الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة

استئناف المفاوضات السورية - الاسرائيلية اختراق
مهم على صعيد التسوية السياسية

18 / 12 / 1999م

جاء اعلان الرئيس الامريكي بيل كلينتون -عقب انتهاء جولة وزيرة خارجيته في المنطقة ولقائها مع الرئيس السوري حافظ الاسد- استئناف المفاوضات السورية - الاسرائيلية من النقطة التي توقفت عندها عام 1996 مفاجئا بعد موجة تراشق اعلامي بين الطرفين السوري والاسرائيلي على خلفية انكار الأخير لما سمي بـ "وديعة رابين" لدى الادارة الامريكية التي تتعهد بانسحاب اسرائيلي كامل من هضبة الجولان المحتلة. وكان تفسير مصطلح معاودة المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها يهدد بنسف محاولات استثمار الاجواء التي رافقت انتخاب باراك والتي قوبلت بترحيب سوري واضح عبرت عنه تصريحات الرئيس السوري حافظ الاسد التي امتدح فيها باراك شخصيا.

ويبدو ان الادارة الامريكية نجحت في فك هذه العقدة من خلال ترك هذا المصطلح غامضا بما يتيح لكل طرف تفسيره بالطريقة التي تناسبه. ولئن لم يعلن حتى الان عن التطور الذي استدعى استئناف المفاوضات، الا ان باراك حرص على التأكيد على انه لم يلتزم بأي شروط لاستئنافها متجنبا الاشارة الى موقف محدد من الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967 .

وقد التزمت سوريا الصمت تجاه ما حصلت عليه من تعهدات من الطرف الاسرائيلي لقاء عودتها الى طاولة المفاوضات، وان كان من غير المستبعد ان يكون باراك قد اعطى تعهدا شفويا للادارة الامريكية بتنفيذ انسحاب من كامل الجولان مع تعديلات بسيطة على الحدود.

ان استئناف المفاوضات يعبر في هذه المرحلة عن رغبة اسرائيل وسوريا والولايات المتحدة الامريكية في التقدم على طريق انجاز معاهدة سلام، فحكومة باراك معنية بتنفيذ تعهدها الانتخابي الذي اكدته في الكنيست الجديد بالانسحاب من لبنان بحلول تموز (يوليو) 2000، وهو ما لا يمكن ان يحدث الا بمعاهدة سلام مع لبنان الذي يرفض ذلك بدون ان يتزامن مع معاهدة سلام مع سوريا، أو بانسحاب اسرائيلي احادي الجانب من لبنان والذي يحمل مخاطر امنية كبيرة بالنسبة للدولة العبرية. كما ان انجاز معاهدة على صعيد المسار السوري واللبناني يعتبر- بالنسبة لحكومة باراك -اقل تعقيدا من انجاز الحل الدائم مع السلطة الفلسطينية التي سيضعف موقفها التفاوضي مقابل تعزيز مكانة الحكومة الاسرائيلية بعد ظهورها بمظهر الراغب في السلام.وهذا سيقوي موقفها السياسي على الصعيد الدولي ويدفع الولايات المتحدة واوروبا للضغط على الطرف الفلسطيني للقبول في النهاية بالتصور الاسرائيلي لقضايا الحل النهائي، وهو تصور قد يصعب على السلطة القبول به لانه يكرس واقع الاحتلال الاستيطاني ويتجاهل القضايا المحورية المتمثلة بالقدس واللاجئين.

وبالنسبة لسوريا فقد بقيت متمسكة بموقفها الرافض لاستئناف المفاوضات الا من النقطة التي توقفت عندها لمدة ثلاثة سنوات. وتشير العديد من المصادر الصحفية الاسرائيلية ان باراك تعهد بالانسحاب لهذه الحدود مع تعديلات طفيفة على الحدود، ولذلك فإن قبول سوريا بذلك يشكل تنازلاً عن مطلبها السابق بتعهد إسرائيلي بانسحاب كامل من الجولان ، وربما يعود ذلك الى رغبة سوريا في تخفيف الضغوط الامريكية في هذه المرحلة، واعطاء الادارة الامريكية الراغبة بتحقيق انجاز سياسي مهم على ابواب الانتخابات الامريكية ورقة مهمة على هذا الصعيد، لا سيما وان القيادة السورية بحاجة الى الدعم الامريكي لتثبيت وراثة بشار الاسد لابيه في الحكم وتسليمه ادارة البلاد مستقبلا في وضع مريح ومستقر بعد انهاء ملف الصراع مع الدولة العبرية.

