الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة

أزمة عملية التسوية ..

هل تسفر عن تطورات إيجابية في الموقف العربي ؟

1/4/2000م

عندما قذف طلبة جامعة بير زيت رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان بالحجارة ردا على وصفه للمقاومة اللبنانية بالارهاب، فإنهم كانوا يعبرون بذلك عن موقف عربي اوسع في الاطار الجغرافي واشمل في المدلول السياسي، فبعدما ان تم تجميد عملية التسوية على المسارين السوري والفلسطيني في آن واحد، اشاعت الحكومة الاسرائيلية اجواء تصعيد وحرب في المنطقة على اصداء دعوات وزير الخارجية الاسرائيلي ديفيد ليفي بسفك دماء الشعب اللبناني واطفاله ردا على هجمات المقاومة الباسلة ضد جنود الاحتلال وعملائه في جنوب لبنان ...

هذه الاجواء اسفرت عن ردة فعل عربية سلبية تجاه عملية التسوية ، بدأت في الاطار الشعبي وانتهت بالاطار الرسمي عبر عقد اجتماع وزراء خارجية الدول العربية في بيروت وصدور قرارات عبرت عن خيبة الامل من هذه العملية، وان كانت عكست ايضا هامشا من التباين والاختلاف في مواقف الدول العربية ومستوى تجاوبها مع الضغوط الامريكية التي حاولت منع صدور اية قرارات تتضمن تراجعا عن سياسة التطبيع مع الدولة العبرية او اضرارا بالموقف العربي العام من عملية التسوية.

اجتماع بيروت في مواجهة التهديدات الاسرائيلية

بعد اشهر قليلة من انتخاب ايهود باراك رئيسا للحكومة في الكيان الصهيوني، شهدت عملية التسوية تقدما باستئناف المفاوضات على الصعيدين السوري والفلسطيني، ولكنها ما لبثت ان واجهت عقبات بسبب تردد حكومة باراك في تقديم الاستحقاقات المطلوبة لهذه العملية، وعلى الاخص الانسحاب من الجولان الى حدود 4 حزيران 1967 وتنفيذ مرحلة اعادة الانتشار الثالثة التي نصت عليها اتفاقيتا (واي ريفر) و(شرم الشيخ)، والتوصل الى اطار اتفاق الحل النهائي وانجاز الاتفاق الكامل للحل النهائي بحلول 5 ايلول (سبتمبر) القادم. وكان للانهيار السريع للمفاوضات على الصعيدين السوري والفلسطيني في وقت متزامن تقريبا ولجوء الكيان الصهيوني الى التصعيد ضد لبنان بضرب منشآته المدنية ردا على هجمات المقاومة، تأثيره السلبي المباشر في المنطقة العربية، عبر اجتماع مجلس وزراء خارجية الجامعة العربية في بيروت اوائل الشهر الماضي والذي كان اهم قراراته : دعوة الدول العربية الى اعادة النظر في عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني واعادة النظر في المشاركة في المفاوضات متعددة الاطراف، اضافة الى تأكيد دعم الدول العربية المطلق للبنان في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي باعتبار ذلك دفاعا مشروعا عن النفس، والتأكيد على رفض توطين اللاجئين خارج فلسطين، والدعوة الى عودتهم الى ديارهم مع التركيز على ضرورة حل قضية اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان.

الا ان اجتماع بيروت تعرض حتى قبل ان ينعقد لانتكاسة، حيث نجح الرئيس المصري حسني مبارك في عقد قمة بين باراك وعرفات في شرم الشيخ اسفرت عن استئناف المفاوضات، الفلسطينية - الاسرائيلية ومهدت لقبول السلطة الفلسطينية بمخطط اعادة الانتشار الذي قدمته الحكومة الاسرائيلية بعد اجراء تغييرات بسيطة عليه لا تتضمن الموافقة على شموله لقرية ابو ديس القريبة من القدس واستبدالها بقريتين اخريين هما : العبيدية القريبة من ابو ديس وبيتونيا القريبة من الجانب الغربي لرام الله. كما تم الاتفاق في الاجتماع على تحديد مواعيد جديدة وهي : ايار (مايو) للتوصل الى اتفاق اطار للحل النهائي، وحزيران او تموز للانسحاب الثالث من الضفة، مع ابقاء موعد ايلول (سبتمبر).

وامتد التأثير السلبي لقمة شرم الشيخ الى بيروت عندما برزت خلافات بين مصر وسوريا حول موضوعي التطبيع والمفاوضات متعددة الاطراف حيث رفضت مصر مطلب سوريا بوقف التطبيع وعدم المشاركة في المفاوضات متعددة الاطراف ، مما ادى الى الخروج بقرارات تحمل حلا وسطا بين الموقفين السوري والمصري، ويدعو الى ابطاء عملية التطبيع والمشاركة في المفاوضات متعددة الاطراف، مع التأكيد على الالتزام باسس عملية التسوية، وكان القرار الاهم والابرز هو قرار دعم المقاومة اللبنانية الذي اثار انزعاج واشنطن وتل ابيب.

