الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة

الانتفاضة مستمرة والاحتلال الى زوال  

4/12/2000

 

دخلت انتفاضة الأقصى شهرها الثالث وهي لا تزال    مستعرة على الرغم من المحاولات المتكررة لإجهاضها عبر حلول سياسية باءت جميعها بالفشل بسبب إصرار الشعب الفلسطيني على مواجهة الاحتلال والصمود أمام إرهابه وعدوانه المتواصل . وقد شهدت الانتفاضة تطوراً نوعياً في فعالياتها من خلال العمليات المسلحة ضد الاحتلال والمستعمرين الصهاينة في الضفة والقطاع والأراضي المحتلة عام 1948 مما يعبر عن إرادة شعبية عارمة باستمرار مواجهة الاحتلال بكل الوسائل الممكنة ومحاولة تعديل ميزان الخسائر البشرية الذي يميل حتى الآن لصالح العدو . وفي المقابل لم تتوقف المحاولات السياسية لوقف الانتفاضة بمبادرات أميركية وصهيونية وحتى عربية تعبيراً عن رغبة هذه الأطراف في تجاوز التداعيات السلبية لاستمرار هذه الانتفاضة على عملية التسوية التي تعاني أصلاً من موت سريري بعد أن وجه لها الصهاينة الضربة القاضية .

 

انتفاضة متواصلة رغم الارهاب الصهيوني

 

وقد استطاعت الانتفاضة ان تثبت أنها قادرة على الاستمرار والتواصل وتمكنت من تجاوز امتحان الصمود والاستمرارية  وذلك على الرغم من كل التقديرات المتحفظة حول امكانية استمرارها ، في الوقت الذي دفع فيه الاحتلال بكل امكاناته العسكرية والسياسية والنفسية لوقفها وأطلق العنان لجنوده المجرمين لتوجيه أسلحتهم نحو رؤوس وصدور المنتفضين لإيقاع أكبر قدر من الضحايا وثني عزيمة الشعب الفلسطيني عن الاستمرار في الانتفاضة حيث اقترب عدد الشهداء حتى الآن من 300 شهيد وقرابة عشرة آلاف جريح . وحينما لم تفلح هذه الأساليب في التأثير على ارادة الشعب الفلسطيني لجأ العدو الى ضرب مؤسسات السلطة المدنية والعسكرية بهدف ارهابها ودفعها لممارسة ضغوط على الشعب الفلسطيني لوقف انتفاضته . ولكن ذلك لم ينجح بسبب قوة الفعل الجماهيري الذي كان ولا يزال من العسير على السلطة ان تتصدى له . وأردف العدو إجراءاته العسكرية بإجراءات على الصعيد الاقتصادي من خلال حصار المدن والقرى الفلسطينية وعزلها عن بعضها البعض بهدف إخضاعها وتجويعها إضافة الى إطلاق النار على العمارات السكنية الفلسطينية وترويع سكانها الآمنين ، في الوقت الذي منع فيه عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين من التوجه الى أعمالهم في المناطق المحتلة عام 1948 وحرمهم من لقمة عيشهم بهدف حملهم على القيام بمنع أبنائهم وإخوانهم من المشاركة في الانتفاضة لإفساح الطريق أمامهم للعودة الى أعمالهم ! ولكن هذا لم ينفع أيضاً لأن الشعب الفلسطيني فضل الجوع والحصار على ان يرضخ للاحتلال أو أن يقبل بالتنازل عن مطلب دحره مهما كلفه ذلك من ثمن .

وكانت آخر الوسائل الإرهابية التي اتبعها العدو لكسر شوكة الشعب الفلسطيني المنتفض هي المباشرة بتنفيذ عمليات ارهابية غادرة بحق نشطاء التنظيمات الفلسطينية الذين يعتقد ان لهم دوراً في إذكاء شعلة الانتفاضة ، فقام باغتيال   حسين عبيات أحد كوادر فتح القيادية بقذيفة صاروخية أطلقتها طائرة اسرائيلية عليه أثناء قيادته لسيارته في بلدة بيت ساحور مع مجموعة من رفاقه   ، كما قام بتفجير سيارة القائد القسامي ابراهيم بني عودة في نابلس بعد ساعات من إطلاقه من سجن جنيد في نابلس   في اليوم التالي لتنفيذ الجناح العسكري لحركة حماس لعملية تفجير بطولية في مدينة الخضيرة أسفرت حسب ادعاء العدو عن سقوط أربعة قتلى وأكثر من ستين جريحاً في الوقت الذي أكدت فيه مصادر طبية في دولة العدو أن عدد القتلى تجاوز العشرين !