وبصرف النظر عن النتجية التي ستؤول اليها هذه المفاوضات مستقبلا، فإن استئنافها بعد طول توقف يشكل اختراقا مهما على هذا الصعيد، اذ تؤكد المصادر العبرية - وهي الوحيدة التي افاضت في الحديث عن تفاصيل مواقف الطرفين السوري والاسرائيلي - ان هناك مفاوضات سرية سبقت الاعلان عن استئناف المفاوضات.

كما جاء الاعلان عن استئنافها بعد سلسلة طويلة من الوساطات الاوروبية وغير الاوروبية اضافة الى مجهودات الادارة الامريكية التي قطفت الثمرة.

وتؤكد تصريحات وزير الخارجية السوري فاروق الشرع انه يمكن التوصل الى معاهدة سلام خلال بضعة اشهر لان 80 في المائة من مواضيع المفاوضات قد تم الاتفاق حولها، ان هناك رغبة سورية حقيقية في التوصل لمعاهدة سلام مع اسرائيل، بصرف النظر عن التقدم الذي يتم احرازه على الصعيد الفلسطيني، وان اجواء الثقة في الطرف الاسرائيلي باتت مهيئة لدى الجانب السوري على عكس الوضع الذي كان سائدا اثناء ولاية نتنياهو.

اما استئناف المفاوضات على مستوى عال (الشرع - باراك) فيعزز الاعتقاد بجدية سعي الطرفين نحو تحقيق انجازات سريعة من المفاوضات، وهو ربما ما دفع الرئيس الامريكي بيل كلينتون الى القول ان عام 2000 سيكون عام السلام علي اعتبار ما يتوقع تحقيقه ايضا على المسار الفلسطيني.

وعلى الرغم تلميح وزير الخارجية السوري بحق سوريا باستعادة أراضيها بالقوة إذا فشلت مفاوضات التسوية وذلك في خطابه أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقد في واشنطن بين كلينتون وباراك والشرع بعد اول جولة مفاوضات اسرائيلية - سورية علنية منذ ثلاث سنوات ، الا انه اكد على إقامة علاقات سلام واشار الى قبول التطبيع مع الدولة العبرية بكافة مجالاته ولم يتطرق لمطالية سوريا بانسحاب إسرائيلي من هضية الجولان حتى حدود الرابع من حزيران ولم يربط توقيع المعاهدة مع اسرائيل بانسحابها من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 . وهذه جميعهغ اشارات على ان سوريا تريد انجاز اتفاق حقيقي مع الدولة العبرية بدون اشتراطات مسبقة قد تؤدي الى تفجير المفاوضات .

ومع الاقرار باهمية الاختراق الذي تم باستئناف المفاوضات السورية - الاسرائيلة ، الا ان هناك رزمه من المواضيع العالقة التي يتوجب حلها، وستحتاج الى وقت كثير قبل التوصل الى حلول بشانها ترضي الطرفين خصوصا وان المفاوض السوري معروف بصلابته في مواجهة التشدد الاسرائيلي، فضلا عن ان سوريا تملك وراقة ضغط مهمة لتحصيل مطلبها وتتمثل باستمرار المقاومة في الجنوب اللبناين التي تزعج الطرف الاسرائيلي وتدفعه للاستعجال بتقديم الثمن المطلوب لوقفها وهو الانسحاب من كل من الجولان وجنوب لبنان.

وتدور المفاوضات حول اربعة محاور هي:

اولاً : - الانسحاب:

* وتطالب سوريا بانسحاب اسرائيلي من كامل هضبة الولان الى حدود الرابع من حزيران وعلى اساس القرار 242 . ولا توجد مؤشرات على قبول الطرف الاسرائيلي لذلك، اذا ان حكومة بااك ومن قبلها حكومة رابين - بيريز تصر على الانسحاب الى الحدود الدولية التي تم ترسيمها عام 1923 بين فلسطين وسوريا والتي جعلت ما يسمى بـ"منطقة الحمة السورية" ضمن حدود دولة فلسطين، وقد وقعت هذه المنطقة في قبضة سوريا بعد عام 1949 ، وعلى هذا الاساس تصر اسرائيل على الاحتفاظ بهذه المنطقة بما يشمل الشاطىء الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا، وتطرح في سبيل ذلك اجراء تعديلات على حدود 4 حزيران 1967، بما يضمن اعادة منطقة الحملة الى السورييين مع استمرار سيطرة اسرائيل على بحيرة طبريا بالكامل.

* يدخل في هذا الاطار ايضا موضوع المياه الذي تطالب اسرائيل بالاستمرار بالاحتفاظ بمصادرها بينما تطالب سوريا بتقاسم الحصص.

