الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة

 

مفاوضات التسوية تتأرجح بين المسارين السوري والفلسطيني

20/1/2000م

بعد أن شهدت المفاوضات السورية - الإسرائيلية، انطلاقة مهمة الشهر الماضي، ودخلت في تفاصيل التفاهمات التي تم التوصل إليها في عهد حكومة رابين والحكومة الإسرائيلية الحالية، بدأت التوقعات المتفائلة بسرعة التوصل إلى معاهدة سلام سورية - إسرائيلية بالتراجع أمام ما شهدته هذه المفاوضات من محاولات إسرائيلية لقلب أجندة التفاوض بتأجيل بحث موضوع الانسحاب إلى حين إحراز تقدم على صعيد الأمن والتطبيع، ومطالبات إسرائيلية جديدة لسوريا بالقيام بمبادرات "حسن نية" لإقناع الشارع الإسرائيلي بالتصويت لصالح المعاهدة في حال عرضها على الاستفتاء الشعبي، وذلك بالترويج لصعوبة "التنازل" الذي ستقدمه حكومة باراك، وحاجة هذه الأخيرة الماسة إلى خطوات سورية إيجابية تساعدها على إقناع الشارع الإسرائيلي بأن ما ستحصل عليه الدولة العبرية جراء معاهدة السلام مع سوريا يستحق الثمن الذي ستدفعه ( الانسحاب من الجولان).

وجاء تأجيل الجولة الثالثة من المفاوضات بعد أن رفضت سوريا القبول بالأجندة الإسرائيلية، وطالبت بإعطاء مسألة بحث الانسحاب الإسرائيلي أولوية في المفاوضات، وذلك على الرغم من التقدم الكبير الذي تحقق عبر تقديم الإدارة الأمريكية لما يصح تسميته بـ "مسودة معاهدة سلام سورية - إسرائيلية"، مع وجود بعض النقاط العالقة التي لم يتم الاتفاق عليها، وأهمها تحديد حدود الانسحاب الإسرائيلي وعمق الترتيبات الأمنية في كلا الجانبين السوري والإسرائيلي، والجدول الزمني لعملية الانسحاب وتزامنها مع عملية التطبيع وفتح السفارات وغيرها من القضايا.

وبانتظار استئناف الجولة الثالثة من المفاوضات والتي سيكون للإدارة الأمريكية دور مهم فيها، وهو ما يتوقع حدوثه قريباً، فإن ما تم حتى الآن على صعيد هذه المفاوضات يشير إلى أن إمكانيات التوصل إلى معاهدة سلام في غضون الأشهر القادمة ليس مستبعداً ولكنه أيضاً ليس حتمياً، إذ إن أجندة المفاوضات المثقلة بالبنود التفصيلية المختلف عليها قد تطيل أمد المفاوضات وقد تتسبب بأزمات قادمة على غرار الأزمة الحالية، لا سيما وأن باراك يسعى لتهيئة الشارع الإسرائيلي لتأييد توقيع معاهدة مع سوريا تتضمن انسحاباً من هضبة الجولان بشكل كامل أو شبه كامل. إذ إن الشارع الإسرائيلي لا يزال منقسماً على نفسه تجاه القبول بثمن الانسحاب، وفق آخر الاستطلاعات التي أجراها معهد غالوب الإسرائيلي المستقل والتي تقول أن 50% من الإسرائيليين عبروا عن تأييدهم للانسحاب فيما عارضه 37% وبقي 13% مترددين. كما أن المظاهرة الضخمة التي جمعت (150) ألف إسرائيلي في تل أبيب ضد الانسحاب تعطي مؤشراً على وجود معارضة قوية لهذا الانسحاب تجعل باراك يحسب لها حساباً، خاصة وأن بعض الأحزاب المتحالف معه لا زالت تقف في نفس موقف المعارضة.

ومن الواضح أن باراك ما زال يعول على عرض السلام مع سوريا كرزمة واحدة مع اتفاق السلام مع لبنان لكسب أصوات الإسرائيليين الراغبين جداً بتوقيع اتفاق سلام مع لبنان يضمن خروج القوات الإسرائيلية التي تتعرض لهزائم ونكسات متوالية على أيدي قوات حزب اله التي تشن هجمات شبه يومية على هذه القوات، وتكبدها قتلى وجرحى، كما تشكل تهديداً مستمراً لمستعمرات الشمال. كما حاول باراك من خلال كشفه أن رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني السابق وافق على الانسحاب الكامل من الجولان عام 1996، إضعاف موقف اليمين الإسرائيلي الذي يعلن معارضته للانسحاب الكامل من الجولان، بتأكيده أن أفعال هذا التيار مخالفة لأقواله، وأنه لا يختلف في هذا الموقف عن حزب العمل والتيار اليساري.