وعلى الرغم من ضعف قرارات الجامعة العربية، وعدم تلبيتها لطموحات ومطالب الشعوب العربية، الا ان انعقادها في لبنان واتخاذها قرارات بدعم مقاومته يشكل ايجابية نسبية في ضوء ما شهدناه من تراجع للموقف العربي بعد انتخاب باراك.

ومع ذلك ، فإن المحك الحقيقي لهذه القرارات هو تطبيقها على ارض الواقع في ظل استمرار المواقف الاسرائيلية المتشددة من عملية التسوية.

تعثر المفاوضات السورية - الاسرائيلية

في هذا السياق، جاء تعثر المفاوضات السورية - الاسرائيلية بعد حديث طويل عن مفاوضات سرية ضمن القناة الامريكية بين الطرفين، ووجود مؤشرات على استعداد باراك للاعتراف بوديعة رابين لدى الادارة الامريكية، فقد فشل لقاء القمة الذي انعقد بين الرئيسين السوري والامريكي في جنيف في السادس والعشرين من الشهر الماضي في التوصل الى صيغة مناسبة لاستئناف المفاوضات بين الطرفين السوري والاسرائيلي وذلك بسبب عدم تقديم الطرف الاسرائىلي لتعهد واضح بالانسحاب الى حدود 4 حزيران والاصرار على الاحتفاظ بالشاطىء الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا الذي يقع ضمن هذه الحدود في الطرف السوري على الرغم من ابداء سوريا لليونة تجاه احتفاظ الكيان الصهيوني بمصادر مياه الانهار التي تصب في هذه البحيرة، اضافة الى وجود مؤشرات تؤكد استعدادها لاجراء تغييرات تؤدي الى رسم خط الحدود مع الدولة العبرية بحيث يمر بين الحدود الدولية الذي حدده اتفاق 7 آذار (مارس) 1923 بين فرنسا وبريطانيا، وخط 4 حزيران 1967 الذي يحدد حدود سوريا قبل حرب 5 حزيران 1967.

وتؤكد بعض التقارير الصحفية الاسرائيلية ان باراك طالب سوريا باجراء تعديلات على خط 4 حزيران لا تتضمن فقط منطقة الحمة وانما ازاحة لخط 4 حزيران عند بحيرة طبريا نحو الشرق بمسافة 100 - 200 م تضمن للطرف الاسرائيلي السيطرة على بحيرة طبريا من جميع جوانبها مع اعطاء وضع يسمح للمواطنين السوريين بالوصول الى الشاطىء الشمالي الشرقي بدون الاضطرار الى الحصول على تأشيرة دخول اسرائيلية. مقابل ترتيب مشابه للاسرائيليين الذين يريدون الذهاب الى منطقة الحمة التي ستعود لسوريا ضمن معاهدة السلام المرتقبة.

وقد اطلقت بعض المصادر الصحفية الاسرائيلية على هذا الاقتراح الاسرائيلي بـ "تبادل الاراضي" بين سوريا والكيان الصهيوني.

ولعله من السابق لاوانه الحكم على قمة جنيف بالفشل، ذلك ان الخلافات المطروحة بين الجانبين لم تعد كبيرة وان كانت متعلقة بتفاصيل تجعل المفاوضات صعبة وشاقة، وقد يتم تجسير هوة الخلافات خلال الاسابيع القليلة القادمة، وان كان ذلك ليس مؤكدا.

اما الطرف الاسرائيلي فإنه سيبقى يعول على توقيع معاهدة سلام مع سوريا تضمن له ترتيب الانسحاب من لبنان ضمن اتفاق مع لبنان قبل حلول موعد الاول من تموز الذي حددته الحكومة الاسرائيلية للانسحاب من هناك، وهذا ما يؤكده تأجيل باراك الموافقة على خطة الانسحاب من جانب واحد التي قدمها له الجيش الاسرائيلي بهدف اعطاء فرصة لنجاح المفاوضات مع سوريا مع العلم بأن خطة الانسحاب من جانب واحد ستختلف عن خطة الانسحاب باتفاق سلام مع لبنان، اذ ان هذه الاخيرة والتي اطلق عليها اسم (افق جديد) تتضمن انسحاب جيش الاحتلال الى الحدود الدولية، بينما تتضمن الاخرى والتي اطلق عليها اسم (غسق الصباح) الاحتفاظ ببعض المناطق ضمن شريط امني ضيق على طول الحدود مع لبنان لحماية المستوطنات الاسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة.

اولوية اسرائيلية للمفاوضات مع سوريا .. ولكن؟

وهكذا فإن صورة عملية التسوية في ظل التطورات الاخيرة، على الصعيدين الفلسطيني والسوري تتخلص بالتالي:

على الصعيد الفلسطيني: تم تنفيذ النبضة الثالثة من المرحلة الثانية من اعادة الانتشار والتي شملت نقل 6.1 % من مساحة الضفة الى سيطرة السلطة الفلسطينية الكاملة (الامنية والسياسية) بحيث اصبح بحوزتها حوالي 40 % من مساحة الضفة سواءً بشكل جزئي 18 % او بشكل كلي 22 %.

