الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة


الحكومة الإسرائيلية الجديدة ومستقبل عملية التسوية

22 يوليو 1999

نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتخب أيهود باراك في تشكيل حكومته قبل بضعة أيام فقط من مهلة الأربعين يوماً المقررة له، وقام بعرض الخطوط العريضة لائتلافه الحكومي على الكنيست بعد أن وقع اتفاقيات بهذا الشأن مع الأحزاب التي تحالف معها. وحازت حكومته التي تشكلت من ائتلاف أحزاب الوسط والأحزاب الدينية إضافة إلى حزب ميرتس اليساري ثقة الكنيست بأغلبية 75 صوتاً من أصل 120 بتاريخ 6/7/1999م.

وكانت الخطوة الأولى لباراك بعد تسلمه الحكم بزيارة مصر والالتقاء بالرئيس المصري حسني مبارك في إطار تهيئة الأجواء لاستئناف عملية التسوية المجمّدة، كما التقى برئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في غزة، والملك الأردني عبدالله الثاني، وأخيراً توجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية والتقى بالرئيس الأمريكي بيل كلينتون .

التشكيلة الجديدة للحكومة الإسرائيلية

بعد عدة مداولات ومفاوضات أجراها باراك ومفاوضوه مع الأحزاب الإسرائيلية، استقر تشكيل الحكومة الإسرائيلية على أحزاب: إسرائيل واحدة (تحالف العمل وجيشر وميماد)، وشاس (المتدينيين الشرقيين)، وإسرائيل بعلياه (اليهود الروس)، وحزب الوسط، والمفدال (للمتدينيين من أصل غربي)، بالإضافة إلى حزب ميرتس اليساري. وقد تم توزيع الحقائب الوزارية ضمن هذا الائتلاف، كالتالي :

توزيع الحقائب الوزارية

عدد الحقائب الوزارية

عدد المقاعد في الكنيست

الحزب

الرقم

أيهود باراك: الدفاع،الزراعة مؤقتاً .

بيريز: التعاون الإقليمي

يوسي بيلين: العدل

شلومو بن عامي: الأمن الداخلي

أبراهام شوحط: المالية

حاييم رامون: وزير في مكتب باراك.

الياهو بن اليعازر: الاتصالات

داليا اتسيك: البيئة.

8

26 مقعداً بالتحالف مع جيش وميماد

العمل

1

ديفيد ليفي : الخارجية

1

متحالف مع العمل

جيشر

2

إيلي سويسا (زعيم الحزب) : البنى التحتية .

اسحاق كوهين: الشؤون الدينية

إيلي يشاي : العمل والرفاه

شلومو بنيرزي : الصحة

4

17

شاس

3

ناتان شاراسكي : الداخلية

1

6

إسرائيل بعليا

4

يوسي ساريد (التعليم الوطني)

ران كوهين: (التجارة والصناعة)

2

10

حزب ميرتس

5

اسحاق مردخاي : المواصلات

1

6

حزب الوسط

6

اسحاق ليفي: الإسكان

1

5

القومي الديني

7

 

وأهم الملاحظات على هذه التشكيلة:

تتمتع الحكومة الجديدة بدعم (75) نائباً في الكنيست، إذ إنها تتشكل من أحزاب لها (70 مقعداً) إضافة إلى دعم حزب "يهودات هتواره" الديني من خارج الائتلاف والذي يمتلك (5) مقاعد في الكنيست، فضلاً عن دعم النواب العرب (10) مقاعد لها في المواقف المعتدلة من عملية التسوية، ولكن لا يمكن اعتبار النواب العرب داعمين لسياسة الائتلاف الحكومي في كل اتجاهاتها .

