاتفاق، وأن برنامج المقاومة
المستند إلى حقوق الشعب الفلسطيني
في أرضه وفي مقاومة الاحتلال، لا زال
يشكل المنهج الواقعي الوحيد القادر
على دفع العدو للاعتراف بحقوق الشعب
الفلسطيني مرغماً، وهو ما يتطلب
إجماع قوى الشعب الفلسطيني على هذا
الخيار، وتفعيل وحدتها على أساسه،
والمباشرة في تنفيذه، وتهيئة أسباب
النجاح له وفي مقدمتها الجهد
المشترك مع العمق العربي، الذي
افتقدته القضية الفلسطينية منذ
توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم.
|