|
الكونفدرالية
. . مشروع تصفية للقضية الفلسطينية
3/3/1999م
لم
ينتظر ياسر عرفات رئيس السلطة
الفلسطينية طويلاً بعد وفاة الملك
حسين ليفاجئ الجميع بإعادة عرض قيام
كونفدرالية أردنية - فلسطينية. ويجيء
هذا العرض بعد تراجع ملحوظ في
تصريحات القيادة الفلسطينية حول
إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة،
بإطلاق إشارات حول نية تأجيل هذا
الإعلان في ظل مطالب غربية وعربية
لعدم إعطاء ورقة انتخابية لرئيس
الوزراء الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو ضد منافسه إيهود باراك الذي
لا يمانع حزبه هذا المشروع شريطة أن
يتم باتفاق بين الطرفين .
فبعد
تقديم موعد الانتخابات
الإسرائيلية، خسرت ورقة الإعلان عن
الدولة الفلسطينية قيمتها
التفاوضية باعتبار أن ذلك كان
موجهاً لرئيس الحكومة لدفعه لتنفيذ
ما تبقى من استحقاقات واي ريفر،
الأمر الذي دفع عرفات إلى التصريح
بأنه يتشاور مع الأصدقاء حول هذا
الإعلان في الوقت الذي لم يتورع فيه
الرئيس المصري حسني مبارك عن مطالبة
السلطة علناً بتأجيله وذلك خلال قمة
دافوس الاقتصادية التي جرت في شهر
شباط (فبراير) الماضي معللاً ذلك «بعدم
إعطاء فرصة لليمين الإسرائيلي
لإثارة المشاكل»!
وقد
نشطت التحركات الدبلوماسية
الفلسطينية على صعيد الدول
الأوروبية، التي ضغطت لتأجيل هذا
الإعلان لمدة قد تصل إلى سنة مقابل
إعطاء وعود بدعم مطالب الفلسطينيين
بتطبيق الاتفاقات بعد إنتهاء
الانتخابات الإسرائيلية .
ويبدو
أن السلطة الفلسطينية، وعلى مقربة
من لقاء عرفات - كلينتون المنتظر في
نهاية الشهر الحالي، تتجه نحو تأجيل
إعلان الدولة المستقلة للحصول على
دعم الإدارة الأمريكية في مطالبها
بتطبيق اتفاق (واي ريفر) وتشجيعها
للضغط على الحكومة الإسرائيلية
الجديدة مهما كان توجهها لتنفيذ ما
تبقى من مراحل إعادة انتشار
إسرائيلي في الضفة المحتلة وفقاً
لهذا الاتفاق.
وفي
هذا السياق يمكن فهم دوافع دعوة
عرفات إلى الكونفدرالية ضمن التالي:-
1-
إنه محاولة لإيجاد مخرج لعدم إعلان
الدولة المستقلة في موعدها الذي روج
له عرفات في 4/5/199، بعد أن اصطدم هذا
الإعلان بمعارضة أمريكية وأوروبية
وعربية .
2-
محاولة استخدام هذا الموقف لتعزيز
المطالب الفلسطينية من
الإسرائيليين بتنفيذ استحقاقات
إعادة الانتشار مع إعطاء إشارات إلى
أن ذلك لن يؤدي إلى قيام دولة
فلسطينية أو الإضرار بأمن إسرائيل .
3-
محاولة استخدام هذا الموقف لدعم حزب
العمل أمام اليمين الإسرائيلي عبر
التركيز على طرح لا يثير حفيظة
الناخب الإسرائيلي .
4-محاولة
تهيئة الظروف والأجواء السياسية لدى
الفلسطينيين والأردنيين لموضوع
الكونفدرالية الذي يدرك عرفات أنه
نهاية مآل التسوية السياسية .