تعتمد التشكيلة الجديدة على تحالف حركة (إسرائيل واحدة) مع حزب شاس الديني الذي يعتبر الحزب الثاني من حيث عدد المقاعد في الحكومة، ولا يعتبر هذا الحزب متشدداً سياسياً، إذ أنه يركز على المطالب الدينية لأتباعه. وقد استطاع (باراك) إدارة مفاوضات ناجحة مع هذا الحزب لضمه للائتلاف الحكومي مع حرمانه من حقيبة (الداخلية) التي كانت تشكل أحد المطالب الأساسية له، حيث عمد باراك إلى استخدام المفاوضات مع الليكود لابتزاز شاس للتنازل عن هذا المطلب الذي تستطيع من خلال تحديد من هو اليهودي الذي يمكنه العودة للدولة العبرية والحصول على جنسيتها (وفق قانون العودة)، والحيلولة دون استلام حزب إسرائيل بعليا لهذه الوزارة حتى لا تتمكن من إعادة آلاف من المهاجرين الروس الذين تتشكك شاس في استكمالهم لشروط "اليهودية" .

ولم يكتف باراك باستجابة شاس لمطلبه إبعاد زعيمه (أرييه درعي) عن زعامته، وإنما عمد إلى تسليم وزارة الداخلية إلى العدو اللدود لها (إسرائيل بعليا). ومع كل ذلك وافقت شاس على المشاركة في الحكومة بحصولها على 4 حقائب وزارية غير رئيسية. ومن المتوقع أن تستمر شاس في المطالبة بحقيبة الداخلية، خصوصاً بعد انشقاق عضوين عن (إسرائيل بعليا) قبل أيام على خلفية خلافات أيديولوجية ومالية، مما خفض عدد مقاعد هذا الحزب في الكنيست من (6) إلى (4) .

لم يشارك الليكود في الحكومة بسبب رفض باراك لمطلبه بأن يكون على قدم المساواة مع حزب العمل، وتقاسم الحقائب الوزارية وأن يتم صياغة خطوط مشتركة للحكومة بين الطرفين. ولكن هذا لا يعني استبعاد الليكود تماماً من أي تشكيلة قادمة محتملة، خصوصاً بعد بدء مفاوضات الحل النهائي مع الطرف الفلسطيني .

من المتوقع أن يقوم باراك بزيادة عدد الحقائب الوزارية في حكومته إلى (24 حقيبة) بدلاً من (18) بعد أن حصل على موافقة الكنيست، وذلك في محاولة منه لإرضاء الأعضاء الساخطين في حزبه وكذلك شركائه في الائتلاف .

أحدث توزيع باراك للحقائب الوزارية في إطار حزب العمل وتعيين مستشاريه ردود فعل ساخطة داخل الحزب، فقد أبقى باراك اثنين من الخمسة الأوائل في الانتخابات التمهيدية لحزبه وهم: يوسف بورغ، وعوزي برعام خارج التشكيلة الحكومية، وسينتظر الجنرال ماتان فلنائي التوسيع القادم للحكومة. كما قام باراك بتعيين يوسي بيلين وزيراً للعدل على الرغم من أنه ليس رجل قانون، وكان لتفضيله تعيين (أبراهام شوحاط) الموالي له والمقرب منه وزيراً للمالية التي تعتبر من الوزارات الرئيسية صدى سلبياً في أوساط حزب العمل باعتبار أن بيلين كان له فضل كبير في قيادة حملة باراك الانتخابية. وكذلك الأمر بالنسبة لـ(شلومو بن عامي) الذي حصل على المركز الأول في الانتخابات التمهيدية لحزب العمل، حيث عينه باراك وزيراً للأمن الداخلي بدلاً من وزارة الخارجية أو المالية التي أعطاها لـ(ديفيد ليفي) .

وقام باراك بتعيين ثلاثة مستشارين له في مكتبه وأهمهم: داني ياتوم رئيس الموساد السابق بوظيفة رئيس الهيئة السياسية ليشرف على تنسيق المعلومات الواردة من أجهزة الموساد والشاباك والاستخبارات العسكرية، وهو الأمر الذي رفضه رؤساء هذه الأجهزة لرغبتهم في التعامل مباشرة مع رئيس الوزراء ومن دون وسيط ولموقفهم السلبي من "ياتوم" أثناء محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس، حيث لم يضعهم في صورة الخطة قبل تنفيذها .