وكما كان متوقعاً، فقد نجح باراك في استخدام لعبة المسارات في الضغط على السلطة الفلسطينية للقبول بتصورات حول تطبيق مراحل إعادة الانتشار المنصوص عليها في مذكرة شرم الشيخ الأخيرة، إذ وافقت السلطة على الاقتراح الإسرائيلي بخصوص المرحلة الثانية من إعادة الانتشار، بعد أن كانت رفضتها لأنها لم تستشر فيها وذلك بعد أيام قليلة من استئناف جولة المفاوضات السورية الإسرائيلية الثانية، وجرى إعادة انتشار للجيش الإسرائيلي في 5% من مساحة الضفة في 6 / 1 / 2000، وبتأخير حوالي ثلاثة أشهر عن الموعد المحدد. ولكن الجانب الإسرائيلي أجّل تنفيذ المرحلة الثانية من إعادة الانتشار والتي تشتمل على 6.1% من مساحة الضفة، وذلك للضغط من جديد على السلطة الفلسطينية للقبول بخرائط الانتشار الإسرائيلية التي تضمن عدم الإخلال بتواصل المستوطنات الإسرائيلية وتجعل الأراضي الفلسطينية المستعادة بدون تواصل جغرافي.

وفيما لا تزال مفاوضات الحل النهائي تسير في خطين: الأول علني والثاني سري، فإن الموقف الإسرائيلي من قضايا اللاجئين والقدس والمستوطنات لم يتزحزح، في الوقت الذي رشح فيه أن السلطة الفلسطينية أبدت ليونة واضحة في محاولة لإنجاز أجندة المفاوضات الرئيسية في موعدها المحدد (7/2/2000)، وعرضها على الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. ويبدو أن السلطة الفلسطينية باتت مقتنعة بأهمية الإسراع في إنجاز الاتفاقات حتى لو اضطرت لتقديم تنازلات إضافية، وذلك للحيلولة دون تهميش باراك للمفاوضات على المسار الفلسطيني لصالح المسار السوري، وللاستفادة من رغبة الإدارة الأمريكية في تحقيق إنجازات على صعيد الاتفاقات قبل انتهاء ولايتها الحالية لدعم مرشحها للانتخابات الرئاسية القادمة. وعلى العكس مما تظن السلطة، فربما كان باراك معنياً بإنجاز اتفاقات سريعة مع الفلسطينيين لاستثمار ضعف موقف السلطة ورغبة الإدارة الأمريكية في تحقيق إنجازات سريعة، وهذا ما عبر عنه في مقالة نشرت لصحفية في جريدة يديعوت أحرنوت في 31/12/99، بأن ((دولة إسرائيل قوية بما فيه الكفاية في نهاية هذا القرن للتخلي عن ذهنية الدولة المحاصرة ولتتجرأ على السلام بكل ثقة ومن دون خوف من المخاطر)). إن المخاطر التي يتخوف منها الإسرائيليون تتمثل في الجانب الأمني، وهو ما تحرص حكومة باراك على التركيز عليه في المعاهدات التي سيتم توقيعها مع كل من سوريات ولبنان والسلطة الفلسطينية، وتتمثل في ترتيبات نزع السلاح ومحطات الإنذار المبكر وتخفيض الجيوش في منطقة الجولان وبنفس الصيغ تقريباً في جنوب لبنان، وبحرمان الفلسطينيين من إقامة دولة مستقلة بتجريدها من السلاح ومنعها من السيطرة على الحدود وحرمانها من التواصل الجغرافي، حيث ستبقى المعابر والجسور المعلقة تذكر الفلسطينيين بأن حلمهم بتوسيع دولتهم والحصول على المزيد من أراضيهم المغتصبة ستكون نتيجة مخيبة للآمال وأنه لا جدوى تذكر من ذلك.

المرحلة القادمة ستكون حاسمة ومهمة على صعيد عملية التسوية، إذ ستحدد معالم التسوية السورية - الإسرائيلية، وستحدد ملامح الحل النهائي على المسار الفلسطيني والذي يبدو أن حجم الاتفاق عليه أكبر مما تحاول السلطة الفلسطينية إظهاره. ومن المرجح أن باراك سيسعى لإنجاز اتفاقات متوازية على كل الأصعدة وتقديمها كرزمة واحدة للتصويت عليها من قبل الإسرائيليين، وإن كانت فرصة تقديم الاتفاقين السوري واللبناني فقط بدون الفلسطيني تبدو أكثر احتمالية في الوقت الحاضر.

وفي مرحلة تبدو آفاق العمل فيها صعبة وقاسية بسبب توجه الدول العربية نحو تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني بمجرد توقيع سوريا لمعاهدة تسوية مع الجانب الإسرائيلي، فإن المعارضة الفلسطينية تتهيأ لبلورة مشروع وطني فلسطيني جديد يعالج الاختلالات والتنازلات التي أحدثتها عملية التسوية ويسعى للحفاظ على حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني.

وفي ظل فشل المفاوضات الفلسطينية في تحصيل الحقوق الفلسطينية الأساسية المتمثلة في مواضيع الحل النهائي، فإن مشروع المعارضة الفلسطينية قد يشكل الخيار والبديل المناسب للشعب الفلسطيني في المرحلة القادمة، ولكنه سيحتاج إلى إرادة قوية للعمل به في هذه المرحلة الصعبة، وهو اختبار حقيقي للمعارضة الفلسطينية في المرحلة القادمة.