5-
رغبة عرفات في استثمار الظرف الجديد
في الأردن والذي يرى أنه أكثر ملاءمة
لتنفيذ مشروع الكونفدرالية، عبر
إظهار نفسه بأنه جاهز لقبول هذا
المشروع وتطبيقه ومستعد لتبعاته،
وأنه سيبقى رجل المرحلة الذي لا غنى
عنه لكل الأطراف .
إن
طرح مشروع الكونفدرالية من جديد
يؤكد أن قيام دولة فلسطينية كاملة
السيادة على أراضي الضفة والقطاع لا
يحظى بفرصة للتحقق على أرض الواقع
بسبب الرفض الإسرائيلي المستمر لذلك.
وحتى موافقة حزب العمل على الدولة
فمشروطة بنزع سلاحها وحرمانها من
السيادة الحقيقية، وحصر إطارها بما
لا يتجاوز 50 -60% من مساحة الضفة. وهذا
التصور لا يعارضه حزب الليكود أيضاً
فقد عبر وزير الخارجية الحالي أرئيل
شارون عن إمكانية قبول دولة
فلسطينية وفقاً لهذه المحددات .
ولهذا
فإن الموقف الإسرائيلي بشقيه (الليكود
والعمل) لا يقبل بدولة فلسطينية
مستقلة على المدى البعيد، فحزب
العمل لا يقبل بإعلان هذه الدولة إلا
كمقدمة لاتحادها فيدرالياً مع
الأردن، أما حزب الليكود فيوافق على
كيان (شريطة عدم إطلاق اسم دولة عليه)
ولا يمانع أبداً باتحاد هذا الكيان
فيدرالياً مع الأردن. وهو يرى أن
الأردن هو الوطن البديل للفلسطينيين
.
ولكن
مصطلح الكونفدرالية المستخدم
حالياً لا يعبر عن حقيقة المشروع،
فالكونفدرالية هي "شكل من أشكال
التنظيم الاتحادي بين دول تعهد
بممارسة صلاحياتها إلى سلطة مركزية
مشتركة مع الإبقاء على حكوماتها
المميزة، وتكون قرارات الحكومة
المركزية بالإجماع، وغالباً ما
تتحول هذه العلاقة إلى علاقة
فيدرالية بعد فترات زمنية ليست
طويلة كما حصل مع الاتحاد السويسري،
أما الفيدرالية فهي اتحاد قوي بين
كيانيين بحيث يصبح لهما حكومة واحدة
وسلطة مركزية واحدة، وهذا المسمى هو
التوصيف الصحيح لوضع اندماج كيان
حكم ذاتي غير سيادي مع دولة أردنية
كاملة السيادة .
إن
مشروع الفيدرالية يحقق بدرجة كبيرة
المطالب الإسرائيلية التي تتركز
بإنهاء المشكلة الفلسطينية وتصفية
ذيولها من خلال طمس الهوية الوطنية
الفلسطينية باستيعاب اللاجئين
الفلسطينيين وتوطينهم أو تعويضهم
ومن خلال إغلاق ملفي القدس
والمستوطنات بضم الجزء الأكبر من
الضفة المحتلة، وإعطاء الفلسطينيين
عاصمة لدولتهم خارج حدود القدس
المعروفة، بحيث تكون عمّان هي
العاصمة السياسية للكيان الفيدرالي
الجديد، مع إمكانية جعل بعض ضواحي
القدس (العيزرية وأبو ديس) عاصمة
دينية لهذا الكيان تلحق به إدارة
الأماكن الدينية المقدسة لدى
المسلمين والمسيحيين .
كما
أن الحل السياسي الذي طبق على الأرض
حتى الآن يعزز خيار الفيدرالية من
خلال تكريسه للهيمنة الإسرائيلية
على الأرض المحتلة وتفتيت وتجزيء
وحدتها الجغرافية عبر الاستمرار في
سياسة الاستيطان والمصادرة، الأمر
الذي يجعل إمكانية قيام دولة مستقلة
على الأراضي التي سلمت إدارتها
للسلطة أمراً مستحيلاً .