وبالإضافة إلى "ياتوم" فقد عيّن باراك "حاييم شكيد" رئيساً لمكتبه، وهو ضابط سابق في الجيش، وتسفي شتاوبر مستشاراً سياسياً، وهو المستشار الذي قاد حملته الانتخابية يأخذ أقطاب حزب العمل على هذه التعيينات أنها تمت لأشخاص يدينون بالولاء لباراك وليس وفقاً لكفاءاتهم الفنية، ويتهمون باراك بأنه يريد الاستفراد بالقرار داخل الحزب وداخل الحكومة من خلال إحاطة نفسه بشخصيات مخلصة له، ومن خلال إبعاد أقطاب حزب العمل عن الوزارات الرئيسية في الحكومة (الدفاع، الخارجية، المالية) .

6-لم تسند أية حقيبة وزارية للنواب العرب الذين لم يتشاور معهم باراك خلال مفاوضاته لتشكيل حكومته، واكتفى بإطلاعهم على نتائج المفاوضات بعد انتهائها، الأمر الذي أثار حفيظة الأحزاب العربية التي وضعت ثقلها لإنجاحه بعد أن حصل على ما يقارب الـ90% من الأصوات العربية. وبهذا تكون الأحزاب العربية غير محسوبة ضمن الأصوات التي ستدعم حكومة باراك، وإن كانت ستلجأ لدعم حكومته في المواقف التي تتعارض مع مواقف اليمين الإسرائيلي وعلى الأخص في عملية التسوية .

والشي الوحيد الذي قدمه باراك للأحزاب العربية التي دعمته هو موافقة حكومته على ضم نائب عربي (هاشم محاميد) إلى عضوية لجنة الخارجية والأمن في الكنيست لأول مرة في تاريخ الدولة العبرية، حيث تتمتع هذه اللجنة بأهمية كبيرة كونها تشرف على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وهذا لا يشكل إنجازاً للأحزاب العربية على الرغم من ترشيح عضوين عربيين آخرين لعضويتها، لأن تأثير هؤلاء الأشخاص سيبقى محدوداً ضمن لجنة غالبيتها يهودية، مقابل استفادة الدولة العبرية بالظهور بمظهر ديمقراطي كاذب في الوقت الذي تميز فيه بين اليهود والفلسطينيين حتى أولئك الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة عام 1948 .

برنامج "العمل" .. هل من جديد

قبل أن يشكل باراك حكومته أعلن عن لاءاته المعروفة، والمتمثلة بعدم عودة اللاجئين، وعدم تفكيك المستوطنات، وعدم التنازل عن القدس، وعدم السماح بوجود جيش أجنبي غربي نهر الأردن إضافة إلى عدم العودة إلى حدود 4 حزيران 1967 .

وقد صرح وزير الخارجية الإسرائيلي ديفيد ليفي أن باراك أبلغ كلينتون في أول زيارة يقوم بها للولايات المتحدة هذه الخطوط، كما كان باراك قد ضمنها في برنامج حكومته الذي عرضه على الكنيست لنيل الثقة مضيفاً إليها، عرض أي اتفاق سلام نهائي يتم التوصل إليه مع السلطة الفلسطينية أو سوريا للاستفتاء العام مع التعهد بسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان .

وحرص باراك على إبداء رغبته في استكمال عملية التسوية والوصول فيها إلى نتائج ملموسة محاولاً بذلك تميزه عن سلفه نتنياهو وباشر بعد أيام قليلة من استلام منصبه بجولة شملت كلاً من مصر وغزة والأردن والولايات المتحدة ملتقياً بمبارك وعرفات والملك عبدالله الثاني وكلينتون .

وعلى الرغم من تكرار باراك لتعهده بتنفيذ اتفاق واي ريفر، إلا أنه أكد خلال زيارته للولايات المتحدة الأمريكية ما كانت المصادر الصحفية الإسرائيلية قد أشارت له سابقاً من أنه "يريد إقناع عرفات بالتراجع عن مطالبته بتطبيق كامل وفوري لاتفاقات واي بلانتيشين، والعمل بشكل تدريجي" معتبراً أن التطبيق الكامل للاتفاق" ينطوي في الوقت الحاضر على مخاطر جمة لأن ذلك سيحد من فرص التوصل إلى سلام دائم" .
وهذا التبرير الغامض لرغبة باراك بتنفيذ جزئي لاتفاق واي ريفر كان قد سبق لمصادر إسرائيلية صحفية عديدة أن أوضحته نقلاً عن مقربين من باراك، بالقول  إنه يرغب في الانتقال إلى مفاوضات الحل النهائي بعد تطبيق مرحلة واحدة من مرحلتي الانسحاب التي ينص عليها اتفاق واي ريفر، تحت حجة أن تنفيذ هذا الاتفاق بالكامل سيثير لباراك مشاكل واحتجاجات كثيرة من اليمين المتحالف معه ومن المستوطنين، وهو ما لا يرغب فيه في هذه المرحلة .