ثانياً :- الامن:

وهو الموضوع الاكثر حساسية بالنسبة للطرف الاسرائيلي، ويشمل شروطا عدة اهمها :

*وضع محطة انذار مبكر في منطقة جبل الشيخ وهو ما وافق عليه السوريين في عهد رابين شريطة ان تكون تحت اشراف امريكي بعد اصرار طويل على ان المراقبة يمكن ان تكون عبر الاقمار الصناعية فقط، ولا يعرف ان كانت سوريا قد وافقت على تواجد عناصر امن اسرائيلية تحت اشراف امريكي في هذه المحطةأم لا .

* التبادلية في الاجراءات الامنية : حيث اصرت سوريا عليها مقابل المطالب الاسرائيلية المتعددة في هذا الاطار . ولكن سوريا تجاوزت مطلبها السابق بالتساوي قي الاجراءات الامنية بين الطرفين ووافقت على مبدأ التكافؤ بحيث يتم تجريد المنطقة السورية المحاذية للجولان لمسافة 10 كم من السلاح، بينما يتم تجريد المطنقة الاسراذيلية لمسافة 6 كم فقط.

*وهناك مطالب اسرائيلية بتخفيض عدد قوات الجيش السوري ومستوى تسلحه، اضافة الى تقليص القوات السورية المدرعة بين الجولان ودمشق، وهذه المطالب لا تزال محل خلاف بين الطرفين.

ثالثاً : - السلام والتطبيع :

ويشمل ذلك اجراءات فتح السفارات والتبادل الدبلوماسي اضافة الى التطبيع في العلاقات والسماح لمواطني البلدين بدخولهما، هو ما وافقت عليه سوريا منذ العام 1996 وفق مفهوم ان عملية التطبيع ليست مسأ لة ادارية تتحكم فيها الحكومات، ولكنها قرار وتوجه شعبي، بما يعني ان العلاقات السورية الاسرائيلية ستكون علاقات سلام عادية وليس بالشكل الذي يجري على الصعيد الاردني.

اضافة الى ذلك، تصر سوريا على ان يبدأ التطبيع مع انتهاء اخر مرحلة من مرحل الانسحاب الاسرائيلي من الجولان، وان كانت لا تربط ذلك بانجاز السلام على كل المسارات.

رابعا : - التزامن :

ويشمل المدة الزمنية اللازمة لانجاز معاهدة السلام والانسحاب الكامل من اراضي الجولان، حيث لا زالت هناك خلافات بين سوريا واسرائيل حول مدة الانسحاب حيث تطالب سوريا الا تتجاوز سنة واحدة على الابعد، بينما تتحدث اسرائيل عن 4 - 6 سنوات وان كان هناك حديث عن حل وسط مختصر هذه المدة لتصل الى سنتين على ابعد تقدير.

وهناك حديث عن الاتفاق اولا على اتفاق اطار مفصل لقضايا المفاوضات ينهي حالة الحرب بين الطرفين ، على أن تحل أولا قضايا الأمن والسلام والتطبيع والتزامن قبل ان يتم التطرق الى الانسحاب من الجولان الذي تعتبر اسرائيل ان عمق الانسحاب منه سيكون بعمق الترتيبات التي ستوافق عليها سوريا كنتيجة لهذا الانسحاب.

واضافة الى هذه المواضيع، هناك موضوع الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان والذي يفترض ان تسير مفاوضاته مع لبنان بالتوازي مع المفاوضات على المسار السوري، اضافة الى انجاز الانسحابين من الجولان وجنوب لبنان بشكل متزامن، ويبدو ان اسرائيل ستوافق على استمرار اطلاق يد سوريا في لبنان في مرحلة ما بعد اتفاقيات السلام في محاولة لارضاء سوريا والتأكد من الالتزام اللبناني بمنع حزب الله من تنفيذه عمليات عسكرية ضد الدولة العبرية حيث ان سوريا تستطيع من خلال علاقاتها المميزة مع حزب الله اقناعه بالتوقف عن عمليات العسكرية بعد استعادة جميع المنطاق المحتلة في جنوب لبنان.

وتطالب اسرائيل الولايات المتحدة الامريكية بتعويضات عن الانسحاب من الجولان تصل قيمتها حسب احد التقديرات الى 18 مليار دولار لحوالي 17 الف مستوطن يقطنون الجولان وسيضطرون لمغادرتها في حال توقيع المعاهدة مع سوريا. ويشمل هذا المبلغ ايضا كلفة الانسحاب وتشغيل محطات الانذار المبكر. وعلى الرغم من ان الادارة الامريكية لم ترفض مبدأ التعويضات، الا انها اجلت ذلك لمرحلة لاحقة لمعرفتها انها ستضطر لخوض معركة شرسة بشأنها مع الكونجرس الامريكي، ذي الاغلبية الجمهورية والذي يعارض بشدة مبدأ دفع التعويضات على صعيد عملية التسوية، حيث وقف ضد تقديم مساعدة للسلطة الفلسطينية والاردن واسرائيل لفترة سنة كاملة قبل ان يفرج عن الملياري دولار التي وعد بها كلينتون هذه الاطراف بع توقيع اتفاق (واي ريفر) اواخر العام الماضي.