ونظراً
لأن التسوية الحالية يفترض أن تفضي
إلى حل للقضية الفلسطينية، فإن أفضل
خيار لدى إسرائيل لتجاوز عقبات
مفاوضات الحل النهائي، هو إلحاق
الأراضي الفلسطينية التي سيتخلى
الإسرائيليون عنها بالدولة
الأردنية من خلال الكونفدرالية
المطروحة. حيث يرى اليهود أنه يمكن
التحكم بالفلسطينيين من خلال سلطة
مركزية قوية وقادرة على الحفاظ على
الأمن، من خلال التعاون مع الدولة
العبرية، وحل مشكلة اللاجئين في
الأردن بحيث يصبحون مواطنين بحكم
الواقع .
وعلى
الرغم من سرعة رد الحكومة الأردنية
بالتعليق سلباً على تصريح عرفات حول
الكونفدرالية، إلا أنها اعتبرتها
"سابقة لأوانها"! وقد فهم من هذا
أن الأردن لا يعارض هذا المشروع،
وإنما يحاول أن يضع ضوابط له بحيث لا
يتحمل وزر التنازلات الكبيرة التي
ستقدم في مفاوضات الحل النهائي. وهو
يدرك أن هذا الخيار مقبول
إسرائيلياً ويحظى بدعم أمريكي كحل
أمثل للقضايا المستعصية في مفاوضات
الحل النهائي، وهو بذلك خيار
إسرائيلي أمريكي وليس خياراً
فلسطينياً أو عربياً. ونظراً لرجحان
ميزان القوى لصالح إسرائيل وأمريكا،
فإن خيار الفيدرالية أو
الكونفدرالية يعتبر مشروع تصفية
للقضية الفلسطينية، وإن كان يلبس
ثوب الوحدة. والنتيجة العملية
لتطبيقه ستكون إغلاق ملف القضية
الفلسطينية، وإلهاء الفلسطينيين
بهموم الدولة الجديدة وإدماجهم فيها
بشكل يشبع بعض تطلعاتهم وهمومهم
السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وهو جزء لا يتجزء من مشروع التسوية
السياسي الذي بدأ تطبيقه بتوقيع
اتفاق أوسلو، وهو لا يحظى بالقبول
الشعبي في الجانبين الأردني
والفلسطيني، الأمر الذي يجعل عملية
تمريره ليست سهلة خصوصاً في ظل
معارضة القوى الرئيسية له في
الجانبين فضلاً عن تخوف دول عربية
رئيسية من نتائجه مثل مصر وسوريا .
والسؤال
الذي يطرح هنا هو: ما هي الآلية التي
سيتم بها الإعلان عن هذا المشروع
بشكل رسمي؟
لا
شك أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية
ستؤثر على هذه الآلية، بل وربما على
معالمها الرئيسية، فإما أن ينجح
مشروع أوسلو ليصل بصورة طبيعية إلى
هذا الخيار، وإما القفز مباشرة
للكونفدرالية من خلال مفاوضات الوضع
النهائي . وهو ما سيعزز من فرص الرفض
الشعبي للفيدرالية كإحدى الثمار
السيئة لعملية التسوية.
وعلى
الرغم من سوء القصد والأهداف
الخبيثة للمشروع فإنه لا يمكن أن
يحقق مبتغاه بشطب القضية الفلسطينية
أو تذويبها طالما ظل الشعب
الفلسطيني موجوداً، وطالما وجدت
هناك قوى في الشعبين الفلسطيني
والأردني ترفض هذا المخطط، وطالما
استمر العمل ضد المشروع الصهيوني في
المنطقة.
والشعب
الفلسطيني اليوم بعد مضي خمسة أعوام
على أوسلو، أكثر عزماً، وأشد
تصميماً على الحصول على حقوقه
الطبيعة المشروعة في الحرية
والاستقلال، وانجاز ذلك بكل السبل
الممكنة .
|