وأشارت هذه المصادر إلى أن باراك ينوي خلال جولة المحادثات الثانية التي سيجريها مع عرفات إغراء الفلسطينيين للقبول بعرضه من خلال مبادلة تأجيل تنفيذ الاتفاق بقبول الدولة العبرية بمبدأ دولة فلسطينية (وفق الشروط الإسرائيلية طبعاً) .

وإذا تجاوزنا المبررات الإسرائيلية المعلنة، فإن السبب الحقيقي وراء رغبة التأجيل هو الحيلولة دون سيطرة السلطة الفلسطينية على المزيد من الأراضي في الضفة المحتلة، وترحيل المفاوضات على هذه المساحة إلى مفاوضات الحل النهائي لمساومتها بالإبقاء على تجمعات المستوطنات الرئيسية .

وحتى لا يبدو هذا الموقف متشابهاً مع موقف نتنياهو فقد طرح باراك إضافة لموضوع الدولة المستقلة رغبته في إنجاز عملية التسوية على كافة مساراتها بحلول تشرين (نوفمبر) عام 2000م فهذا الموعد هو تاريخ إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث يتيح للإدارة "الديمقراطية" الأمريكية فرصة تحقيق إنجاز يساعد مرشحها "آل غور" في الفوز، ولكنه في نفس الوقت يحاول استغلال فرصة عدم رغبة هذه الإدارة في هذه المرحلة في ممارسة أية ضغوط على حكومة باراك لتحقيق تقدم ملموس على صعيد عملية التسوية وتحويل مسؤولية أي تعطيل يحصل لهذه العملية على الأطراف العربية .

وفي هذا السياق أيضاً. حاول باراك تقليص دور الوساطة الأمريكية في عملية التسوية على المسار الفلسطيني من خلال دعوته لتقليص دور السي آي إيه في الرقابة على تنفيذ الاتفاقات متعللاً أن الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني قادران على المضي قدماً في التسوية دون تدخل الإدارة الأمريكية في تفاصيلها .

ويبدو أن باراك يريد مسبقاً أن يحجّم أي دور أمريكي مستقبلي ضاغط على حكومته، ويفضل أن يرسم معالم التسوية مع الطرف الفلسطيني بالاشتراك مع الولايات المتحدة الأمريكية بدلاً من أن يجعل الإدارة الأمريكية في موقع المراقب التفصيلي لسير هذه العملية كما حصل في فترة حكم نتنياهو، ذلك أنه يرى أنه قادر على إقناع هذه الإدارة بما يعرضه على الفلسطينيين وحصوله على الدعم الأمريكي اللازم له إضافة إلى دعم وتأييد مطالبه الأمنية التي يرى أنها الضمانة الوحيدة لاستمرار عملية التسوية .

وحصل باراك بالفعل على ما أراده من دعم أمريكي للمطالب الأمنية عبر توقيعه مع الولايات  المتحدة الأمريكية على اتفاق أمني جديد ينص على تشكيل لجنة مشتركة تختص بالمسائل الأمنية بين البلدين، إضافة إلى التعاون في مجال الدفاع ضد الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل، فضلاً عن الموافقة على صفقة شراء (50) مقاتلة من طراز (اف –16) المتقدمة .

ومن  المؤكد أن باراك لن يكتفي بالدعم الأمريكي لمطالبه الأمنية، ولكنه يصر على أن تلبي السلطة الفلسطينية المطالب الأمنية الواردة في اتفاق (واي ريفر)، وهي التي أوضح لعرفات أثناء لقائه معه في حاجز إيريز في غزة أنه سيكون أكثر حسماً من الحكومة السابقة بشأنها وأنه إذا لم تساعد السلطة الفلسطينية في مكافحة ما يسمى بـ(الإرهاب) فإنه سيوقف عملية التسوية!