   وهكذا منيت بالفشل كل الإجراءات التي اتخذها الصهاينة لوقف الانتفاضة ، واستطاع الشعب الفلسطيني ان يؤكد من جديد قدرته على تحمل التضحيات والبذل بلا حدود من أجل استرجاع حقوقه المغتصبة ، فكلما زاد البطش الصهيوني وزادت معه جنازات الشهداء فإن الانتفاضة كانت تكتسب زخماً شعبياً جديداً متمثلاً بالمسيرات الجماهيرية الحاشدة التي تشارك فيها كافة القوى الفلسطينية وما ينجم عن هذه المسيرات من مواجهات بالحجارة والزجاجات الحارقة ضد قوات الاحتلال المتواجدة على اطراف المدن والقرى . اما الاضافة الجديدة للانتفاضة فهي العمليات المسلحة ضد جنود العدو والمستوطنين التي أوقعت حتى الآن عدداً جيداً من الإصابات وزرعت الخوف في صفوف القتلة الإرهابيين وجعلتهم يشعرون بأنهم سيدفعون أثماناً غالية لاستمرار احتلالهم وعدوانهم على الشعب الفلسطيني .

اما عمليات التفجير والعمليات الاستشهادية في الاراضي المحتلة عام 1948 فقد كان لها وقع أشد على العدو لأنها تزرع الرعب والخوف وتنقل المعركة الى عقر دار الاحتلال وتكبده خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات وتؤثر بسرعة على الرأي العام فيه باتجاه التخلي عن احتلاله للأراضي الفلسطينية . وقد نجحت حركتا حماس والجهاد الإسلامي في تنفيذ ثلاثة عمليات من هذا النوع حتى الآن أوقعت عشرات القتلى والجرحى في القدس الغربية وتل أبيب والخضيرة ، وكان لهذه العمليات صدى وردود فعل كبيرة في أوساط العدو الذي عبر صراحة عن عجزه عن مواجهة هذا النمط من العمليات بدون وجود تعاون أمني مع السلطة الفلسطينية وهو الذي يمر الآن بأدنى مستوياته منذ توقيع اتفاق أوسلو على الرغم من وجود الكثير من المؤشرات على استمراره حيث قامت قوات الأمن الوقائي بقيادة جبريل الرجوب باعتقال مجاهدين في نابلس بحجة تورطهما في عملية الخضيرة وذلك بعد أن تم الإفراج عنهما مؤخراً !!

 

شلل أميركي وعجز صهيوني عن ايجاد حلول سياسية للانتفاضة

 

ولكن استمرار الانتفاضة وتصاعدها لم يؤد الى توقف السلطة الفلسطينية عن التجاوب مع الجهود الدبلوماسية التي بذلت لوقف الانتفاضة وإعادة المفاوضات الى مسارها . وعمدت السلطة    الى تشجيع حركة فتح على المشاركة في الانتفاضة بل وحتى محاولة الهيمنة عليها وضبطها في الإطار السلمي الذي يمنع تحولها الى انتفاضة مسلحة ، ومن ناحية ثانية  تعمل على استثمار الانتفاضة سياسياً من خلال محاولة رفع سقف المطالب الفلسطينية الى حد المطالبة بتنفيذ قراري 242 و 338 وليس التفاوض حولهما للوصول الى الهدف المرجو في ظل موازين القوى المعروفة وهو الحصول على سيادة فلسطينية على منطقة الحرم القدسي وإيجاد حل مناسب لقضية اللاجئين يشمل عودة جزء منهم الى المناطق المحتلة عام 1948 وعودة جزء آخر الى المناطق المحتلة عام 1967 في إطار تحسيني لما تم التوصل اليه في تفاهمات كامب ديفيد . الا ان الانتفاضة التي تصاعدت بشكل ملموس بسبب ازدياد عدد الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا في المواجهات مع قوات الاحتلال جعلت من العسير على قيادة السلطة الفلسطينية القبول باستئناف المفاوضات في ظل استمرار العنف الصهيوني . كما ان الانتفاضة أدت الى تزايد الأصوات الداعية في الكيان الصهيوني الى قمع الشعب الفلسطيني والمزيد من اضعاف موقف حكومة باراك الضعيف أصلاً في الكنيست منذ قمة كامب ديفيد –2 التي أفقدته تأييد أهم حزب متحالف معه وهو حزب شاس ( 17 مقعداً في الكنيست ) حيث انتهى ذلك بإعلان باراك نيته في الدعوة لانتخابات جديدة في الكيان الصهيوني بعد التصويت بالقراءة الثانية على حل الكنيست . وقد أفقدت هذه التطورات باراك وحكومته القدرة على المناورة على صعيد التسوية السياسية ، بل وجعلته يلجأ الى التشدد في التعامل مع الانتفاضة من خلال استخدام أقسى الوسائل العسكرية في مواجهتها وإصراره على ضرورة وقف الانتفاضة قبل استئناف المفاوضات . وهذا ما أدى الى فشل كل المحاولات التي بذلت أميركياً وأوروبياً وروسياً وفي بعض الأحيان عربياً لاستئناف المفاوضات السياسية وفشل كل الترتيبات الأمنية التي حاولت وقف الانتفاضة بالتوازي مع تخفيف الإجراءات العسكرية الصهيونية وسحب قوات الاحتلال من مداخل المدن والقرى الفلسطينية .