في نفس الوقت الذي عقدت فيه جولة من المفاوضات في واشنطن للتوصل الى اطار الحل النهائي في ظل حديث متزايد عن وجود مفاوضات سرية ضمن قناة اخرى برعاية باراك وعرفات للتوصل الى حلول في القضايا الشائكة (المستوطنات - القدس - اللاجئين) في نفس الوقت الذي تتردد فيه حكومة باراك في تنفيذ ما تبقى من استحقاقات وتلوح من جديد بعدم قدسية مواعيدها، وتعاني من مشاكل داخلية وتهديدات من حزبي شاس والمفدال بالانسحاب من الحكومة في حالة شمول اي اعادة انتشار جديدة لمناطق قريبة من القدس.

على الصعيد السوري: تعثر في المفاوضات ، مع وجود انحياز امريكي لصالح الطرف الاسرائيلي بتحميل سوريا مسؤولية فشل المفاوضات عبر تصريح كلينتون بعد القمة ان الكرة اصبحت الان في الملعب السوري، اضافة الى تهديدات اسرائيلية باعطاء الاولوية في المرحلة القادمة لملف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية.

على الصعيد اللبناني: قلق وترقب حذر لتصعيد عسكري مقبل بعد فشل قمة جنيف، واحتمال لجوء حزب الله الى عمليات جديدة للمقاومة قد ترفع من درجة حرارة جنوب لبنان، اضافة الى استعدادات اسرائيلية للانسحاب من جنوب لبنان باتفاق او بدون اتفاق مع تفضيل من الطرفين السوري واللبناني من جهة والاسرائيلي من جهة اخرى لانسحاب باتفاق يحول دون امكانيات التصعيد العسكرية مستقبلا في ظل تهديد الطرف الاسرائيلي بالرد العنيف على اي عملية عسكرية للمقاومة بعد الانسحاب.

ان هذه الصورة الملبدة بغيوم التعقيد والتعثير على جميع المسارات ستكون اكثر وضوحا الى اي اتجاه ستسير اليه (الانفراج ام التعقيد) خلال الاسابيع القليلة القادمة مع الاشارة الى ان اولوية الحكومة الاسرائيلية الحالية هي لانجاز معاهدة سلام مع سوريا، ولكنها في حالة الفشل في تحقيق ذلك ستلجأ الى تفعيل المفاوضات مع الفلسطينيين وبأقل ثمن سياسي ممكن تقديرا منها ان السلطة الفلسطينية لديها الاستعداد لتقديم تنازلات جديدة في سبيل حصولها على ما يسمى بـ "الدولة المستقلة"، وفي حالة تعطل المفاوضات على المسار السوري ، فإن المنطقة قد تكون مرشحة للتصعيد العسكري في جنوب لبنان حتى قبل تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي.

ضرورة تطوير الموقف العربي:

ان الموقف العربي الذي شهد تطورا ايجابيا نسبيا على صعيد قرارات تبطىء التطبيع مع الدولة العبرية، سيتطور سلبا او ايجابا تبعا لما سيتم على صعيد المفاوضات السورية - الاسرائيلية بحيث ربطت معظم الدول العربية تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني بالتوصل لمعاهدة سلام سورية - اسرائيلية وليس باتفاق التسوية النهائية مع السلطة الفلسطينية.

على اية حال، فإنه من المتوقع ان تشهد المرحلة المقبلة المزيد من الازمات على صعيد عملية التسوية بسبب الموقف الاسرائيلي المتشدد من مواضيع المفاوضات التي ذكرناها في صدر التحليل، اضافة الى ان حكومة باراك ستكون متحللة نسبيا من الضغوط الامريكية بسبب انشغال ادارة كلينتون بالانتخابات الامريكية القادمة، بل وحرص هذه الادارة على خطب ود الحكومة الاسرائيلية لضمان نجاح المرشح الديمقراطي ونائب الرئيس الامريكي الحالي (آل غور).

ولهذا فإن الدول العربية تظل مطالبة بمواجهة استحقاقات تعطل وتعثر هذه العملية، واستمرار محاولات الطرف الاسرائيلي لتهميش القضية الفلسطينية، التي تمثل لب الصراع العربي الاسرائيلي.

اذ لا مناص من موقف عربي قوي وموحد في مواجهة الغطرسة الاسرائيلية حتى ولو كان ذلك بالحد الادنى بوقف عملية التطبيع ومحاولة تصليب الموقف الفلسطيني عبر دعم المقاومة الفلسطينية، والحيلولة دون تقديم السلطة الفلسطينية للمزيد من التنازلات التي ستكون لها اثار سلبية ليس على القضية الفلسطينية لوحدها، ولكن على مجمل الصراع العربي - الاسرائيلي.