وفي هذا الإطار يأتي طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي لفكرة إقامة جسر علوي يربط قطاع غزة بالضفة الغربية المحتلة وبطول 47 كم، وذلك لتحاشي مرور الفلسطينيين ضمن الأراضي المحتلة عام 1948، على أن يشمل هذا الجسر ممراً للسيارات والسكك الحديدية .

تفاؤل عربي .. في غير محله

أحدث مجيء باراك موجة من التفاؤل لدى الدول العربية والسلطة الفلسطينية، إلا أن ردود الفعل الفلسطينية كانت الأكثر تحفظاً هذه المرة. ويعود السبب في ذلك إلى الإشارات التي أطلقها باراك منذ قدومه، والتي ركزت على إنجاز معاهدة سلام مع سوريا وردود الفعل السورية المتجاوبة مع هذه الإشارات بشكل ملفت للنظر وغير مسبوق. وتتخوف السلطة الفلسطينية من استخدام باراك للعبة المسارات لتعطيل إنجاز التسوية على المسار الفلسطيني وإضعاف موقف السلطة التفاوضي أكثر فأكثر، وهي اللعبة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحاق رابين ونجح عن طريقها في ابتزاز التنازلات تلو التنازلات من السلطة. ولهذا السبب، تركز تصريحات قيادة السلطة الفلسطينية على أن المحك الحقيقي لنوايا باراك هي التطبيق العملي، كما عبرت عن رفضها لدمج اتفاق (واي) بالمرحلة النهائية مطالبة بتطبيق كامل الاتفاق (واي ريفر) بدون دمجه بالاتفاق النهائي دون أن تعترض على بدء هذه المفاوضات جنباً إلى جنب مع تطبيق اتفاق (واي ريفر) والانسحاب الثالث الذي يفترض أن تحدد نسبته في مفاوضات لاحقة.

ولا شك أن بدء مفاوضات الحل النهائي قبل الانتهاء من استحقاقات المرحلة الانتقالية سيضعف الموقف الفلسطيني، فحتى لو أصرت السلطة الفلسطينية على رفض دمج الاتفاق الحالي بمفاوضات الحل النهائي، فإن مجرد بدء هذه المفاوضات في ظل الرجحان الواضح لموازين القوى لصالح الطرف الإسرائيلي، سيؤدي في النهاية إلى انتصار الموقف الإسرائيلي الذي سيماطل في تنفيذ الاتفاقات. وسيترك للسلطة خياراً واحداً هو دمج ما تبقى من مواضيع لم تنفذ بمفاوضات الحل النهائي دون أن تكون السلطة قادرة على رفض هذا الخيار !

وإذا أضفنا لذلك، تزايد المؤشرات على إمكانية إنجاز معاهدة سلام سورية – إسرائيلية في ظل الرغبة الملحة لـ(باراك) لسحب جيشه من جنوب لبنان وحل النزاع العربي – الإسرائيلي عن طريق تنفيذ انسحاب من معظم أراضي الجولان المحتلة، فإن موقف السلطة الفلسطينية سيكون أكثر ضعفاً في هذه الحالة .

إن الترحيب العربي بـ(باراك) والذي عبر عنه الرئيس المصري حسني مبارك والذي دعا لإعطائه مهلة شهرين واعتبر أنه يفي بوعوده، إضافة إلى الحفاوة الأمريكية التي لم يسبق لها مثيل برئيس وزراء إسرائيلي، والتي تبدت من خلال ترتيبات زيارة باراك الأخيرة لواشنطن، يبعث على الاعتقاد أن هامش المناورة سيكون كبيراً أمام باراك الذي يستطيع التعويل على صورته الحسنة في المستوى العربي والدولي حتى لو لم ينفذ التزامات عملية التسوية بالشكل المطلوب .