وتبقى المسألة الاخيرة المتعلقة بهذا الموضوع، وهي تعهد باراك بعرض اي اتفاق يتم التوصل اليه مع سوريا للاستفتاء الشعبي بعد موافقة الكنيست عليه، وهو ما قد يشكل عقبة مهمة امام تنفيذ الاتفاق في ظل ميل الشارع الاسرائيلي نحو رفض الانسحاب من الجولان وان كان باغلبية بسيطة حسب اخر الاستطلاعات الذي اجرته صحية يديعويون احرونوت (10/12/1999) ، حيث قال 54 % من الاسرائيليين انهم ضد الانسحاب مقابل سلام كامل يتضمن الانسحاب من لبنان وترتيبات امنية مناسبة ، فيما قال 45 % انهم مع الانسحاب ضمن هذه الترتيبات.

وترى اوسط اسراذيلية ان المعارضة للانسحاب قد تخف حدتها في حالة تحقيق تفاهمات مع سوريا ولبنان، وان الحكومة الاسرائيلية ستلجأ الى عرض الاستفتاء على الانسحاب من الجولان مع الاستفتاء على الانسحاب من جنوب لبنان وربما ايضا الاتفاقية النهائية مع الفلسطينيين على شكل استفتاء رزمة واحدة يتضمن انهاء حالة الحرب مع الدول العربية، الامر الذي يزيد من فرص نجاحه اذا استطاع باراك تجاوز المعارضة من قبل الاحزاب الدينية واليمينية داخل ائتلاف الحاكم لهذا الانسحاب.

وفي ظل ما سبق ، فإن امكانيات التقدم على صعيد المفاوضات السورية - الاسرائيلية باتت الان اكثر وضوحا وقربا، الا ان هناك العديد من العقبات التي تعترض ذلك اهمها : التريبات الامنية، وترسيم الحدود،وهذه المواضيع تتضمن تفصيلات غير متفق عليها حتى الآن وستكون في صلب المفاوضات القادمة بعد أن تم الاتفاق على معظم خطوطها العامة في مفاوضات عام 1996 ، بالاضافة الى اشتراط اسرائيل توقيع المعاهدة باجراء استفتاء شعبي عليها. ومن هنا ، يصعب الجزم في الوقت الحالي بامكانية انجاز تقدم جوهري سريع في المفاوضات ووصولها الى معاهدة سلام، اذ ستحتاج المسألة الى بعض الوقت قبل اتضاح صورة الوضع التفاوضي.

ولكن التقدم المتوقع على هذا المسار، ستكون له اثار سلبية على المسار الفلسطيني، اذ ستشعر السلطة الفلسطينية انه قد يضحى بتنفيذ ما تبقى من اتفاقات انتقالية ويتم التباطؤ في انجاز اتفاقية اطار لمفاوضات الحل النهائي.

وبسبب ما نعرفه من مواقف التراجعية كثيرة اتخذتها السلطة الفلسطينية في الاوقات الحرجة فإن شعورها بضعف موقهفا قد يدفعها الى المزيد من تقديم التنازلات للطرف الاسرائيلي، مما قد يسرع من التوصل لاطار الحل النهائي بحيث ينجز في موعهد المحدد (شباط 2000) ، وبذك تكون الحكومة الاسراذيلية قد حققت انجازات مهمة على مسارات التفاوض ستكون لها اثار كارثية على الاخص على الصعيد الفلسطيني وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بمواضيع القدس والاستيطان واللاجئين.

ان المكاسب الاسراذيلية التي ستتحقق اذا تم السيناريو السابق ستكون كبيرة على الاصعدة السياسية والاقتصادية والامنية، بعد ان نجحت في تفكيك مسارات التفاوض العربية واضعاف موقف كل طرف عربي على حدة واستغلال لعبة مسارات التفاوض لدفع الاطراف العربية للتتسابق فيما بينها لانجاز ما يخصها على اجندة المفاوضات دون وضع اعتبار للمصحلة العربية العليا.

وهذا ينذر بسقوط المحرمات العربية في التعامل مع الدولة العربية تحت ستار التطبيع والسلام مما يضيق الخناق على برنامج المقاومة والصمود فلسطينيا وعربيا،لا سيما وان الدول العربية أبدت دعما واضحا لموقف سوريا وعلى الأخص مصر والسعودية .