ومن العوامل المهمة التي ساهمت في فشل الحلول السياسية للانتفاضة الشلل الذي أصيبت به الإدارة الأميركية أثناء إجراء انتخابات الرئاسة الأميركية ، حيث لم ترد إدارة كلينيون التي عرفت بأنها من أكثر الإدارات انحيازاً للعدو الصهيوني أن تخسر الأصوات اليهودية في الانتخابات في حال قيامها بممارسة أي ضغوط على الطرف الاسرائيلي او حتى إن لم تظهر انحيازها الواضح للكيان الصهيوني وتبرير ارهابه للشعب الفلسطيني . وهذا ما حصل بالفعل حينما ظهر موقف هذه الادارة بأنه مؤيد للقمع الصهيوني ومحاولة مساواته الضحية بالجلاد ومطالبته الضحية بوقف اطلاق النار اضافة الى منع مجلس الأمن الدولي من ادانة العنف الاسرائيلي والحيلولة دون تبني مطلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني على هزالته ،الأمر الذي أفقد هذه الادارة أي قدرة على القيام بدور فعال لحل الأزمة . ومما زاد في ضعفها   دخولها في معركة حسم نتائج الانتخابات   .

   والآن وبعد بدء العد التنازلي للانتخابات الصهيونية والتي تشير استطلاعات الرأي ان فرصة فوز زعيم الليكود (في حال فوزه بترشيح حزبه للمنافسة على رئاسة الوزراء)  ستكون أكبر بكثير من فرصة زعيم العمل ( في حال ترشيحه من حزبه أيضاً ) وذلك بسبب فشل باراك في تحقيق وعوده للناخبين بتحقيق حالة سلام مع الدول العربية ، فإن الورقة الرابحة التي يمكن لباراك ان يلعبها لتعديل ميزان شعبيته والعودة مرة ثانية لرئاسة الوزراء هي النجاح في التوصل الى تسوية   مع السلطة الفلسطينية تكون الانتخابات بمثابة الاستفتاء عليها . ولكن ذلك مرتبط الى حد كبير بما يستطيع باراك تقديمه لتشجيع السلطة للعودة الى طاولة المفاوضات ، وفي هذا السياق تأتي مبادرة باراك بطرح اقتراح التسوية النهائية التدريجية بحيث يتم نقل 10% إضافية من اراضي الضفة للفلسطينيين مع تحويل غور الأردن الى منطقة أمنية واسعة ونقل مناطق (ب) الى (أ) بحيث يصبح في حوزة الفلسطينيين 50% من مساحة الضفة التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية بالاتفاق مع الطرف الاسرائيلي مقابل ضم الكيان الصهيوني لما نسبته 8% من مساحة الضفة مع تأجيل بحث قضيتي القدس واللاجئين الى وقت لاحق بحيث تستمر المفاوضات حولها من ثلاث الى خمس سنوات . ومن الواضح ان هذا الاقتراح هو أقل من التفاهمات التي اتفق عليها في كامب ديفيد لأنه يتحاشى بحث قضيتي القدس واللاجئين رغبة في استعادة تأييد الشارع الاسرائيلي لعملية التسوية ، ولهذا فهو لا يتمتع بمقومات النجاح والاقناع للسلطة الفلسطينية التي لا تستطيع تقديم أي اتفاق لا يشمل السيادة على القدس مقابل وقف الانتفاضة . كما ان استئناف المفاوضات في ظل استمرار الانتفاضة غير ممكن حالياً بسبب رفض الصهاينة التفاوض تحت أية ضغوط عسكرية طالما انهم يعتبرون انفسهم متفوقين عسكرياً على الطرف الآخر الذي يفترض به الرضوخ لاختلال موازين القوى والقبول تحت وطأة المفاوضات والضغوط الأمنية والعسكرية المتواصلة بما يطرحه الصهاينة .