وكانت سوريا هي الأبرز بين الدول العربية التي علقت آمالاً على باراك من خلال تصريح أدلى به الرئيس السوري للكاتب الإنجليزي باتريك سيل الذي قام بزيارة إلى كل من تل أبيب ودمشق والتقى فيها الأسد وباراك حتى قبل أن يشكل الأخير حكومته، إذ تطوع الأسد ولأول مرة في تاريخ الدبلوماسية السورية تجاه إسرائيل بالحديث مباشرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي واصفاً إياه بـ"القوي والصادق" وأنه "يريد السلام مع سوريا، ويتحرك إلى الإمام بوتيرة مدروسة جيداً" .

وتبع ذلك خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي عشية نيله الثقة من الكنيست والذي دعا فيه سوريا لتحقيق "سلام الشجعان" فردت عليه الخارجية السورية برسالة إيجابية تضمنت الاستعداد لعقد هذا السلام بالسرعة القصوى معتبرة إياه "في متناول اليد" !

وفي الوقت الذي لم يعلن فيه باراك عن تفاصيل خطته لتنفيذ اتفاق (واي ريفر)، فقد سارع أحد مستشاريه أثناء زيارته لواشنطن إلى الإعلان عن نيته تقديم مبادرة محددة خلال بضعة أسابيع، الأمر الذي يشير إلى أن أولوية باراك هي عقد تسوية على المسارين السوري واللبناني وإن كان لم يتفوه حتى الآن بأي التزام بالانسحاب الكامل من الجولان كما تطالب سوريا، بل العكس من ذلك، فإن تأكيده بعدم العودة إلى حدود 4 حزيران 1967 يتعارض مع المطلب السوري، فضلاً عن أن المصادر الصحفية الإسرائيلية أشارت إلى أن باراك لا يزال يرفض أي وجود سوري على ضفاف بحيرة طبريا لأسباب أمنية !

الخلاصة:

لا توجد في سياسة باراك أي مؤشرات على تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، إذ أن الخطوط الحمراء لا زالت موجودة على الصعيد الفلسطيني، والذي سيختلف عن الحكومة الإسرائيلية السابقة هو التكتيكات والمواقف التفصيلية. وعلى الرغم من أن باراك أكد أنه لن يبني مستوطنات جديدة ولن يفكك مستوطنات قائمة، إلا أنه أعطى تعهدات شفوية لحزب المستوطنين (المفدال) الذي تحالف معه على الاستمرار في دعم مشاريع الاستيطان في أبو غنيم ومعاليه أدوميم، كما أشار تقرير لحركة السلام الآن الإسرائيلية أن أعمال البناء متواصلة في المستوطنات التي أقيمت على التلال في عهد حكومة نتنياهو السابقة، واتهمت الحركة حكومة باراك بالاستمرار في سياسة سلفها نتنياهو !

أما موافقته على الدولة المستقلة فهي موافقة شكلية طالما أنه يضع شروطاً تفرغها من مضمون الدولة الحقيقي. ومواضيع القدس، واللاجئين لم يختلف الموقف عنها عن مواقف سلفه نتنياهو .

وفي ظل هكذا مواقف، فإن التفاؤل بالجنرال باراك وسياساته لا يستند إلى أساس موضوعي باستثناء تبرير الانسياق وراء مواقفه وما يترتب على ذلك من تنازلات فلسطينية وعربية تقدم له بالمجان. كما أن فصل مسارات التفاوض الذي أقره مؤتمر مدريد سيفضي إلى المزيد من الانهيارات في الموقف العربي طالما أن كل دولة عربية ترى أن لها الحق في توقيع معاهدة سلام مع الدولة العبرية إذا ارتأت أن في ذلك مصلحة لها، بصرف النظر عن تحقيق متطلبات ما يسمى بـ(السلام العادل) على المسارات الأخرى .
وبانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات على  المسارات الفلسطينية واللبنانية والسورية، فإن الدول العربية ستبقى تتعامل مع مرحلة باراك بتفاؤل مرده إلى محاولة إعطائه فرصة لتطبيق وعوده على الأرض، مع أن هذه الوعود لا تختلف كثيراً عن وعود سلفه خصوصاً فيما يتعلق بمحور الصراع العربي – الإسرائيلي، وهو القضية الفلسطينية .