ولا يبدو ان هذه المعادلة التي يحاول الصهاينة فرضها من جديد على السلطة الفلسطينية ( وقف الانتفاضة والتفاوض حول حل نهائي – انتقالي ) ممكنة التحقيق في الأوضاع والظروف الحالية خصوصاً بعد صعود الكثير من الأصوات داخل تنظيم فتح تنادي بتغيير معادلة التفاوض لتشمل الانتفاضة الشعبية جنباً الى جنب مع المفاوضات ورفع سقف المطالب الفلسطينية بالاصرار على استعادة كامل الأراضي المحتلة عام 1967 ، في الوقت الذي تشير فيه بوصلة الجماهير الفلسطينية الى رفض معادلة التفاوض أصلاً والاصرار على مقاومة الاحتلال بكل الوسائل الممكنة  .

 

الاتفاضة مستمرة حتى دحر الاحتلال

    

واذا كانت الانتفاضة تمتعت بالزخم الشعبي المتواصل فإنها لا تزال تعاني من اختلاف البرامج السياسية التي تعمل من خلالها ، ففي الوقت الذي تريد فيه القوى الاسلامية ( حماس والجهاد) والقوى المعارضة للتسوية السياسية استمرار الانتفاضة حتى دحر الاحتلال على الطرية اللبنانية وترى في إصرار الشعب الفلسطيني وصموده ودعم العالم العربي والاسلامي رصيداً كبيراً لتحقيق هذا الهدف ، فإن القوى المؤيدة لعملية التسوية وعلى رأسها حركة فتح التي تشكل العمود الفقري للسلطة الفلسطينية تسعى لاستثمار الانتفاضة سياسياً لتحقيق تسوية سياسية تحقق بعض المكاسب للشعب الفلسطيني مع خلافات بين هذه التنظيمات وداخل تنظيم فتح نفسه حول حجم هذه المكاسب وآلية تحقيقها .

وعلى الرغم من الخلافات الجذرية حول هدف الانتفاضة واستراتيجيتها فقد استطاعت القوى الفلسطينية تحقيق وحدة ميدانية في مواجهة الاحتلال وتنظيم الفعاليات ضده وان لم تخل هذه الفعاليات من محاولات استحواذ واستفراد من تنظيم فتح من خلال بعض الممارسات السلبية ، ولكنها  لم تؤثر حتى الآن على استمرارية الانتفاضة وتواصلها بسبب وعي القوى الفلسطينية وتجاوزها لهذه الممارسات في سبيل المصلحة العامة الفلسطينية .

ان اندلاع الانتفاضة وتواصلها بعد استنفاد عملية التسوية كل جهودها ووصولها الى طريق مسدود يضع علامات استفهام كبيرة حول امكانية نجاح  أي برامج لاستثمار الانتفاضة باتجاه التسوية ، ويؤكد ان استمرارية الانتفاضة الى حين دحر الاحتلال عن الأرض الفلسطينية أصبح هو الهدف الذي لن يقبل الشعب الفلسطيني التراجع عنه تحت أي ظرف أو مبرر ، وهذا يستدعي من كل قوى الشعب الفلسطيني حسم خياراتها السياسية والالتحام مع القاعدة الشعبية العريضة على قاعدة مقاومة الاحتلال ونبذ كل الحلول التي لا تحقق زواله بشكل كامل عن الأراضي الفلسطينية المغتصبة . والانتفاضة التي قامت من أجل دحر الاحتلال ستظل مستمرة ومتصاعدة بالحجر والمقلاع والمولوتوف والسكين والقنبلة اليدوية والقنبلة الموقوتة والقنبلة البشرية الاستشهادية ، وسيزول الاحتلال حتماً عاجلاً أم آجلاً طالما تمتع الشعب الفلسطيني بالإرادة التي تسندها العقيدة وتقويها ،وطالما تسلح بالصبر على الخسائر التي يتكبدها ووحد قواه وبرامجه على قاعدة المقاومة .